جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الفراشات في أيروتيكيا الحرب والحب


نعيم عبد مهلهل
لحظة تولد الحرب تولد ابتسامات النعوش. سيكون الموت حدثاً عادياً وسيكون بمقدورنا أن نعرف المزيد من الأصدقاء وربما سنلاقي في قرية جبلية ما أميرة تضيء بذاكرة المراعي أو طيفاً لأب أو جدٍّ غاب عنا في منافيه وهجرته الحزينة يوم ينشر الجوع في أور أغانيه ويأكل الناسح الحنطة المسمومة، وستقودنا بعينيها إلى جنة الفراشات وسنتمتع ببهجة اللون،
متذكرين خواطر الحدائق الجنوبية حيث كنا نفكر ببساطة كي نضع الافتراض السحري للسعادة من خلال تأمل وردة بالرغم من أن الفطور والغداء والعشاء هو الرغيف وحبة خيار وقدح شاي. وغيرنا سكن الجنائن المعلقة وفي خزائن بيته فراشة أثرية متحجرة اشتراها من باريس.
نحن اشترينا ما نظنه الخلود القادم، وهو ذاته ما دفع أجدادنا للصعود إلى المنابع البعيدة بحثاً عن خلود أغواهم بسحره الكهنة ونظرات الآلهة (دمى الطين).
غير أن قدوم الحرب قلب الحسابات رأساً على عقب، وغير رغباتنا في إكمال بقية فتوتنا في أحضان نساء السينما والمجلات وطالبات المراحل الأربع في الكلية. بعيداً ذهبنا، إلى قمم ترتدي قبعات الثلج وإلى مشاوير صاخبة وإلى زمنٍ حرج، فيه ندرك لحظات التفكير بما آل إليه الوضع البشري، رأيت أن روح الأمكنة تخلق بفعل رغبات القلوب المؤنسة بالحاجة لاكتشاف حب. لا أدري إن كان هذا ينطبق على أمكنة الحرب. فهي أمكنة صاخبة تشبه حشداً من الببغاوات المتحدثة باللغة الصينية محبوسة في قفص لمساحة فيه كي يمدد الطائر جنحيه براحته.
فالحرب هي أولاً وأخيراً مكان لصخب ما. ولنقل إنها قفص كبير تتصارع فيه حيوانات عاقلة صنفها داروين على نظرية البقاء للأصلح لا ينطبق على عالم الغاب فقط، بل البشر يميلون إلى هاجس كهذا والذي سبب المقاتل والحروب منذ لحظة سقوط الحجر على رأس واحد من أبناء آدم وحتى هذه اللحظة.
غير أني في لحظة ما أدركت في الحرب القدر الذي لامفر منه فعودت نفسي على سياحة مسائية أحاول فيها أن أتأمل الموجود على أساس أنّه متعة للوجد، أصنع من تأمل التكوين الهائل للمكان المفتوح فضاءات مفترضة لخيالات أرى أنها ركيزة لتفكير قادم حين تنتهي هذه الحرب ولم أكن من ضحاياها عندها سيُستفاد من رؤاي حتماً وربما يجعلونها درساً وقائياً كي لا تضطر الأجيال القادمة لترتدي الخوَذ مرة أخرى، وتصبح النعوش مثل أراجيح الهواء معلقة في سقوف الحافلات، مثل قناديل الدمع قادمة من الشمال وذاهبة إلى الجنوب وبالعكس.
وهي ذات خيالات جدي يوم أعطى ذاكرته للريح وقرر أن يكون هنا، ساكناً أبداً للمكان وليس كما جنود الزوار المؤقتين للمكنة وعدة أسفارهم الخواطر والبنادق والنعوش.
أول مرة بحياتي أجد نفسي فوق جبل عندما تحركت وحدتنا ذاهبة إلى جبهة تدعى سيدكان.
أراحونا في قمة جبلية تدعى (نهد المعزى) اسم جميل في الطريق بين شقلاوة وراوندوز. من أطلق هذا الوصف الساحر على هذا المكان الممتد داخل حضن السماء الزرقاء بنتوء حاد معشوشب مثل لحية ناسك الدير أو متصوف تكية الجامع. هنا تسحبك المشاهد إلى تأمل مالا يُحصى من شواخص الطبيعة التي علقت مواسم احتفائها ببراءة الخليقة إلى أزمنة يعلم الله متى تأتي حيث بإمكانك أن ترعى دموع الجبل المتناثرة على شكل حصى وصخور مفتتة جراء ارتطام القذائف بجسد الجبل وسترى أيضاً صحائف محترقة من كتب العشب الذي كنا نقرأ فيه متعة الربيع وتذكر الوجوه الجميلة وهذا السواد الكئيب آت من نيران القصب ومشاعل العثرة التي تنصب فخاخاً للجنود لكن الثعالب والأرانب هم من ضحاياها، غير أنّ الفراشات، تلك التي يمكنني أن أسميها آلهة صغيرة هي من تعيد البهاء للأمكنة الحزينة، برشاقة طيرانها، وخفتها المرحة وألوان أجنحتها الزهرية والتي تتناسق مع الحركة الانسيابية لهذا الكائن الذي يحمل بحجمه الصغير معانٍ كونية لا تحصى قد تدفعني لاكتشاف ما يمكن أن أعتقده حياة ثانية لميت دون الرجوع إلى حسابات الحلم الخالد وأقصد (الجنة والنار).
هذا الكائن الخرافي هو الوحيد الذي يجعل متعتي بالمكان متعة حس وجمال بل ويحِّولني شكلها وألوان أجنحتها إلى شاعر صغير يتنبأ بمولد الوجود الآخر لبشر غير أولئك البشر الذين يتصارعون لشيء لا يفهمون سره، المهم أنّهم سيقوا إلى هنا مثلما تساق النعاج إلى المرعى.
لقد كنت في كل حياتي أرى في النبوءة حافزاً لمشاهدة مافي الغد من خفايا. وأني أفعلها الآن بمساعدة هذه الفراشات الزرق. إنها في طيرانها الليلكي هذا تعيد إلي بيت الشعر الساحر الذي تلته على مخيلتي ذات قراءة الشاعرة والقائل:
تجد الحرب ذاتها واقعة في لجة الحديث عن الحياة وطبيعة الحفاظ عليها دون أن تصيبنا من فواجعها شظية ما أو رمية حصاة. كنا نتخيل ما يمكن أن يحدث لحياتنا ونحن معلقون فوق نهد العنزة مثلما يعلق الكمثرى في الشجر. وكنت أتطلع إلى سرب الفراشات الهابط بهدوء مفضوح إلى الوادي فأشعر بأمان مزدوج من أن الحياة التي نفترض إنها ربما تنتهي بفاجعة التمدد وسط بحيرة دم الجرح القاتل سوف تكون مضمونة عندما ننحدر بحواسنا الإغريقية مع هذا الطائر الضئيل الحجم. لقد كانت الفراشات بألوانها الساطعة والمعتمة تشعرني بهالة من الغرور. وتذكر واجبات المدرسة إنها، الطفولة المخبأة في طيات ثوب الزمن المتقدم من أعمارنا.
وأنا اعتبرها الآن الطفولة النائمة تحت أكمام بدلاتنا الطويلة تلك التي تحنت بالماء والتراب يوم هدمت قذيفة قادمة من الجهة الأخرى سقف الربيئة وبت ليلة أرتجف من البرد والحزن ويوم أشرقت الشمس بضوء الثلج، كان سرب الفراشات الملون منطلق من مهجعه إلى مقر عمله حيث حدائق الخضرة الشاسعة في قلب الوادي يومها تعلمت من تلك اليقظة المبكرة لهذا السرب الرقيق قدرة نسيان مايمكن أن يكون فاجعة بالنسبة لنا، ولأني عريف الربيئة أمرت الجنود على الفور بإعادة بناء السقف المتهدم والبدء بلحظات تأمل جديد لنهار آخر من نهارات الحرب.
وهو أول دروس الحرب وخبراتها في المكنة العالية، تلك التي كان أبي يسردها في حكايته وهو يصف رحلة جدي إليها، وببراعة حكواتي فطري يحاول أن يمزج بين رحلته الأولى التي صعد فيها من أور إلى المنابع العالية، والثانية التي هبط فيها من ليل أصفهان ليسكن قريتنا، القابعة في حضن الماء، كما الشبوط النازل إلى قاع الماء طلبا للدفء من برد شتاء الأهوار القارص.
أول استراحة، ويبهجك أن ترى المكان بجمال تضاريسه، القرى المعلقة في الأفق مثل قناديل الأقزام السحرة في حكايات الأفلام الكارتونية، العشب القاتم في الليل والذي يرينا شيئاً من بريق خضرته الصباحية حين يعكس عليه ضوء القمر هالة كبيرة من حنانه الذهبي والبرتقالي، فيما تشعرني أطراف العشب برغبتها في تقبيل الضوء النحيف لملايين النجوم المضيئة في مسافة سماء لا نهاية لها، ليطل الصباح سريعاً ولتفاجئني رقصات الكائنات الملونة الصغيرة. (الفراشات)
تمنحنا الفراشات بألوان أجنحتها الجديدة القدرة على مجاراة أهوال الحرب وهي واحدة من الأقلام السحرية التي تخط قصص الأمل بفتنة تشبه إغماضة قمر بين حشد من السحب ولكنها تعي التحولات فقد صارت شاهد صباحاتي المسكونة إلى ماتركته هناك عند أهلنا السومريين البسطاء الذين يدركون رغبات موتهم من خلال حركت أجفان آلهتهم المتعددة كجمع العصافير المنتشر على سيقان سعف النخيل ودكات البيوت الطينية للمدن ألم أور الحبيبة. لقد أولّت الحرب كل حاجة للتفكير بالحفاظ على الأنا البهيجة التي يراد لها أن تغادر صخب الليالي المفاجئة وتبدأ ثانية مع هذا الطيران المنظم لتعيد الحسابات وفق الخيال والمتخيل ولحظة إكمال السقف المتهدم داهمي الشعور المفاجئ بالكتابة عن شيء غامض.
الغموض في الكتابة يعني السعي لأكتشاف سر يعيد إليك ماضاع ولايمكن الحصول عليه حتى لو بمال قارون. لحظة الكتابة هي أن تكون مستعداً للوثوب إلى عالم آخر ستكتشف به زيف ماكان يقال وسيقال وستحسّ أن فريضة إيمان الإنسان برؤاه على عداها هي أزلية لكبرياء يريد أن ينجو بنفسه.
ولأن الفراشات تتحرك وفق فلسفة أحسنت صنعها طبيعة تكوين هذا الكائن الغامض الجميل فالتعلم منها قد يكون درساً بمستوى الدرس السقراطي وكأي تلميذ مهذب تجلس لتفتعل لك نبوءة وجملة تتقدم بها على ماسواها ثم تشرع بصناعة نص
لنتأمل هذا النص المجنون لهويديرو:
طفولتي تلد طفولة حادة كالكحول
كنت أجلس في طرقات الليل
كنت أسمع خطابات النجوم
خطاب الشجرة
الآن تثلج اللامبالاة مساء روحي
أقلب النص من جنونه الأخير وأقول: الآن تثلج الفراشات صباح روحي.
ترى هل يصح لنا أن نقلب النصوص بدون استأذان مالكيها. أعتقد إن هذا جائز في الحرب فقط. لقد أبعد عني صباح الفراشات المنتظمة في جلوس مهذب بقاطرة الذهاب إلى بطن الوادي ، فزع وخوف ليلة رهيبة حين يتساقط على رأسك الحديد المتشظي كأمطار خريفٍ فزع، وحين سألوا ريلكه مرة لماذا تمسك بمعطف أمطار الخريف دون الشتاء؟ أجابهم لأنها تزامن سقوطها مع ذبول الورد والشجر.
داخل الغرفة الحجرية المربعة التي كانت تأوينا نحن الأربعة ذبلت الحياة بشكل غريب. عندما شعرت المدافع البعيدة بقدوم وحدتنا إلى هذا المكان، ليبدأ فصل القصف على وحدتنا المنتشرة بحضائر صغيرة على الربايا المتقاربة فوق قمة الجبل وسفحه، كان قصفاً مركزاً ومتتابعاً فلم نكن نتصور أننا سننجوا ولم نختبر بعد الحرب في المناطق الجبلية، كانت الأدعية واستعطاف الأئمة والقديسون وحتى حواريو المسيح تعلوا في المكان مثل مظلات لحفل يقام في هواء طلق وماطر. كان سقوط القذائف يشبه سقوط صخب الموسيقى على ثملٍ قادته قدماه إلى المكان من غير موعد ولربما هذه الموسيقى بنشازها المدوي كطبول في مرثية عاشورية أعادت لذاكرة الجميع حسابات ماكان وسيكون ولربما حين تكتب لنا النجاة سنعيد صياغة القادم من أيامنا رغم أن الرغبة بالتخلص من طوق الحرب الملتف على الرقبة لا تأتي لمجرد رغبة فقط بل قد تأتي من قرار هروب وعندئذ سيكون القدر الحذر هو كل ما تمتلكه. فمن يهرب من الحرب مكانه المقصلة. لحظتها من يتأمل سواي هذا الطيران المهذب لسرب الفراشات والذاهب إلى متعة المكان التي تلقينا في بهجة التذكر والمواددة لأناس افترقنا عنهم صدفة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية