جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


رحلة شرقيّ من مدينة بغديدا .. تحصد جائزة أدبية لجمعية عمل الشرق في باريس.


متابعة / جميل الجميل
حاز كتاب السيرة الذاتية (رحلة مسيحي شرقي من بلاد ما بين النهرين) للكاتب العراقي الأصل عمانوئيل سمعان بتق على الجائزة الأدبية لجمعية عمل الشرق في باريس. 
إسمي عمانوئيل بتق ولدتُ في قرقوش من عائلة مسيحية جدا. ما يميزني في حياتي هو عائلتي، ولا سيما والدتي.
بفضلها تمكنت من الحصول على هذه الفكرة من كونها تسمى الله، ولكن بالنسبة لي كان بابا. قالت"بابو الاها"الذي يعني الله بابا. لذا فإن الفكرة الأولى التي كان لديّها عن الله هي فكرة الأب القريب، الذي يعتني بأطفاله، ولكن في نفس الوقت شخص غير مرئي، ولكنه أيضاً حميم جداً لأنه كلي الوجود. إنها فكرة الأب تلك التي ستتم موازنتها بفكرة أخرى حصلت عليها في المدرسة الدينية وهي فكرة الله بدلاً من الدراسة والحكم على فكرة الخطيئة في كل مكان. من هذين الفكرتين من الله، من حسن الحظ أن أول من نجا ويهيمن علي.
البيئة الثانية التي تميزني هي الندوة الدومينيكية في الموصل حيث تلقيت تعليمًا فرنسيًا تمامًا ووجدت نفسي في الدورة الكلاسيكية مع ست سنوات من الدراسة. بعد الدخول إلى النظام الدومينيكي في ليل - فرنسا، وجدت نفسي في سياق فرنسي بالكامل في عام 1963 كان يميزني في ذلك الوقت، كان من الصعب تغيير الأكوان. لحسن الحظ، ساعدني الأخ المسؤول عن المبتدئين في الكثير من الأمور. بفضل اللغة الفرنسية التي عرفتها، وجدت نفسي مرتاحًا تمامًا. في باريس، كان عالمًا عالميًا، بحيث لا يكون الغريب أولاً غريبًا، بل رفيقًا جيدًا. كانت حساسة أو متناقضة بشكل خاص خلال أحداث  أيار. كان هذا الشهر من شهر مايو بالنسبة لي تجربة ثرية، اكتشاف حقيقي ومسألة مفيدة عن عالم ثقافي وديني كامل. من يوم إلى آخر، في الحي اللاتيني، في شوارع باريس، في السوربون، في مسرح الأوديون، في أكثر المصانع والأماكن تنوعًا، يمكننا أن نرى ونسمع عشرات الآلاف من النساء و يناقش الرجال بتعمق المشاكل الأساسية للحياة البشرية، ويطرحون أسئلة حول معنى المجتمع وغرضه ويحاولون اقتراح بعض الأفكار للحاضر والمستقبل. المجتمع الفرنسي فتح بطريقة غير عادية، يمكن للجميع التحدث إلى الجميع، كان هناك حديث في الشارع من الأشياء الخطيرة التي نوقشت في مجلس الشيوخ أو الجمعية الوطنية! كان هذا بمثابة استجواب لبعض النماذج الاجتماعية والدينية والفكرية الموجودة. ثم تم التقاط الحركة من قبل السياسيين، لكنه شيء آخر. هذه المرة كانت صحوة للتمتع بالمزيد من الحرية وهذا أمر رائع لأننا كنا في مجتمع مغلق على جميع الجبهات، بدءا من الكنيسة. هذه المرة سمحت لي أيضا باكتشاف مؤلفي عصر التنوير والذي أثار اهتمامي كثيرا وتأثر بي.
بلاد ما بين النهرين أيضا تجلب الجانب العلمي الذي. ويكفي ذكر الرياضيات وعلم الفلك والتنجيم، وتقسيم السنة في 12 شهراً، واليوم في 12 ساعة، والساعة في 60 ثانية، والأسبوع في 7 أيام كما كان استخدام في الحضارة البابلية، ناهيك عن ما يعادل نظرية فيثاغورس أو غيرها من المعرفة"العلمية"التي ينسبها الغرب على عجل إلى اليونان.
“أنا نقيشة آشورية بابلية"هكذا عرّف المفكّر والأب عمانوئيل بتق نفسه خلال سنواته الأولى في فرنسا، قبل خمسين عاماً! وهو يافع قادم من العراق بلحيته الكثيفة المشذّبة بعناية، كان بإمكانه أن يطالب هذا النسب البعيد وكان يعرف أيضا أنّ محاوريه قد يفهمون هذا المرجع الأثري!
أنا ولدت في قره قوش في سهل نينوى مثل أي طفل لقد وجدت نفسي في مواجهة الأسماء الشهيرة: نمرود ونينوى وآشور، خورسباد مع رموز قوية ومهيب لهم مثل الثيران المجنحة: مقارنة لهم أنا كان مرتفعا مثل ثلاثة تفاح! عندما وجدت نفسي، أدركت أنه كان كل جذوري.
في فرنسا في الستينيات كان العراق شبه مجهول، ولم تكن هناك علاقات دبلوماسية مع هذا البلد. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن لدى العراق رؤية جيدة لفرنسا والعكس صحيح لأن الشرق الأوسط كان مقسماً بين القادة البريطانيين والفرنسيين وكان العراق تحت الحكم البريطاني. هذه السياسات لم تكن جيدة جداً. عندما وصلت إلى فرنسا، رأيت على الفور أن العراق كان شبه مجهول، إلا من خلال المتاحف أو كتب التاريخ القديم، ومن هنا جاءت إشارتي إلى النقوش البارزة.
يؤرشف المؤلف رؤيته للأشياء المهمة بالنسبة له، بما في ذلك حضارتنا في بلاد النهرين وقيمها وحدودها. وكذلك لمحة عامة عن الموسيقى الليتورجية السريانية من بلاد ما بين النهرين، كما أنّه يثير أسطورة جلجامش، والدعوة إلى رؤية المرأة ودورها الحضاري قبل قرون في بلدنا. يتذكر دور الروح في فهم الكنيسة الشرقية، التي أُنشئت قبل فترة طويلة من اللاتين في الهند والصين، دون فرض على الشعوب لغتها وثقافتها. هذا ما تضمّن الكتاب الذي حصد هذه الجائزة التي تُضاف إلى سلسلة جوائز مدينة بغديدا، ولشخصية ثقافية أرشفت مدينة كاملة بتراثها وعاداتها اليومية وبساطتها.
كما أنّ الكتاب تناول السير ذاتية للكثير من الأمور التي إستطاع أن يدوّنها لمدينة بغديدا وأحداث حملت معها"الحصاد والبيدر والزقارة ولخمه دبغديدا، وزقّارة ونسيج للآن لم تسمر ألوانه الحمر! وحياكة للقهر والشال الفريد من نوعه وأمور أخرى تنعش وتهيّج الذاكرة والعاطفة العراقية والمسيحية بصورة خاصة.
والأب عمانوئيل بتق هو ميخائيل بن حنا سمعان بتق ومريم بنت الياس قوباط ولد في قره قوش في 25 كانون الأول 1933 وتعلم في مدرستها حتى دخل دير مار بهنام الشهيد عام 1947 حيث مكث يتثقف مدة سنتين. درس اللغة العربية وتاريخ الاديان، شغل رئيس البعثة السريانية في فرنسا ومنذ عام ١٩٩٤ يدير مكتبة دير سان جاك في باريس , وهو من وثق بالفوتغراف والصور تاريخ وتراث مدينة بغديدا وابدع فيه.
أقبل مع زميليه فاضل توما قصاب ويوسف متي قوزي الى اكليريكية مار يوحنا الحبيب بالموصل سنة 1949. رُسم كاهنا بإسم القس عمانوئيل مع زميليه الآنفي الذكر والقس روفائيل قطيمي في كنيسة مار توما بالموصل بوضع يد المطران عمانوئيل بني في 5 حزيران 1960 وتعين كاهنا لكنيسة مريم العذراء ببغداد مدة. عاد بعدها الى قره قوش في أيلول 1961. وتعين مساعدا للقس يعقوب شيتو في رعية مار يوحنا حتى عام 1962 تاريخ تعيينه مديرا لميتم القديس يوسف للآباء الدومينيكيين.
وخلال ذلك هيأ لسفره الى فرنسا للانخراط في سلك الرهبنة الدومنيكية فدخل عام 1963 دير الولشوار وأقام فيه مدة أربع سنوات حصل خلالها على دكتوراة في اللاهوت بعنوان"الروح القدس في الكنيسة السريانية"أبرز نذوره ومكث في باريس يعطي دروسا شرقية في جامعة السوربون. ومنذ وفاة الخوري جبرائيل سركيس في 20 نيسان 1968 عهدت اليه كنيسة مار افرام السريانية. ثم تركها ليتفرغ للتدريس في الجامعة.
ساعده الأيمن حمل الغربة بتركيبها الإجتماعي المعقّد وطبيعة الإشتياق للأرض التي صوّرها للعالم، وساعده الأيسر حمل قضية فكريّة لتجعله يكتب ويفكّر في هذا العمر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية