جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


محايث الجسد


د. علاء مشذوب
العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وقرينه؛ ما زالت تمر بمراحل عصيبة ومتعسرة، لا سيما الحاجة الجنسية، التي أفرزت علاقات شاذة في منظومة قيم بعض الشعوب، واعتيادية في منظومة شعوب أخرى، ومنها العلاقة (المثّلية، السحاقية، اللواط)، ولعل أفضل وسيلة يمكن التعبير بها عن هذه العلاقات هي الرواية. لما تمتلك من حرية ووعي تعطي لكاتبها الانطلاق في مثل هذا المجال الذي عدّ فيما سبق على أنه تابو من التابوهات المحرمة التي لا يجرأ الروائي على الخوض في غمارها.
نشهد في رواية رائحة القرفة للروائية السورية سمر يزبك تجسيد مثل العلاقة الشاذة بين سيدة من علية القوم وخادمتها التي جلبها أبيها من عشوائيات دمشق التي نبتت عند تخومها إسوة بالكثير من العواصم العربية لتعمل كخادمة عندها. ولربما العلاقات النسائية المحايثة يصعب تسليط الضوء عليها، إذ لربما ستتهم الروائية بأنها تعكس عقدها الشخصية وأمراضها، فما زال مجتمعنا يعيش أمراضاً نفسية واجتماعية، ولا يفرق بين وظيفة الروائي من كونه يسلط عدساته على بعض الحالات الاجتماعية والنفسية والجنسية التي يمر بها ليفضحها، وبين من يعاني المشكلة ذاتها.
إن تسليط مبضع الروائية سمر يزبك على مثل هذه الحالة ومحاولة تشريحها، انما يدل على براعة ودراية كاملة في أدوات السرد، ليتحول الجسد في هذه الرواية الى مكان الأحداث، وأحداث المكان التي تستمر على طول الرواية.
لنأخذ مقطعاً من الرواية ونقرأ فيها الكيفية التي برعت فيها الروائية التي سلطت الضوء على مثل هذه الحالات الاجتماعية التي ازدهرت من قبل وما زالت مزدهرة: تغص حنان نظرها عن أصابعها، تمسد جسدها، تلقن نفسها بصوت يكاد يكون مسموعاً:
لا يوجد رجل قادر على إمتاعك كما تفعل أصابع ليّنة خارجة من قلبك، وليست خارجة من جسد رجل، استطالات دافئة. تتفتح فيك، وتكبر، تمنحك ما خرج منك، وما لديك، وبذلك تكونين سيّدة نفسك، تعيد إليك أنوثتك في إرتعاشة، وتظلّين منتصبة، الأصابع مثل حروف واقفة، لا تنتهي، حروف تخرج من القاع، تطير في الهواء. تلامس بارتعاشها الفراغ، فتولد لذة أبدية.
تبدأ وتنتهي في اللحظة نفسها. الأصابع مختلفة اللذات. أصابعك نحيلة وخشنة، لكنها جميلة. هل تعرفين أصابعي؟ تتجمد أحياناً. تتوقف في وسط الأشياء، ولا تتابعها. لا تعرف الحركة. تنتهي في بداية حبي لها. هل أحببت أصابعك يوماً؟ الأصابع التي لا تنتهي بارتخاء مذل. في أي وقت تطلبينها، تأتي إليك. أصابعي تحب أن تمر عليك. أصابعي لا تحب شفتي، ولا تحب عيني.
أصابعي! أكرهها. هي قادرة على إيذائي عندما تفلت مني. أصابعي من رمل. لا تنظري الى البياض، أنها محشوة بالعواء، وعند أول ملمس تذوب. هشة لا تشبه أصابعك الصلبة قطعة تمساحي الرخوة. عندما تكبرين ستجربين، كيف يمكن أن تكوني عزلاء في مهب المتعة! لم تجربي بعد أن تفوري وتنطفئي، دون أن تشعري بأعماقك تغلي. هل تعرفين التماسيح؟ لها أعضاء متهدلة وثقيلة، ورائحتها تشبه رائحة الموتى. هل رأيت وجه تمساحي؟ لكنك لم تشمي رائحته. ليست رائحة الشيخوخة، إنها رائحته، منذ اليوم الأول.
كانت وما زالت. هل جربت الاستلقاء تحت تمساح عجوز. تمساح من رغوة، من بصاق ولهاث؟ أنا فعلت ذلك دائماً.. كنت تحت جلده، في منطقة مخيفة، حيث لا يبدو أمامك سوى الظلام، بين جلد التمساح وصوت تنفسه. قبل ان أكتشف أصابعي، نمت في بحيرة التمساح العجوز، قبل أن تقودني الى القمة، وأنزع عني جلد السحلية التي تنتظر رجلاً بلا دموع.
التماسيح لا تبكي. شاخصة دائماً. هل تعرفين؟ لم يبك يوماً. وله رائحة الموتى الذين يمتصون حياتك، وينهزمون من حلول الليل إلى فراشهم. غطاء فراشه من المخمل. هل تصدقين؟ كل التوابيت لها غطاء داخلي من المخمل. المخمل الأحمر. قسوة الموت لا تناسب نعومة المخمل. لماذا لا يغطون التوابيت بالكتان؟
أحب أصابعك. أنظري كم تبدو واقفة! لا تعرفين أصابعك، وهي لا تعرفك. أما أنا فأعرف الأصابع. أحب أصابعك، وملمس بشرتك. لا أحب حراشف التماسيح. هل للتماسيح حراشف، أم أبر صغيرة تختبئ بين انثناءات الجلد؟ هل تلعبين معي قليلا؟ أنظري: الماء الساخن. الماء.. بلا لون. لونه أبيض، أم لون حوض الحمام، أبيض حار؟ أنت حلوة. أصابعك طويلة و... هل جربت أن تكون أصابعك ملاذك في وحدتك، وأنتِ صغيرة. لم تفهمي أحد. كنت ألوذ بأصابعي في بيت مسكون بالأرواح المتجهمة والنوافذ العريضة. مسكون بكل شيء إلا الحياة.
أنتِ لم تتعلمي أن تحاوري جسدك، أنا سأعلمك. ما تزالين صغيرة، لا تعرفين أين مكمن قوّتك. ولو كنت تعرفين لكبرت أسرع من ذلك. هل ستبقين طفلة الى وقت طويل؟ متى ستكبرين؟ خرساء. أنتِ خرساء؟ أنتِ لم تتعلمين الكلام؟ هذا أسوأ ما فيك، وهو أجمل ما فيكِ أيضا. ستكونين جزءاً مني. لا يمكنك فأنت من دم وعيونك خبيثة. لا بأس سأجعلك جزءاً مني... او حتى من... وربما ستجلبين أمامي على الكومدينو مثل دمية. لا تشبهين الدمية. ماذا تشبهين؟ لا أعرف. أنتِ لطيفة وناعمة ومطيعة مثل قطة. لست ناعمة. ستصيرين ناعمة.
إن علاقة حنان مع أصابع عليا، علاقة أكثر من جنسية بعد إن اعتادت عليها على إنها بديل موضوعي لزوجها الذي أصبح كتلة من اللحم والعظم ممد على فراش ينتظر زواله، والدليل إنها لم تستطع الاستغناء عنها.
فبعد أن طردتها من فيلتها، سرعان ما خرجت خلفها بملابس النوم وشعرها المنكوش تبحث عنها في أزقة وحارات المنطقة دون أن تعثر عليها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية