جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


ثلاثة اكتشافات غيَّرتْ العالم: عن تاريخ الإبرة والخمرة والمناديل الورقية


شاكر لعيبي
في ظني أن هناك ثلاثة اكتشافات طفيفة غيّرت العالم على نحو خفيّ لكن أكيد: الإبرة والخمر والمناديل الورقية.
لا بدّ أن أول من اكتشف (إبرة) الخياطة كان فخوراً وهو يشاهد اندهاش وعجب وإعجاب من كان يراقب أداءه. لا بدّ أنها كانت شيئاً مهولاً، وكبير الحجم وغير مشذَّب.
كان يؤدي"برفورمونس"بدائي جماليّ ووظيفيّ في كهف حجريّ. المتاحف تحتفظ بإبرٍ من العصر الحجريّ. الحياكة أمر لاحق (والحياكة الفنية والشعرية أمر لاحق على الحياكة).
منذ العصر الحجري كانت الإبر تصنع من عظام الحيوانات أو الأسماك أو من أغصان النباتات. تخيّلْ ذلك. وتم اكتشاف الإبر في مقابر الفراعنة. ويقال إن الصينيين أول من استخدم الإبر المعدنية الصلبة. الإبرة كما نعرفها بدأت صناعتها في مدينة نورمبرج  في القرن الرابع عشر الميلاديّ، وصُنع عام 1785 أول قضيب من الصلب آليا ثم صُنع للإبرة ثقب عام 1826.
الخمرة أيضاً اكتشاف عجيب في تاريخ البشرية. كيف توصّل إنسان الكهف والإنسان الحجريّ إلى وجود سوائل عجائبية. تينة ساقطة في بركة ماء؟ تخمّرت؟ تمرة تخمّرت؟ ثمرة حلوة تخمّرت بطريقة ما في الماء، عندما اقترب منها وشربها صار كونه الكهفي أمراً مغايراً، فخرج وعيه هائما في فضاء الغابة المعتم وبين النجوم، في الغالب.
لكن الخمرة هي من أقدم الاكتشافات (أم الاختراعات؟)، وهي معروفة في الحضارات الرافدينية والفرعونية والهندية والصينية، وقد تكون قبلها كلها. كانت مشروباً مكتملاً في هذه الحضارات، ومُقدّساً أحياناً.
مقدّس؟ هناك ألف سبب لذلك، قد نشاطره الحضارات القديمة، ليس السُّكْر أحدها أبداً. إنه تدوير الوعي باتجاهات متفارقة لتقليب الاحتمالات في قضية ما: تدوير المربّع. لسان العرب يُعدّد بعض أنواع الخمور: المزرُ هو نَبِيذُ الشعير والحنطة والحبوب [هذه هي البيرة]، وقيل نبيذ الذُّرَة خاصَّة. وقد فسّر أَن ابن عمر الأَنبذة فقال: البِتْعُ نبيذ العَسَل، والجِعَةُ [البيرة] نبيذ الشعيرِ، والمزر من الذرة، والسَّكَرُ من التمر، والخَمْرُ من العنب، وأَما السُّكُرْكَة، بتسكين الراء، فخمر الحَبَش؛ قال أَبو موسى الأَشعري: هي من الذرة، ويقال لها السُّقُرْقَعُ أَيضاً، كأَنه معرب سُكُرْكَةٍ بالحبشية. والمَزْرُ والتَّمَزُّرُ هو التَّرَوُّقُ والشُّرْبُ القَلِيلُ، وقيل الشرْبُ بمَرَّةٍ، والمَزْرُ، بالفتح، الحَسْوُ لِلذَّوْقِ. ويقال: تَمَزَّرْتُ الشرابَ إِذا شَرِبْتَه قليلاً قليلاً، وأَنشد الأُموي يصف خمراً (تَكُونُ بَعْدَ الحَسْوِ والتَّمَزُّرِ، في فَمِهِ، مِثْلَ عَصِيرِ السُّكَّرِ). والتَّمَزُّرُ شُرْبُ الشرابِ قليلاً قليلاً، بالراء، ومثله التَّمَزُّرُ وهو أَقل من التمزر؛ وفي حديث أَبي العالية (اشْرَبِ النبيذَ ولا تُمَزِّرْ) أَي اشْرَبْه لتسكين العطش كما تشرب الماء ولا تشربه للتلذذ مرة بعد أُخرى كما يصنع شارِبُ الخمر إِلى أَن يَسْكَر. قال ثعلب (والكلام على ذمته وذمة ابن منظور): مما وجدنا عن النبيّ (اشْرَبُوا ولا تَمَزَّرُوا) أَي لا تُدِيرُوه بينكم قليلاً قليلاً، ولكن اشربوه في طِلْقٍ واحد كما يُشْرَبُ الماء، أَو اتركوه ولا تشربوه شرْبة بعد شربة.
وأعتقد أن التمزُّر أو التمزُّز، هو ما نسمعه في عامية العراق حتى اليوم.
أما المناديل الورقية (وقد يستغرب بعضنــا إدراجها في هذا المقام)، فقد ألغت بضربة واحدة مستلزمات وصعوبات منديل القماش (وجمالياته للأسف) وتقلته من مصاف الإكسسوار إلى مصاف حاجيّة استهلاكية بالمعنى الضيق للكلمة. وهي بالإضافة إلى (سهولة استخدامها) المفرطة، أبعدت (الورق) مسافة كبيرة عن الوظائف المنوطة به، المعرفية في الغالب: من الجلال إلى الابتذال.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية