جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


جمهورية باب الخان


د. علاء مشذوب
بقايا عبق يضوع في المكان، وثمة ضجيج ينبت براعمه أول الصباح، وأبواب رزق ناعسة تفتح للتو، وظلال من بقايا الليل ما زالت مختبئة خلف الجدران، بينما شعاع الشمس يمد أذرعه شيئاً فشيئاً، ونوع من البهجة ترتسم على المنازل بشبابيكها القديمة وأبوابها الخشبية، السماء زرقاء وبقايا غيوم خفيفة ترتسم على وجهها، والربيع يودع أيامه الأخيرة.
يخرج الرجال من مسجد السجاد الصغير المزخرف بالكاشي الكربلائي في وسط سوق الفسحة، الذي أسسته المحسنة صفية جاسم الصفار، وبقايا صلاة وتراتيل تفوح من أفواههم، وآخرون يسبغون الوضوء عند مغاسله، أحدهم يمسح قدميه بباطن كفيه ورؤوس أصابعه، وآخر يخرط الماء من ذراعيه على عجل بعد أن طوى كم ثوبه من أجل اللحاق بتأدية فرض صلاة الصبح قبل أن يأفل وقتها. بينما تتوافد حمير الفلاحين محملة بما جادت بساتينهم من مزروعات طازجة.
أصوات صرير محلات الأبواب الخشبية تفتح الواحدة تلو الأخرى، تفزع القطط من نومها، وتتمطى الكلاب استعداداً للنوم في زوايا من الخان لا تصلها أقدام البقالين والمارة، بينما يستفيق بعض الصعاليك والمجانين من نومهم، يبدأ أصحاب المطاعم بشيِّ شحمة على فحم مناقل الشواء من أجل إشعال النار فيها، بينما تدور مكائن ثرم لحم الغنم المخلوط بلحم العجل، يسمع دوي موقد النار بشعلته النارية تحت قدر الباجة الكبيرة، بعض العطارين يرشون الماء أمام محلاتهم جلبا للرزق. وحدادون يشعلون كورهم استعدادا لشحذ سكاكين ومناجل الفلاحين، حتى تصبح كل محلات سوق الفسحة مشرعة لبدء حركة البيع.
كربلاء غارقة في ظلام ثقيل، تضاء الشوارع والأزقة بالفوانيس من قبل أشخاص مكلفين بإيقاد تلك المشاعل أو الفوانيس، يأتون قبيل غروب الشمس للقيام بعملهم هذا، ثم يعودون في الصباح لإطفائها، تناط هذه المهنة بالحراس الليليين لكل طرف من أطراف المدينة القديمة، وهؤلاء ينتسبون إلى البلدية التي تستوفي أجور الإضاءة من الأهالي بواسطة الحراس الليليين ويطلق عليهم (الجرخجية(.
تلاشت رياح الدولة العثمانية حينها انقشعت الغيوم وصفت السماء وأشرقت الشمس لتنير الأرض تراقصت أشجار النخيل الباسقة جذلاً، وانبثقت الدولة العراقية، تم ربط الحراس الليليين بمراكز الشرطة.
كانت مهمّتهم إعانة الشرطة بحفظ الأمن، ومنع وقوع السرقات في مناطق عملهم، يرتدون قميصا أو سترة خاكية ذات أزرار نحاسية حسب الموسم مع البنطلون الخاكي، ويلبسون العقال واليشماغ الأحمر ويضعون علامة الشرطة على مقدمة العقال عبارة عن نجمة خماسية نحاسية تحتضنها سعفتان، وعلى صدرهم شارة مكتوب عليها رقم كل منهم والذي يعلق البندقية الانكليزية على كتفه، وبيده الدونكي الخشبي، وهو عبارة عن عصا رفيعة من جانب بها حلقة جلدية لمسكها منها باليد، وجانبه الآخر أغلظ قليلا مرصع بمجموعة من المسامير الصفراء العريضة الرأس.
يمسك بيده الأخرى الصافرة المعلقة في جيب سترته بقيطان يربط في كتفه الأيمن، ويضع في حزامة حربة، مع علبة جلدية صغيرة يضع فيها الاطلاقات، تم تزويد كل منهم برقم معدني يرمز له ويحمله على صدره. يسير في الشارع يتلفت يمينا ويساراً يراقب المحلة، ويتأكد من أقفال أبواب البيوت والدكاكين ويرد بصفارته على صوت صافرة دورية أفراد الشرطة المكلفة بمراقبة الحراس الأهليين.
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الاحتلال البريطاني للعراق، شيدت بناية دائرة الكهرباء وسط المدينة القديمة عند طرف باب الخان، وقرب المقامات والمراقد الدينية التي تحيطها الخانات والقهوخانات والبيوت والإسطبلات والأسواق والسقخانات والسلخانة والدوائر الحكومية والمخازن والمضايف والمكتبات والمدارس الدينية الأهلية والمدارس الحكومية وكراجات السيارات ومحلات الجزارة والعطارة والفكهانية ومحلات تصنيع جلال الحمير والخيول وسلال الفاكهة والدباغة وعربات الدفع والربلات وكل الحرف والمهن الأخرى، من أجل تزويدها بالكهرباء، المكان عبارة عن حياة نابضة بالحيوية.
تحوّلت الشوارع والأزقة الى أغنية صباحية وثغر باسم، وانتعشت الأسواق بحرفها وأعمالها، فبدل من أن يذهب الأهالي إلى بيتوهم قبل رفع آذان العشاء، أصبحوا يقضون وقتًا أطول في دكاكينهم ومحلاتهم وخاناتهم ومقاهيهم، وزاد الأمان وأصبح يقصد المدينة كثيرٌ من الزائرين لأداء طقوس الزيارة والتعبد دون أن يحملوا همَّ الوقت. بعد ان ارتدت المدينة قميصاً أصفرَ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية