جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ


ترجمة: ستار كاووش
الرسالة الثالثة عشرة

لاهاي ٣ أيلول ١٨٨٢
تَيّو العزيز
وصلتني تواً، رسالتك الجميلة التي أسعدتني كثيراً. وبما أن يومي الآن هادئ، وليس لديَّ الكثير مما أقوم به، لذا أكتب إليك مباشرة. أردت أن أحدثك بشكل خاص عن بعض التفاصيل التي ذكرتها في رسالتك. كم هو ممتع ما كتبته حول عمّال مونمارتر،
أكاد أن أرى المشهد بكل ألوانه، ياله من شعور منعش، لقد جعلتني أتحسس المكان وأرى الألوان من خلال كلماتك. جميل كونك قرأت الكتاب الذي يتحدث عن جافارني*، إنه كتاب مشوق حقاً، حين قرأته في وقت سابق، إزدادت محبتي كثيراً لجافارني. أعرف أن باريس ممتعة وجميلة  لكن على أية حال، فالأمر هنا في لاهاي ليس سيئاً أبداً.
لقد رسمت مجموعة الرسومات هذا الاسبوع، بعضها انطباعات عن ساحل سخيفيننغن، تماماً عن المكان الذي كنا نتجول فيه دائماً. رسمت دراسة كبيرة الحجم يظهر فيها البحر ورمال الشاطئ والأفق المفتوح. وواحدة أخرى لفضاء واسع، بلون رمادي ناعم، وأبيض دافئ، مع بقع خافتة بالأزرق، وقت غروب الشمس، حيث بدت الرمال تكتسب بعض الشقرة التي امتزجت مع بقايا ملامح ناس بعيدين في العمق، وقارب وحيد، يبدو ثابتاً تحت خط الأفق، وهو ينتشل مرساته المستقرة في أعماق البحر ويسحبها الى الأعلى، بينما الخيول التي تظهر على الجانب، تتأهب لسحب القارب نحو المياه العميقة. أرسم لك هنا موتيفاً سريعاً لذلك، كي تكون لديك فكرة عن الموضوع. لقد فكرت أن أرسم كل ذلك على”كانفاس”أو”بورد"، لكن ذلك يتطلب ألواناً كثيرة، كي أتوصل لتعبير يناسب عمق التفاصيل وحقيقة اللون.
كم هو مثير للاهتمام ياتيّو أن نفكر بذات المشاعر والاحساس أزاء بعض التفاصيل، لا أستطيع أن أكتم فرحي وأنا أرى إن الأشياء التي تشرق في ذهنك، هي ذاتها التي تضيء مخيلتي ووجداني. فعلى سبيل المثال، حين عدت مساء أمس مع بعض الأعمال التي رسمتها في الغابة، وأنا أفكر بطبيعة اللون وعمقه وتأثيره، كنتُ وقتها بحاجة لأن أشاركك ذلك الإحساس العارم الذي إنتابني، أن أتقاسم معك هذا الدافع الخفي الذي يجعلني أنتبه الى اللون بشكل مختلف، وها أنت تحدثني في رسالتك التي وصلتني هذا الصباح عن اللون وتأثيره وتدرجاته، عن مونمارتر وما يؤثر على بصرك هناك، لا أجزم إن كان الشعور الذي يجمعنا أزاء اللون هو ذاته، لكني متأكد بأننا نسير في طريق واحد.
أرسل لك هنا أيضاً موتيفاً صغيراً لما رسمته في الغابة، لتتحسس مشاعري أكثر وأنا أكتب لك عن المكان، الغابة في هذا الوقت الخريفي تمنح تأثيراً لونياً لا مثيل له، فأنا لم أرَ في الفن الهولندي أبداً مثل هذه الألوان والانسجامات والتأثير. أرضية الغابة هنا يشع منها الضوء والعتمة بذات الوقت، بدرجات متعددة من اللون البني المائل للحمرة. يتجلى ذلك في ظل الأشجار الموشى بشرائط  تشرق وسط العتمة، وتطوق مساحات خافتة هنا، وحادة هناك، ونصف ممحوة في منطقة أخرى. عاطفتي بدأت تتسع في المكان وأنا أرى كيف يتدرجُ اللون بقوة وثبات في عمق الغابة، هنا شعرتُ لأول مرة كيف تعددت درجات الضوء حتى في الأماكن المعتمة، وكيف تفضحُ أشعة الشمس المائلة، الألوان المختبئة في الأعماق، أشعة تخترق جذوع الأشجار والأغصان المتداخلة، لتتحول بعد ذلك الى لون برونزي وهي تستقر في خلفية المشهد. لا يمكن لأية سجادة، مهما كانت باهرة الصنع أن تعكس هذا الانطباع الذي رأيته في هذا المساء الخريفي النادر. ياللجمال الذي يكمن في أشجار الزان الصغيرة الطرية، وهي تنبثق من الأرض، وتندفع الى الأعلى كي تتلمسُ الضوء، فتتحول نهاياتها الى لون أخضر مشعٍ ومليءٍ بالحياة، وهي محاطة بظلال خضراء داكنة! ومن خلال كل ذلك تلوحُ في العمق البرونزي البعيد، مساحة صغيرة من السماء الزرقاء، هي ليست زرقاء تماماً، بل تعلوها مسحة رمادية خفيفة تُلَطِّفُ المشهد. وفي الجهة المقابلة تُشرِقُ حافة خضراء مرقطة بلون أصفر. وسط كل ذلك بانَ في البعيد، جامعو الحطب، مظللين وغير واضحي المعالم، ويضيفون للمشهد بعض الغموض. من بينهم إمرأة بطاقية بيضاء منشغلة بجمع الأغصان المتساقطة هنا وهناك، يظهر نصفها العلوي وهي منغمسة بعملها، بينما ينعكس عليها الضوء ويحيلها الى جزء مكمل للخلفية التي ينبثق منها خيطُ دخان رفيع، يخترق المكان ويتصاعد نحو السماء. الأشخاص هنا يبدون أكبر حجماً وأكثر شاعرية، بسبب ما يحيطهم من درجات اللون العديدة.
أحاول أن أرسم لك ذلك بالكلمات، ولا أعرف الى أي مدى يمكنني المضي بهذا على سطوح اللوحات، لكني أشعر بذلك حقاً وخاصة حين تتناغم وتتداخل درجات الأخضر والأحمر والأسود والأصفر والأزرق والبني والرمادي. هنا في هذا المكان، حاولت تمالك نفسي، وأنا أقف ساهماً، منسجماً مع المشهد الخريفي الذي يغمره الغموض والسحر والسطوة. لكن عليَّ أن أرسم بسرعة لأقبض على التأثير المطلوب وأسيطر علـى حركة الشخصيات الذين وضعتهم بلطخات حادة على القماشة، ولرسم جذوع الأشجار وأغصانها المتفرعة، عمدتُ لوضع الألوان من الأنبوب مباشرة على سطح اللوحة ثم حركت فوقها الفرشاة بما يمنحني التأثير المناسب. أرى أن هذا يعطي للرسم قوة أكثر.
لحسن حظي، لم أتعلم الرسم بمعناه الحرفي من البداية، وإلّا لم يكن بأستطاعتي أن أرى تأثير الألوان كما أفعل اليوم. وربما لا أستطيع أن أتخلص من الطريقة التقليدية للرسم. لكن إن سألتني، كيف أرسم الآن، ووفق أية طريقة؟ فأنا نفسي لا أعرف ذلك بالضبط. هناك قطعة بيضاء تستهويني وتقف بمواجهتي، أنظر إليها وأشعر بأنها يجب أن تتحول الى شيء آخر، ابدأ بالرسم وبعدها لا أقتنع بالنتائج، والأصح أشعر بخوف غريب ينتابني وأنا أبتعد عنها، لأعود مرة أخرى الى قماشتي وأشعر بعدم الرضا من جديد، لأن الطبيعة بكل عظمتها لا يمكن احتوائها بلوحة صغيرة، لكني مع ذلك أشعر بأن نغماً معيناً يربطني بهذه الطبيعة، هناك شيئاً ما تخبرني به الطبيعة، إنها تقول لي شيئاً وعليًّ أن أدون ذلك الشيء بسرعة على سطح اللوحة، لكن كيف أدون نداء الطبيعة هذا، بدون نشاز، بلا أخطاء او نقصان؟ فالحلول أو اللغة التي أبحث عنها في الرسم لا تنبع بشكل تلقائي من شكل الغابة أو الأشخاص أو البحر وحتى الساحل، وهي ليست لغة معتادة او مألوفة، لأنها لا تأتي من الطبيعة التي نعرفها، بل من نظام معين يحكم الألوان والأشكال، من إنسجامات مختلفة لا نعرفها وربما لا تعرفها الطبيعة ذاتها.
أرسم لك هنا موتيفاً آخر حول الهضاب، حيث الشجيرات الصغيرة التي تبدو بيضاء من جانب وخضراء داكنة من الجانب الآخر، تبدو متلألئة وهي تتمايل باستمرار على خلفية من الخشب داكن اللون. كما ترى، ها أنا أمنح كل طاقتي للرسم وأنغمس مع اللون، وسأظل هكذا ولن اشعر بالندم على ما أقوم به، لأني اعرف بأن عليَّ أن أوفر كل قوتي وما أملك من طاقة للرسم وحده، لكن حين أستمر بالرسم على الكانفاس أو البورد، فسأحتاج لنقود إضافية. فهذه المواد غالية جداً، والألوان كذلك مرتفعة الثمن، وفوق هذا هي تنفد بسرعة. وهذا الأمر يعاني منه كل الرسامين طبعاً وليس أنا وحدي. ولكن أتمنى أن نجد بعض الحلول لذلك.
لديَّ احساس حقيقي باللون وأنا متأكد بأني سأنجح، لأن الرسم يشغل كل كياني، من رأسي حتى أصابع قدمي، عندها ستحب وتتمتع بما أرسم، وأعيد لك المال الذي تساعدني به اضعافاً. أنا أفكر بك كثيراً وفي كل مرة أتمنى أن يلتفت أحداً لأعمالي كي أعيد لك مساعداتك العظيمة لي بطريقة لائقة، لكن مع الأسف لازلت لا أعرف الطريق لهـؤلاء الذين يحبون لوحاتي. أود أن ألفت انتباهك الى شيء، ولا أعرف إن كان هذا ملائماً، وهو إن كان بامكاننا أن نشتري مواد الألوان والكانفاس وباقي أدوات الرسم بثمن الجملة؟ حاول أن ترتب ذلك من خلال علاقتك ببايلارد أو أي شخص مناسب. إن كان هذا ممكناً،  فالالوان المهمة بالنسبة لي الآن هي الأبيض والاوكر والبني، بهذه الحالة سيكون الثمن منخفضاً ونوفر بعض النقود. أرجو أن تفكر بالموضوع. لأجل لوحة جيدة ربما لا تحتاج دائماً الى كمية كبيرة من الألوان، لكن في بعض الحالات حين تريد أن تعكس لون الارض على لوحتك او حتى لون الفضاء فـإنبوب واحد لا يكفي لتغطية ذلك. موف لا يسرف بالألوان مقارنة بباقي الفنانين، لكن حين تدخل مرسمه سترى كيف تتكدس في إحدى الزوايا أنابيب الألوان الفارغة مع علب السيجار وكأنها بقايا الطعام وقناني النبيذ الفارغة في الحفلات التي كتب عنها أميل زولا.
والآن إن كان بإمكانك زيادة المساعدة هذا الشهر فسيكون هذا رائعاً، وإن كان ذلك غير ممكن فلا داعي أن تحمّل نفسك أكثر من اللازم. ومن جهتي سأفعل ما بوسعي بالتأكيد. سألتني عن صحتي، وهنا أسألك يا أخي، وماذا عن صحتك أنت؟ أرجو إنك بخير، يبدو أن علاجنا واحد، وهو التعلق أكثر وأكثر بالفن.  بعيداً عن الرسم، أوضاعي جيدة، والرسم يعينني دائماً. أتمنى لك السعادة وكل ما يساعدك على تحقيق ماتريد. أشد على يدك من بعيد، وإبقَ على ثقتك بي.
أخوك فنسنت

هوامش المترجم:
بول جافارني: رسام فرنسي (١٨٠٤-١٨٦٦) اختص بالرسوم التوضيحية للكتب والمجلات، وقد نفَّذَ الكثير من رسوماته بالطباعة الحجرية. رسم طبقات المجتمع الفرنسي، وقد ارفق رسوماته ببعض التعليقات التي كانت مثار اعجاب الشباب الفرنسي. وضع مجموعة من الرسومات لروايات بلزاك. صدرت عن حياته ورسوماته الكثير من الكتب، منها سيرة حياته التي كتبها تشارلس يارات، والتي لاقت نجاحاً كبيراً.



المشاركة السابقة