جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصيدة "سمني إسماعيل الليلة" للشاعر آغا شهيد علي


2-2
شاكر حسن راضي
تبدأ القصيدة بالاقتباس الشعري من قصيدة أغنية كشمير للشاعر لورنس هوب الذي كتب بأسم مستعار هو أديلا نيكلسون الذي تنتهي رباعياته بكلمة وداع. فيما يبدأ آغا شهيد علي قصيدته"أين أنت الآن؟ ومن يرقد تحت سحرك الليلة؟."أنت"هنا"تشبه"أنت"في قصيدة إليوت"أغنية  حب جي ألفريد بروفروك"“أنت"قد تدل على المعشوق ولكنها قد تعني ضمير المخاطب.
هل أنت كشميري؟ أم أميركي؟ أم كليهما؟أياً كنت، يفتقدك الشاعر. ولم يعد واقعاً تحت سحرك. أنت لا يمكن أن تكون هو أو هي.، ففي شعر الغزل المكتوب بلغة الأوردو يشار الى المحبوب بصيغة المذكر رغم أن جنس المعشوق يبقى مجهولاً.وقد يكون الضمير المخاطب هو كشمير، تلك البلاد التي غرقت في إتون صراع طائفي، البلاد التي غرّبت الشاعر..وإذا كانت"الأنت"بشر فلابد وأنها تشير الى الشاعر علي وحيد الذي تأثر به أغا شهيد وإذا كان المخاطب هو الله، يكون الشاعر قد أضاع أكثر من مجرد عاشق, ولابد أن القصيدة تتناول فكرة ضياع الأيمان الديني. تتعلق قصيدة"الليلة"برمتها بالدين وبمكان الشاعر خارج أو ما بين الملاذات المقيدة للتعصب. ويعرف أن موروث قصائد الغزل تنتمي الى فئة القصائد التي تعالج غياب الورع وحتى الكفر. فالغزل الصوفي يرى الله معشوقاً يمكن الوصول اليه دون قوانين معقدة. ومن شعراء هذا التيار الشاعر حافظ وهو النبع الذي يشرب منه أغا شهيد علي الذي تبنى موقفاً مشتتاً بين الشك والأيمان. يطرح النقاد تساؤلاً من خلال قصيدة"الليلة"ماذا لوأن كل العبادات المنظمة بدت وكأنها غير قابلة للتصديق؟ ما هي المشكلة؟ ربما تكون المشكلة في فقدان الأيمان في العالم المعاصر، وربما تكون نزعة الأديان نحو التصلب والتعصب. يدمج الشاعر رموز التقاليد الهندوسية والتيار الرمزي الأيقوني داخل الأسلام والأديان الأبراهيمية في المقطع الذي ترد فيه الأصنام على الكلام. إذ تكون المحبوبه في شعر الغزل صنماً.ما الذي يبقى بعد أن تستبعد الطقوس والمعتقدات؟ الفن والتراث الأنساني كونه"تقعرات منعكسة في مرآة"وحين يقع المرء تحت سحر هذه المرايا المغولية فهذا يعني أنك تحب الفن وهو يحبك وتدخل المرآة لتصبح مزدوجاً أو متعدد الشخصيات كما هو حال الشاعر، أميركي كشميري، يحيا داخل التقاليد الأسلامية وخارجها ويكتب بالأنجليزية ويفكر بالأوردية. وشعر الغزل بابياته المستقلة يجعل من الشاعر متعدد الشخصيات  لكن الأنشطار بتلك الطريقة وداخل القصيدة يعني العيش في حرية فاقدة للتوجه.
فقد تركت أبواب جهنم مفتوحة الليلة
قد نشفق على أنفسنا لأننا فقدنا الإيمان أو قد نشفق على إله تبدو جنته وجحيمه قابلتين للتبادل لأن أي منهما غير موجود.ها نحن ندخل في أعماق البعد الديني للتراث الغزلي الذي يرمز فيه الحب وإنفطار القلب الى الشك واليقين.لكن الشاعر لا يبقى حبيس ذلك البعد في قصته الرمزية التي يمكن فيها لأي عنصر أن يكون رمزاً لأي شيء آخر. ففي المقطع الثامن تتحول الأصنام المحطمة الى رمز للهجران. فقلب العاشق معبد فسق بحد ذاته، محطم وخاو عندما يثبت المحبوب أنه غير جدير بالحب.,يبدو المعبد خاوياً عندما يغيب عنه الكاهن أو أي رجل دين بوذي بردائه الزعفراني اللون. وبذلك لا يقيد الشاعر غياب تقواه بالمعتقدات الإبراهيمية، ويقول"سأبارك جيزابيل"(زوجة أهاب الذي كان أحد ملوك بني إسرائيل، وإستنادا الى العهد القديم، كانت جيزابيل ملكة قاسية وفاسقة عززت عبادة بعل الذي حاول قتل إليا وبفية أنبياء بني إسرائيل (القرن التاسع قبل الميلاد) وكان النبي إليل أو إلياجو حرّم عبادة الأصنام. لكن مباركة الشاعر لها تقع في خانة التحدي التي يسعى من خلالها الى التحرر من الأعراف  والأيمان المجرد بالله كما هو حال بعض المتصوفة الذين يتهمون بعدم التقوى او الكفر لمجرد أنه يقول مثلا (أنه سكران بحب الله). مثل هذه الأزدواجية ما بين عدم الأيمان الصريح والورع الفطري الصوفي يخلق إبهاماً آخر داخل سلسلة من الأزدواجيات.
ورغم حالات التفكك التي تبدو على السطح، الأ أن القصيدة تتماسك من حيث الصوت ذلك ان الغزليات المكتوبة بلغة الأوردو تكتب على بحور تعتمد على طول المقطع الصوتي بدلاً من النبر كما في الشعر الأنجليزي. فالأبيات في قصيدة"الليلة"تتكون من 12 مقطع صوتي الأ أنها لا تكون على بحر واحد. أول بيتين (كوبليت) على بحر الأيامبي (الذي يكون كما يلي : مشدد يليه غير مشدد) أما الثالث فهو عبارة عن كلمات ثلاثية المقاطع :

Pri-sons, let o-pen your gates
أيتها السجون، إفتحي بواباتك
والمقطع السادس جاء بلا وزن ولكنه يقافي المقاطع المنبورة أو المشددة مع غير المنبورة
Spell with expel
Infidel and Ishmael
سحر/ يطرد، كافر/ إسماعيل وبذلك يكتب أغا شهيد علي"شعرا أوردياً بالأنجليزية"كما يقول الناقد عامر مفتي في دراسة له. قالغزليات هي صورة تقليدية لمحبوب متهرب (وبذلك يكون الغزل قريبا من الغزال)، تورية دقيقة وثنائية اللغة. فهل أن الشعر حيوان جريح؟ محتضر؟ أم مأسور؟ أم هو العاشق  الصياد المطارد؟ كما في سونيتات بيترارك الذي لا يمكن أن يمسك بطريدته؟ تنتهي المطاردة عادة عند الغسق، مع آخر أذان للصلاة عند المسلمين، والغسق هو موعد منافسي الشاعر الذي يستدعيهم المحبوب أو المحبوبة التي تكشف بذلك عن قسوتها ومثل هذا التجمع شائع في تراث الغزليات الفارسية والأوردو.
وإذا كان المعشوق هو الله فقد يكون الأنداد أشكال أخرى من العبادات المتشددة.وإذا كانت المعشوقة أرض كشمير، قد يكون الأنداد أعضاء في مجاميع مسلحة، إرهابيون وجيوش وطنية كان حبها لأوطانها سبباً في نفي الشاعر. وها هي القصيدة التي أصبحت متاهة للوصف الذاتي المنعكس في مرآة تصف نهايتها"هذه محض إهانة، هذا ليس وداع الليلة". هذه الخاتمة تقول الكثير"وأنا، شهيد، هارب حسب لأقول لك"ليعلن الشاعر نفسه لاجئًا مرة أخرى. فقد هرب بصيغة شخص من أتباع اللاأدرية أو"مرتد"من كارثة"الأيمان"ولكنه هرب من البلد الذي لا يزال يسميه وطناً. وبذلك يعود علي الى حالات النزوح عبر العالم التي بدأ بها قصيدته. يوصل الشاعر الفكرة من خلال الأقتباس من قصة أيوب في الأنجيل (1-15) و(15-19) حيث يحضر أربعة شهود بأخبار غير سارة الى الرجل الصالح أيوب مفادها أن كل أهله وممتلكاته قد فقدت، فيذكرنا شاهد بإسمه، انا شهيد، أو شاهد التي تعني المعشوق بالفارسية والشاهد بالعربية، شاهداً على الدمار الناتج عن صدام الأصوليات (المسيحية والأسلامية واليهودية والهندوسية وغيرها) عبر التاريخ. وقد يحزن الله لهذا المشهد"“الأله ينشج بين ذراعي"لكن إلهاً"كلي الحضور  وكلي الوجود وغير مرئي لن"يبكي". هنا يذكرنا الشاعر بمريم العذراء وهي تبكي على جسد المسيح. فهل يقدم أغا شهيد علي نفسه مسيحاً؟ مريماً؟ كلا، ذلك أن إسمه المستعار سيكون"إسماعيل"أو"إشمائيل"الولد المنبوذ في العهد القديم (سفر التكوين) لكنه الولد المختار، أصل كل العرب وجد النبي محمد في القران الكريم"سمني إسماعيل الليلة"وبهذا الأسم المستعار الأخير المتقافي يربط علي نفسه مع التراث الأسلامي ويحسم إنتماؤه رغم أنه رفض العقيدة المتشددة."سمني إسماعيل الليلة"هي الجملة الأولى في قصة المنفى، والتجوال الفاشل والرحيل عبر العالم

سمني إسماعيل الليلة
أين أنت الآن؟ ومن يرقد تحت سحرك الليلة؟
ومن هو الآخر الذي ستستبعدين من طريق النشوة الليلة؟
تلك"الأقمشة من كشمير"التي تجعلني جميلة"هي"حلية"ترصعني، تزينني"
لا أعرف كيف أصفها، الليلة، أتوسل من أجل ملاذ:
  أيتها السجون، إفتحي بواباتك 
لاجيء هارب من الإيمان يبحث عن زنزانة الليلة
إستحالت وحشة نبيذ السماء الى خل حامض
وسقط كل ملائكة الطبقة العليا بعد أن تجمدت أجنحتهم، الليلة
أيها الرب، صرخت الأصنام، لا تدعهم يحطموننا
فنحن الوحيدين القادرين على أن نهدي الكافرين، الليلة
يا سقوف  قصور المغول، دعي تقعراتك المزججة
تحيلني الى ذوات متعددة في الحال الليلة
لقد أطلق ناراً من الجليد متعطفاً على السماء
وترك أبواب الجحيم مفتوحة لأجل الله الليلة
في معبد القلب المجزع
حطمت كل التماثيل
ولم يترك كاهن بزيه الزعفراني
ليقرع نواقيسه الليلة
إلهي، أوقف هذه العقوبات، مازال أمامنا يوم القيامة،
فما أنا سوى مذنب، أنا لست بكافر الليلة
يقترب الجلادون من المرأة الواقفة عند النافذة
اللعنة عليك"إليو"*، سأبارك جزيبيل* الليلة
إنتهت المطاردة، وأنا أسمع نداء المؤذن للصلاة
وهو يضمحل في نداء تلك الغزالة الجريحة الليلة
هل دعوت كل عذالي في حبك، هذه إهانة صريحة
ليس هذا بوداع الليلة
وأنا، شهيد، حسبي إني هربت لأقول لك
أن الله ينشج بين ذراعي
فسمني إسماعيل الليلة!
* إليو: أحد أنبياء العبرانيين الذين ورد ذكرهم في العهد القديم (حوالي القرن التاسع قبل الميلاد) ممن عارضوا عبادة الأصنام، وقد أضطهد بسبب توبيخه لأيهاب وجيزيبيل (ملك وملكة بني إسرائيل). ويقال أنه نقل الى السماء بعربة من نار.
* جيزيبيل: زوجة إيهاب ملك بني إسرائيل. وحسب ما جاء في العهد القديم، فقد كانت ملكة قاسية وفاسقة دعت الى عبادة بعل وحاولت قتل إليو  وأنبياء آخرين من أنبياء بني إسرائيل



المشاركة السابقة : المشاركة التالية