جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


من يطرق باب الحقيقة"المثقف"أم"الكراسي الفارغة" !؟


يذكر"جوليان بندا"في كتابه (خيانة المثقفين) إن المثقفين الحقيقيين يشكلون طبقة العلماء أو المتعلمين البالغي الندرة حقاً، لأن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق والعدل، وهي التي لا تنتمي الى هذه الدنيا"،اما "أنطونيو غرامشي" فهو يذكر في مذكراته(السجن)" إن جميع الناس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس" وهو من يقول "كل من يعمل في أي مجال يتصل بأنتاج المعرفة ونشرها هو مثقف" أما"سارتر" فيذكر بأن"المثقف"هو"الشخص الذي يهتم بأمور لاتعنيه اطلاقاً " وهو (رجل العقل) عند كوزر..ولو بحثنا عن كلمة "المثقف" في العنوان العربي نجدها غائمة المعنى ويصعب التكهن بها ويستحيل ان نضعها في اطار او شعار محدد.
اذن من هو "المثقف الحقيقي"وأين نجده؟هل هو من يسعى لمعرفة الحقيقة كاملة كما يقول"نيتشه"(خير لك إلا تعرف شيئاً، من أن تعرف نصف الحقيقة) هذا مانريد ان نعرفه ازاء ظاهرة اختفاء او غياب المثقف الديواني(غير الملتزم))الذي دائماً ما يردد " ان مملكتي هذه لاتنتمي لهذه الدنيا"، وهذا ماحدث بالفعل للبيت الثقافي الديواني الذي ضيف الفنان المسرحي "شاكر عبد العظيم"بمناسبة حصوله على الماجستير عن أطروحته الموسومة(مسرح مابعد الحداثة)ولكن ماحصل ان الطرف الآخر(المتلقي )بكافة اطيافه وشرائحه لم يحضر،وهذا في حد ذاته مؤشرخطير وعلامة استفهام مهمة.
اذن اين هي الحقيقة ؟ وكيف لنا ان نعيشها ؟ بمهيمنات "الكراسي الفارغة" التي تشكلت على طريقة كراسي يوجين يونسكو العبثية او على الطريقة المبتذلة الما بعد حداثوية"  والتي وصفها "جاك دريدا" بالجنون.                                                                                             
من أجل ذلك نحن نسعى لمعرفة الحقيقة كاملة وراء ما حدث وما يحدث الآن من تصحر وضعف في الوعي(الثقا ـ معرفي) الذي قاد ويقود المثقف الديواني(الزئبقي) الى الابتعاد والتخلي عن كل مايتصل او ما له علاقة بانتاج المعرفة ونشرها. واصبح في عزلة تامة داخل مملكته التي لاتنتمي لهذه الدنيا .هذا ما حاولنا ان نفرشه على مائدة الحوار مع من لهم خصوصية مؤثرة وفعالة في هذا المجال.
"المثقف ليس كائناً هلامياً أو صوفياً متعبداً في محراب"، بداية ترى الشاعرة والناقدة الدكتورة"ناهضة ستار"" ان المجتمع ينتظر من المثقف الكثير فهو يعده واجهته وعنوانه امام الآخر وهذه مسؤولية ثقيلة لكن ليست مستحيلة ".من جهة ترى ان" المثقف وجود فاعل ووعي ناقد تربط بينه وبين المجتمع وخطاباته وانساقه اكثر من آصرة حيوية،ومن جهة تجد ان المثقف يستمد من الخطاب الماحولي خطة ايجابية لا شتغالاته الفكرية والمنهجية والابداعية مؤكدة في ذلك ان "المثقف ليس كائناً هلامياً أو صوفياً متعبداً في محراب" وأن المجتمع في حاجة لطبقة المثقفين وعياً ونقداً وابداعاً وبالتالي هو يحتاج الى مشروع اسئلة وحوار وجدل يقلقل الأنساق الراكدة والمستهلكة من اجل كتابة (مشروع ثقافة)أي(مشروع حياة) مغاير ،وهذه المغايرة حسب معرفة وادراك الدكتورة "ناهضة ستار" لايتم لها أي حراك وفعل وايجابية مالم تتم في محاضن ثقافية تشكل عنصر جذب للآخر.. مثقف أو غيره. بالاضافة الى ذلك نجدها تبرمج العمل الثقافي عبر : تعددية المحاضن الثقافية، والرؤية المنهجية والتخطيط السليم الذي تعتبره معيار كل عمل ناجح، مؤكدة في ذلك  ان (فن الأدارة) اصبح علماً متكاملاً وموهبة تصقل بالتثقيف. ولا تنسى الدكتورة ملامح "المثقف البسيط"الذي ينجح في ادارة العمل الثقافي ، و"المبدع الكبير"الذي يفشل في الادارة الثقافية.                                                  .                                                                                                             

" من يطرق باب الحقيقة" المثقف" أم" الكراسي الفارغة"!!
الشاعر"محمد حسين الفرطوسي" رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في الديوانية  هو من يعد  موضوعة "المثقف" اشكالية مثيرة للجدل وهو من يقول:"اذا لم يتقدم المثقف ويطرق باب الحقيقة بمعرفته وابداعه وعناده.. كيف للثقافة العراقية  ان تخضع له وتراوده عن نفسها ليكون التلاقي هو نافذة نحو ميادين المعرفة والادراك وعلى قدر كاف لبناء الانسان العراقي الذي ما من شك قد دمرته الحروب وعصفت به الأزمات ،ويضع (الفرطوسي) مسؤولية ذلك على عاتق المدرك والمخبر والباصر للحقيقة التي يدرك من خلالها حكمة وجودنا ،ومن ثم يؤكد  "ان مشكلتنا لهذا اليوم لم تكن  في التلقي ، التلقي موجود في القدم وفي الحاضر ولكن يجب ان نقر  ان آليات  التلقي هي التي تغيرت وعلينا ان نعمل كمؤسسات وفق آليات جديدة لصنع متلق  ينتمي الى المشروع الثقافي يكون فاعلاً فيه ويدخل في خلقه ويحاوره ويغير فيه لا ان نكتفي بالمتلقي المتفرج ، الفرجة شيء سلبي في الثقافة علينا ان نعمل على طردها من بالنا ومن واقعنا لانها غير منتجة دائماً"وبخصوص" المثقف الديواني" يقول(الفرطوسي)" أنه أصبح صدى لنفسه هو لا للمجتمع وضع نفسه في قمقم واخذ يردد على نفسه افكاره ويستمع الى صداها ويتحدث مع نفسه ويستمع اليها  ولا يجرؤ ان يتقدم خطوة واحدة الى امام او ان يقطع الطريق على المارة بلافتة تقودهم الى الحقيقة التي ينبغي انه يعرف نصفها على الأقل ، موكداً  على" ان المثقف الديواني سلبي جداً وللأسف الشديد  يحدث معنا هذا في معظم اشتغالاتنا الثقافية المتمثلة بالأماسي والملتقيات والندوات والحوارات التي تفتقر جانب الحضور واقصد هنا حضور "المثقف" الذي  نبحث عنه ولا يدلنا عليه سوى الكرسي الفارغ الذي لا اعلم متى سيشغله المثقف بموقفه او فكره او ابداعه ليقطع الطريق حتماً على من يبحث عن الكراسي الفارغة ليملأها بعجيزته رغم عجزه عن ان يفهم لم هو موجود الآن في غفلة من الزمان والمكان واخيراً يشير الى ان هناك غياب للمثقف طوعياً.
الكراسي الفارغة مشروع انمائي لصناعة مثقف ديواني
المخرج  المسرحي"صادق مرزوك"  الذي اثرت به ظاهرة "الكراسي الفارغة"و التي أخذت حيزاً واسعاً في ذاكرته المشتعلة دوماً وابداً بخشبة المسرح والمتفرج (المتلقي) والكراسي التي تنتظر ذلك الذي يأتي معطراً بأريج  الحياة والأمل انه "المتفرج" الذي سيجلس على هذا وذاك الكرسي ليكونا معاً جسداً وروحاً ...انه (ابوالصديق) الذي صدق كثيراً وهو يتحدث عن الكراسي الفارغة  قائلاً :" لو قدر للكراسي الفارغة في الأماسي الديوانية ان تنطق لحدثتك بالكم الهائل من المعلومات التي املاها صاحب الكرسي الممتلىء بأحد اسماء المحاضرين بعد ان كلف نفسه جهداً ومعاناة في البحث كي يهب ما توصل اليه هكذا دون أي مقابل. ونحن نعرف ان هذه الكراسي الفارغة ما هي إلا مشروع انمائي لصناعة مثقف ديواني . وانا لا أستطيع ان ادعو من لا يحضر هذه المشاريع الثقافية بكلمة "مثقف" بل أدعوه بالغائب عن المشهد الثقافي ، لأنه لايريد حتى ان يكون مستمعاً . فكيف ادعوه بالمثقف ونحن نعرف ما لهذا المثقف من سمات وبصمات خاصة بل تجعله في الطليعة من حيث مكانته الأجتماعية ، فهو دائماً يقدم البدائل الناجعة في حياة المجتمع من خلال دوره الريادي . وكما يؤكد "ادوارد سعيد" أن المثقف هو من يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الانساني وعلى التواصل بين البشر . اذن دور المثقف هنا هو تواصلي وان اللغة التواصلية لها انظمتها الخاصة سواء كانت تلك الأنظمة مؤسساتية  او فردية . ومن ثم بيّن "المرزوك " من أجل ان لا نضع اللوم هنا كلياً على ذلك الغائب فان هناك القليل من المعرفة والذي يؤدي  بدوره الى الكثير من الأخطاء التي يتقاسمها اولاً من يدعو نفسه بالمثقف والذي يشكو دائماً من غياب الآخر . وثانياً هو ضعف الجانب المهني في المؤسسات الثقافية من خلال جهلها الدائم بطرق الاتصال وضعف الوسيلة الاعلامية في مد الجسور بين المثقف والغائب عن المشهد الثقافي .مشيراً في ذلك  ان من يتحمل المسؤولية كاملة هو" المثقف الحقيقي" ان كان هناك مثقف حقيقي ، وان اغلب المثقفين في الديوانية لهم نظرة استعلائية امام الآخر. وهذه الصفة تعد مرضاً اجتماعياً وربما نفسياً في شخصية المثقف تحديداً, لما له من سمات تجعله فاعلاً في تغيير المسارات في بنية المجتمع وهنا علينا التركيز وعدم الخلط بين شخصية المثقف والمفكر.                                                                                                             
المثقف"هو من يعيش وهم النخبة
مدير البيت الثقافي"ماجد صغير"  تحدث هو الآخر عن ظاهرة عزوف المثقفين عن المشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية موضحاً جملة اسباب تكمن وراء ذلك منها: ما يتعلق بأزمة الثقافة ، ومنها مايتعلق بالعزلة  الثقافية التي عاشها العراق ومنها  مايتعلق بالقصور الذاتي للمثقف من حيث الابداع والانتاج ، والرؤيا الضبابية التي جعلت من "المثقف" لا يدري ماذا يفعل!!وماذا يريد!!مؤكداً حسب اعتقاده "اقتصار مفهوم الثقافة على حقول معرفية معينة مثل السرديات سواء كانت شعرأ أو قصة أو رواية أو نقد أدبي ، وانشغال "المثقف" بشكل النص دون المفاهيم الأخرى.وهو من يعيش وهم النخبة.                                                                               
من ناحية اخرى اشار "الماجد" الى " وجود نوع من التنافر والتحاسد والبغض ان صحت العبارة بين فئة المثقفين انفسهم . وهذا ما ساعد على توسيع العزلة والفرقة , واصفاً "المثقفين" بـ "جماعات صغيرة" اقرب الى جماعات المجتمعات الحرفية المتنافسة في السوق ، وان " المثقف" مازال يستخدم وسائل تقليدية تتمثل في ادواته الثقافية بعد كل ماحصل من تحولات في اشكال الوعي الثقافي والمعرفي متمثلة في الحداثة ومفهوم العولمه والخروج على اطار الحدود حيث  عجز"المثقف" عن مواكبة هذه التحولات ،وهو من يؤمن بمبدأ الرعاية الثقافية بدلاً من الثقافة المنتجة . أي بمعنى ان "المثقف" لايمكن ان يكون فاعلاً ومؤثراً ما لم يكن مستقلاً ومنتجاً ومبدعا .مؤكدا في ختام ذلك على قضيةفي غاية الأهمية وهي: اعادة هيكلة الاتحادات والنقابات التي يجب ان تكون على صلة وثيقة بأعضائها ولا تمنح الهويات لمن هب ودبَ.                                                                         

"المثقف" أكثر الأكاذيب حلاوة.
من اعتبر هذه الموضوعة (المثقف) من اكثر  الأكاذيب حلاوة وجرأة على المشهد الثقافي هوالشاعر(سعد ناجي علوان)الذي قال:" لاوجود لهكذا كينونة بامكاننا التحدث عنها بشكل مرسل ومطمئن . والأمر يشبه اقتناء إطار قوي وجميل ، دون التمكن من إحراز الصورة (المعنى) والواجب تمركزها ضمن ذلك الإطار، والحال ان السبب يتمثل في الفهم الخاطئ للاليات الأولية للمعنى ، وضعف القدرة ثانياً وربما التوجس أو الخوف من تجسيد هذه الصورة المهمة . مما أسهم بالتأكيد في انفصام عرى العلاقة بين المثقف والحياة الواقعية ، وجعل التأسيس لثقافة تستجلي معاني الواقع وتساهم في إثرائه مجرد كلام لقضاء الوقت ليس إلا "وفيما يخص حضور المثقف للأماسي في الديوانية خاصة اشار "الناجي"الى وجود نفور من مجاورة المجتهد ودعم المثابر والإستئناس بفضاءات المبدع.  ويرجع ذلك الى اسباب عديدة  لعل ابرزها  الفقر الابداعي لأغلب الأسماء التي تركن الى الهوية النقابية أدبيا وفنياً دون مسوغ ابداعي  حقيقي  يؤكد أحقيتها بهذا العنوان . ويؤكد (الناجي) ايضاً انه لاغرابة في ان يتكرر غياب (المثقف) المعني بالأمر عند الاحتفاء بزميل مبدع ، ومايحصل في الأماسي المقامة للزملاء المغتربين مرده  الحضور المكثف للاصدقاء والعائلة او آخرين يدفعهم الفضول ليس إلا، فلربما يرون احداً لايشبههم بشعر أخضر او عيون حمر أو فم مربع.                                                                                                      نريد كل شيء ونطلب كل شيء دون إعطاء شيء  ومن جانب فلسفي اشار (اياد الساعدي) الى ان "سبب تدهور "المثقف الديواني" هو تراكم مجموعة من الأفكار السلبية التي دائماً ما تطرح بطريقة عبثية فيها نوع من التمرد على الوجود وكأنه نسخة او شخصية من شخصيات بيكت العبثية التي دائماً ما تردد(لاشيء يأتي ..لاشيء يحدث) او (ليس من جديد تحت الشمس)او(ماذا بعد)او( مالذي يحدث بعد ذلك ؟) هل من جديد؟ كل هذه التساؤلات وغيرها عند(الساعدي)هي مؤشر للعزلة وفقدان الارادة  وعدم القدرة على التغيير، لذا يطمح(الساعدي)الى إعادة نقد الذات ونقد الثقافة وقراءة الواقع بصورة عصرية تتلاءم مع الحاضر والمستقبل. 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية