جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


هل سيكون هناك كاتب آخر مثل فيليب روث؟


ترجمة / أحمد فاضل
اكتشفتُ  في  البداية  فيليب روث في سن الخامسة عشرة  بمباركة  من  أبويَّ  اللذين  كانا  من  أشد المعجبين  به، حيث وضعا"وداعاً  كولومبوس"في  يدي  فوجدته  غريباً ومثيراً، جرأته هزتني،  كانت كتبه ذكية وصادمة، وحتى  ذلك  الحين  لم أكن أعلم أنها يمكن أن تكون كذلك، في الكلية  في مدرسة الدراسات العليا في نيويورك  ظللت  أقرأه  بالعودة  إلى  أعماله  المبكرة  وحتى أحدث أعماله"الرعوية  الأميركية"
التي  أصبحت  تُدرس للطلاب  الجامعيين، كنت  أقف عند هذه الرواية  طويلاً  في  محاولة  لفهم  سبب أهمية هذا  الكتاب  من  منظور  فكري،  في  حين  أن  كل ما أردت الحديث عنه  هو  كيف  كنت  متأثرة به حد البكاء، كنت أعيد قراءة العديد  من كتبه على التوالي في كل صيف حتى وأنا  في سن الثلاثين عندما قرأت باقي  رواياته  خاصة الأربعة الأولى الطويلة منها وفي السنوات الأخيرة  قرأت  رواياته الأقل حجماً بالترادف مع والديَّ،  وقمنا  بتبادل رسائل  البريد الإلكتروني حولهن  حيث شكلت أعماله"الكاتب الشبح"و"شكوى بورتنوي"و"مسرح السبت"و"الرعوية الأميركية"استمتاعاً  كبيرا لديَّ، ولن  أنسى  أبداً  تجربة  قراءة  روايته  الرائعة"نيميسس"التي  قرأتها  ببطء  شديد  لأنها  تحتاج  منا  فعلاً  أن نقف أمام عبقريته السردية،  وحتما  أنا  لم  أعد تلك  الفتاة القادمة  من الغرب  الأوسط والعازمة  على  تغيير  نمط  حياتها  بما    ينسجم
وأفكار روث  من  خلال  ما  قرأته  من  أعماله  كرواية"وداعاً كولومبوس"على وجه  الخصوص، حيث  تطورت  وجهات نظري حول الموضوع الاجتماعي  والسلطة  -  من  غوص عميق    في  النظرية  النسوية  من  خلال أفكاره  الأكثر  حداثة حول  القانون  الاجتماعي  -، التي  استمدتها  منه، وعلى مر السنين حصلت على العديد من الحجج حول  روث  من  الأصدقاء  والمعارف  والطلاب الذين اتهموه بكراهيته  للنساء، كانت  تلك  الحجج مثيرة للاهتمام وقيمة، لكنها لم تقلل  من  حبي  له  وأعماله  ففي  الحقيقة هو ليس الوحيد الذي له هذا الموقف  فإن  بعض الكُتاب يمكنهم تشريح كراهية  النساء  بالقدر الذي يستطيعه  روث،  إنه  لا يكل ولا يمل  في أعمال  التنقيب  عن  شخصياته  التي  تستهلكها تصوراته الخيالية  للمرأة، حيث  يمنحنا الفضل  في  معرفة الفرق بين الكراهية الشخصية  وبين  الكراهية  العمياء  أو  غير  الواعية،  كنت أتمنى المزيد من الشخصيات النسائية  في رواياته  بالتأكيد،  لكني أقدر كثيراً الكاتب  الذي  يستكشف  الجهاز الثقافي المخيف بالكامل الذي يجعل  المرأة  في  نظر الكثير  من  شخصياته  الذكورية  كأنثى  فاترة أو بلا مؤثر، في نهاية المطاف أجد رواياته    تتصارع  فيها شخصياته  من  حين لآخر في كل مرة أعود فيها لقراءتها  مثل"الكاتب الشبح"،"الرعوية الأميركية"،"الوصمة البشرية"فهو يتغير  كما لو أنه  لم  يكتب  كتاباً، بل  كائناً متحركاً، مجيداً ومعقداً، ينزلق دائماً من قبضتي.
في هذا الصباح  استيقظت على خبر وفاة روث، وجدت  نفسي  أحاول التخلص منه مثل حلم سيئ وبعد  ساعات  فوجئت بحقيقته ليستقر  في أعماق روحي،  فقد  أدركت  الآن أنني كنت أعتقد دائماً أتطلع أنه سيعطينا المزيد رغم احتجابه عن الكتابة  وأننا  سنحصل  على  الأقل  - إن لم تكن رواية - على فرصة رؤيته وهو يتكلم  حول المتغيرات في الثقافة،  لم  أكن أتوقع  أن  يفارقنا  فلا تزال كتبه حيوية للغاية لدرجة أنها تبدو وكأنها تنبع ثانية من وسط صخرة كبيرة، فهل سيكون هناك كاتب آخر مثل فيليب روث؟ بكل هذا الثقل الفكري، والحدة العاطفية،  والشجاعة  الفنية،  لكن  اليوم  تبدو الخسارة غير قابلة للقياس ولنا.

عن / مجلة باريس ريفيو



المشاركة السابقة : المشاركة التالية