جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ


ترجمة: ستار كاووش
الرسالة الثانية عشرة
لاهاي، الأحد ٧ آيار ١٨٨٢
تَيّو العزيز
أخبرك بأنى قد إلتقيتُ موف *مؤخراً، وجرى بيننا حديث محبط وغير لائق، بل يحمل الكثير من القسوة، مما أدى إلى قطيعة واضحة بيننا. ولأنه تجاوز كل الحدود في كلامه معي، فهذا يعني بأننا إفترقنا الى الأبد. لقد تمادى وهو يطعنني بكلماته،
لدرجة لم  يعد ممكناً فيها إصلاح ما حدث. كُنّا قرب الكثبان* وتحدثنا في البداية حول الرسم، بعدها إستمحتهُ بلطفٍ أن يأتي الى مرسمي لإعطاء رأيه بتخطيطاتي، فأجابني بشكل قاطع (لن أذهب معك تحت أية ذريعة، لقد إنتهى ما بيننا)، وفي النهاية قالها بشكل حازم ومليء بالقسوة (أنت شخص منحل أخلاقياً)، عندها صَمَتَ كل شيء حولي، ماعدا كلماته التي ظلَّت تدور برأسي، وأستدرتُ عائداً أدراجي وحيداً منكسراً، يملأني الحزن.
في بداية حديثنا، اعترض كوني قلت عن نفسي بأني فنان! لم افهم لماذا يتقصد اهانتي ويوغل في جرحي. تصور، إنه يعترض حتى على كلمة فنان التي نَعَتُّ نفسي بها ببساطة ودون تبجح. أعرف بأني مازلت في بداية الطريق، لكني عَنَيتُ بكلمة فنان هو إنشغالي بالبحث عن بعض الحلول الفنية، ومطاردتي للأشكال محاولاً الامساك بالرسم، كذلك قصدت من قول ذلك، هو أنني أتبع قلبي وعاطفتي وأنا في غمرة تطوير الخطوط والتفاصيل، هذا كل ما في الأمر. لديَّ أذنين يا تيّو واسمع الكلمات بشكل جيد، فحين ينعتني أحداً بالمنحل، ماذا أفعل أزاءه؟ هل لك أن تخبرني بحق الاله؟ لقد تجرأ على قول ذلك، لذا تركته يتكلم وأقفلتُ راجعاً بقلب محطم وروح مليئة بالكدر. لم أطالبه بتفسير ولن أفعل، رغم تطلعي في قرارة نفسي الى أن يتراجع عما بدر منه. فمن المعيب أن يجعل موف نفسه مثل الآخرين الذين يرونني مختلفاً ومريباً، بل وغريب الأطوار. أجل، هكذا ينظر اليَّ الكثيرون ولا أعرف السبب. نعم، يبدو أن فنسنت أيها الناس، يحمل في سريرته سراً او لغزاً أو ربما ينثر شيئاً غامضاً في الهواء المحيط به يجعلكم ترتابون منه وتخشون الاقتراب منه، شيئاً غير مرئياً لكنه يثير الالتباس والشك والحيرة!
لكن رغم كل ذلك، أشعر بأنه كان يبحث عن ذريعة للابتعاد عني، وذلك بسبب تعرفي علـى إمرأة يراها غير مناسبة ويعتقد بأنها ستقودني الى الرذيلة. وها أنا أشرح لك الأمر هنا، نعم، لقد تعرفتُ بداية هذا الشتاء على إمرأة حامل، تخلى عنها الرجل الذي تسبب في حملها، تصور ياتَيّو، إمرأة وحيدة تبحث وسط البرد الذي لا يرحم عن مأوى وطعام تسد به رمقها، وقد قادها هذا العوز الى طريق لا حاجة لتسميته! طلبت منها أن تجلس لي موديلاً لرسمها طوال الشتاء، وبما أنني لا أستطيع أن أسدد لها اجرة كاملة كموديل، لذا، تقاسمت معها طعامي وسكني، لقد إهتممت بها بالفعل لأنها كانت مريضة وفي حالة عوز. ووفرت لها بعض الدواء حسب استطاعتي، بعدها لاحظتُ كيف تحسنت حالتها يوماً بعد آخر، حتى أني صحبتها الى مستشفى الولادة في لايدن، حيث اتضح هناك أن مرضها كان متوقعاً، لأن الجنين مقلوب في بطنها وتحتاج الـى عملية، ولكن مع ذلك، هناك امل كبير بتحسن حالتها، ومن المنتظر أن تضع طفلها في الـشهر القادم.
إن كان موف يلومني على علاقتي بها، فـأنا أرى أن اي رجل، حتـى وإن كان لا يساوي قيمة جلد حذائه، لو كان في مكاني، لفعل مافعلت وقام بما قمت به. من هو الرجل النبيل برأيكم ياسادة، أهوَ الرجل الذي يكسر المرأة ويرميها في الشارع، ام هو الرجل الذي ينقذ المرأة من الشارع ويوفر لها الطعام والدفء كي لا تنحرف نحو الرذيلة؟ أردت من فعل ذلك، الحفاظ على انسانيتي قبل حفاظي على جسدها المتعب. رغم العوز الذي أمرُّ به، رأيت من الضروري الوقوف الى جانبها ومساعدتها، كي لا تعود الى الطريق الذي جائت منه.
في البداية كانت تجد صعوبة في الجلوس كموديل، لكنها تعودت على ذلك مع مرور الوقت، حتى شخصيتها تغيرت وأصبحت مثل حمامة هادئة. لقد نَفَّذتُ العديد من التخطيطات والدراسات في الأيام الماضية، لكني لم أرسم بالالوان الزيتية أو المائية منذ أن تخلى عني موف، أشعر برغبة جامحة للرسم بالالوان لكن منظر الفرشاة الآن يصيبني بالقلق والتوتر. أرجو ان تخبرني عن موقف موف أزاء الموضوع، وربما تساعدك رسالتي هذه بتسليط الضوء اكثر على التفاصيل التي تحيط بالمسألة بشكل عام، فأنت شقيقي، ومن الطبيعي أن أحدثك عن أموري الخاصة، ومهما حدث بيني وبين الآخرين، وحتى حين لا يفهمني الجميع، فأنا لا أتوقع منك كلمة قاسية مثلهم. أنا ببساطة ياتَيّو أحاول أن أعمل، وأن أكون نافعاً دون حاجتي لشرح ذلك لباقي الناس. أنت تعرف بأني أُهيمُ بإمرأة أخرى بعيدة، امرأة يخفق قلبي لها، لكنها نائية، بعيدة المنال، وفوق ذلك لا تود رؤيتي والتواصل معي، أما هذه التي معي الآن فهي مريضة وحامل وجائعة... وسط شتاء لا يرحم، فلا يمكنني إختيار غير البقاء الى جانبها.
فياموف وتَيّو وتيرستيخ* إنَّ لقمة عيشي بين أيديكم، فهل سترخون قبضاتكم عن رغيف خبزي، أم ستضيقون عليه؟ هل ستمدون لي يد العون،أم تشيحون بوجوهكم وتتخلون عني في هذه الظروف؟ ها انا أخاطبكم بكل هذا الوضوح وهذه الصراحة، وانتظر جوابكم.
ستجد مع الرسالة بعض الدراسات التي قمت بها في الايام الماضية، لتطلع على عملي، وترى كيف تساعدني هي أيضاً، كيف نتوحد أنا وهي كرسام وموديل، بالمناسبة، المرأة التي تعتمر الطاقية البيضاء هي أمها. على كل حال، أعدك بأن عملي كرسام سيتحسن كثيراً في السنة القادمة. لقد إهتممتُ كثيراً بهذه التخطيطات ونفذتها بعناية كبيرة كما ترى، لذا أرجو منك أن تعيدها لي بعد الإطلاع عليها، لأنها بعد إضافة بعض التفاصيل، سأدخلها في لوحات قادمة أفكر برسمها، سيكون تكوينها وموضوعها حول مشاهد داخلية للبيت أو غرفة إنتظار. أُطلعكَ عليها لأضعك وسط تفاصيل عملي. ربما ترى ان التخطيطات حذرة نوعاً ما، وهذا بسبب نوعية الورق، وستتغير التقنية بالتأكيد مع الورق السميك الذي أفضلّهُ، لكنه ليس تحت يدي الآن مع الأسف، ولا أستطيع الحصول عليه هنا.اعتقد ان اسمه (دبل إنغر) وهو بلون كتاني خافت، ارجو انك تستطيع أن ترسل لي كمية من هذا الورق. إذا نظرت الى التخطيطات جيداً سترى كيف ان الورق الخفيف لا يحتمل ضغطات القلم الحادة، حتى اني أردتُ أن أضيف شخصية صغيرة بكنزة سوداء، لكن مع هذا الورق الذي تراه، لا يمكن ذلك، وإلا سيبدو الامر مقحماً. الكرسي الذي قرب الشخصية الرئيسية لم يكتمل بعد، فهو سيكون في النهاية من خشب البلوط.
إخوك المحب
فنسنت

لك كل الحرية في إخبار موف بتفاصيل هذه الرسالة، إن رأيت ذلك مناسباً.

هوامش المترجم:

موف: أنطون موف (١٨٣٨-١٨٨٨) واحد من أهم رسامي مدرسة لاهاي، تربطه علاقة عائلية بفنست، وهو أول من فتح له مرسمه واعطاه دروس في الرسم. ورغم ان فنسنت كان متعلقاً به ويحبه بشدة، فقد حصلت قطيعة بينهما بسبب علاقة فنسنت بالمرأة الحامل. حين توفي موف بعد ست سنوات من كتابة هذه الرسالة، تألم فنسنت كثيراً، حيث كان في باريس، فرسم مباشرة لوحة (شجرة الخوخ المزهرة) إهداءً لذكراه، وقد كتب بفرشاته تحت الشجرة (لذكرى موف).
الكثبان: منطقة في مدينة لاهاي، فيها تلال رملية وتقع بين منتجع سخيفيننغن وكيك داون، قريباً من بحر الشمال. وتسمى الآن ويست داون بارك.
تيرستيخ: هيرمان تيرستيخ (١٨٤٥-١٩٢٧) رسام وتاجر أعمال فنية، ربطته علاقة بفنسنت وتيّو، وكان يعمل في متاجر عمهم (العم سنت)، وقد إقتنى مجموعة من تخطيطات فنسنت في بداياته، ولكن ايضاً كانت لديه ملاحظات دائمة حول فنسنت وطريقة حياته.



المشاركة السابقة