جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


ثقافة ضيقة وأعمال مسرحية متكاملة وثقافة واسعة وأعمال مسرحية ناقصة!!


سامي عبد الحميد
عندما انتمينا إلى فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة عام 1950 مع الصديقين (يوسف العاني) و(بدري حسون فريد) بعد ان أكملنا دراستنا في كلية الحقوق – القانون حالياً كنا نشعر بضرورة ان نتزود بالثقافة المسرحية ولم نكتف بتلقين اساتذتنا (حقي الشبلي) و(ابراهيم جلال) و(جاسم العبودي المعلومات المقتضبة عن فن التمثيل وهنا أذكر أن لا أحد منهم قد أشار إلى طريقة ستانسلافسكي.
او نظرية المسرح الملحمي لبريخت إلا بعد سنوات. وأذكر أن مكتبة المعهد لم تكن تحتوي على رفوفها إلا العدد القليل جداً بالكتب الخاصة بالفن المسرحي او بنصوص المسرحيات على اختلاف أنواعها وأساليبها، ولذلك رحنا نبحث عن مزيد من المعلومات نجد في المجلات المصرية أو اللبنانية. وعندما أسس المخرج السينمائي (كاميران حسني) مجلته (السينما) بذلنا جهداً مضنياً في تحرير مقالات لها علاقة بالمسرح وخصصت لنا صفحات لهذا الغرض ووصل بنا الحال إلى الاقتباس وإلى الترجمة من مصادر أجنبية، وأذكر أنني ترجمت فصولاً كاملة من كتاب المؤلف (ديفيد مانمارشال) شرح فيه طريقة ستانسلافسكي وواقعيته النفسية وأصول تدريب الممثل وبناء الشخصية الدرامية.
إلى أن أخذت تصلنا مجلة (المسرح) المصرية وسلسلة الاصدارات لنصوص مسرحيات لأشهر المؤلفين العالميين، ورحنا نتلقفها ونعيد قراءة ما فيها من مواضيع تخصصية. ومع كل هذه الشحة في المراجع والمصادر والضيق في المعلومة كان اساتذة فرع التمثيل وفي مقدمتهم استاذهم (حقي الشبلي) يخرجون مسرحيات أقل ما يقال عنها أنها مكتملة فنياً كما لو كانت دروساً في فن التمثيل وفن الأخراج وفن التصميم. وهنا نذكر أن اساتذة فرعي الرسم والنحت كانوا يساهمون في تصميم المناظر والأزياء لأنتاجات المعهد المسرحية.
وهنا لا بد أن نشير إلى عناصر التكامل في العرض المسرحي ومرجعنا كتاب المخرج الروسي الشهير (الكسي بولوف) وترجمة (شريف شاكر) وفيه نتعرف تعريف للمخرج المسرحي وفكره وخطته الأخراجية وتحقيقه للأجواء العامة والأجواء النفسية لمشاهد المسرحية. ونتعرف لكامل الشخصية المسرحية ونتزود بمعلومات عن مصطلح (الميزانسين) ويسميه (التشكيل الحركي) وانا اصر على تسميته (الاخراج) كما يتفق على هذه التسمية جميع المخرجين في العالم وذلك لأن التشكيل الحركي هي من مهام المخرج. ويقتضي التكامل الفني على رأي بوبوف) تحقيق الانجاز في جميع عناصر العرض لأن الثرثرة تدعو إلى  ملل المتفرج. ويقتضي التكامل الفني ايضاً الأحساس بالوحدة الكلية لعناصر العرض، ويقصد (بوبوف) بالوحدة عدم وجود تنافر في الشكل، فلا يجوز مثلاً أن تصميم منظراً رمزياً لمسرحية واقعية وبالعكس. ولا يجوز مثلاً أن يؤدي الممثلون أداءً مقحماً في عرض مسرحي واقعي فالاداء المقحم يخص المسرح الكلاسيكي. ولا يجوز خلط اللغة الفصحى باللغة العامية إلا في حالات نادرة جداً ولا يجوز أن تكون ازياء الممثلين معاصرة في مسرحية اغريقية قديمة إلا إذا اسند المخرج ذلك بمبرر مقنع، ولا يجوز ايضاً أن يستخدم المخرج موسيقى الروك في مسرحية عراقية ذات صبغة محلية إلا إذا كان في المسرحية ما يستدعي ذلك.
نعم مثل هذه العناصر – عناصر التكامل الفني كانت تتحقق في عروض معهد الفنون الجميلة حتى وان لم يطلع مخرجوها على فصول كتاب (بوبوف) وذلك لكونهم يمتلكون موهبة واضحة ودراية عميقة بالحياة ونواحيها المختلفة ويمتلكون ايضاً مخيلة خصبة وحس مسرحي عالٍ وهكذا شاهدنا مسرحية شكسبير (يوليوس قيصر) اخرجها (جعفر السعدي) بعرض متكامل من جميع النواحي في اداء الممثلين وفي المناظر المسرحية والازياء وفقاً لمبدأ الدقة التاريخية ولم يقتطع المخرج اجزاء من نص المسرحية ولم يحذف شخصية من شخصياتها، وقد اضاف من ابتكاره خشبة مسرح ثابتة تقابل خشبة المسرح الاصلية لكي يقدم عليها عدداً من مشاهد المسرح لكي لا يلجأ إلى ايقاف العرض لدقائق يتم خلالها تبديل المناظر وبالتالي يكسر الايقاع. وشاهدنا مسرحية (الحقيقة ماتت) لمؤلفها الوجودي (عمانوئيل روبلس) واخرجها بالاسلوب الواقعي (جاسم العبودي) وهو المناسب لأحداثها وشخوصها وحقق لأول مرة في تاريخ المسرح العراقي تصميم المنظر المجسم بالأبعاد الثلاثة بعد ان كان المنظر ذي البعدين هو الساند في العروض المسرحية العراقية قبل الخمسينيات وشاهدنا مسرحية شكسبير (ماكبث) اخرجها (ابراهيم جلال) حاول في اخراجه ان يطبق عامل (التغريب) لأول مرة في المسرح العراقي وتم تصميم منظر المسرحية بشكل يتوافق مع رؤيته للمسرح الملحمي وهو الآخر لم يحذف جملة واحدة من نص المسرحية وأبقى على جميع شخوصها.
كانت المسرحيات التي يقدمها فرع التمثيل متنوعة في موضوعاتها وفي انواعها – تراجيديا وكوميديا ودراما معاصرة وغير ذلك وكان المخرجون يقضون زمناً طويلاً في تمارين المسرحية وصولاً إلى تكاملها، وعند مقارنة عروض تلك المسرحيات بعروض مسارح اجنبية نلحظ مدى التقارب في الحرفية والفن وكل ذلك والثقافة ومصادرها المتاحة للمخرجين لم تكن بكثرة المصادر المتاحة للمسرحيين هذه الأيام ولا بتعددها، حيث توفرت ترجمات عديدة للكتب الأجنبية المتخصصة وتوفرت بحوث علمية عديدة تناولت مختلف حقول الفن المسرحي وتوفرت سلاسل عديدة للنصوص المسرحية عربية كانت أم أجنبية واتيح لعدد من العاملين في المسرح مشاهدة عروض المهرجانات المسرحية العربية والاجنبية ومشاهدة عروض الفرق المسرحي الزائرة، ومع كل ذلك نلاحظ ان عروض بعض المسرحيات هذه الأيام تفتقر إلى عناصر التكامل. واسباب هذا الافتقار عديدة يمكن تلخيصها بما يأتي:
اولاً: نادراً ما يجهد بعض المسرحيين العراقيين هذه الأيام انفسهم في التزود بالثقافة الواسعة، وحتى اولئك الذي درسوا في المعاهد وفي اقسام المسرح في الكليات لا يأخذون دراستهم موضع جد بل ان بعض مدرسيهم لا يجهدون أنفسهم في تعليمهم.
ثانياً: يعتقد البعض من المخرجين الجدد ان موهبتهم تكفي لتقديم عرض مسرحي ناجح وكأنهم لا يعرفون ان للدربة دورها في ذلك وان للثقافة العامة والخاصة دورها ايضاً.
ثالثا: لاحظت ان العديد من المخرجين الجدد يستسهلون العمل المسرحي ويظهر الاستسهال بعدد من الأشكال وفيها اختيارهم لنصوص بسيطة وغير رصينة كنصوص المؤلفين العالميين المشهورين او اختيارهم لنصوص يؤلفونها بانفسهم لا تحتاج إلى تحليل عميق وتفسير أعمق.
رابعاً: تمام بعض المخرجين باستنساخ او محاكاة عروض مسرحية اجنبية شاهدوها على الفيسبوك او في مواقع الانترنت الأخرى. وغالباً ما يكون الاستنساخ ضعيفاً أو ناقصاً.
خامساً: يدعي البعض من المخرجين الجدد بأنهم يجددون وان المخرجين الذين سبقوهم مقلدين  وان اعمالهم فات عليها الزمن، او انهم ينتمون بأعمالهم إلى المسرح التجريبي والصحيح هو انهم مقلدون وانهم لا يعرفون ضوابط المسرح التجريبي بل يدعونها.
سادساً: لاحظتُ أن معظم المخرجين الجدد لم يتعرفوا مهام المخرج المتعددة بل لم يطلعوا على ما في الكتب المتخصصة في هذا الفن مثل كتاب الكساندر دين (العناصر الاساسية لأخراج المسرحية) وكتاب قننغ فيلمز (الأخراج المسرحي) وكتاب أونيل ربورتر (المخرج فناناً – الأخراج المسرحي المعاصر). ولاحظت ايضأً أن مخرجي ما يسمى الرقص الدرامي لا يعرفون شيئاً عن (رودولف لايمان) وتنظيراته في هذا الفن ولم يطلعوا على انجازات (مارثا غريهام) و(ازادورا دانكن) وغيرهم من مصممي الرقص الكوريوغراف.
واخيراً اسأل المسرحيين الجدد وطلبة واساتذة معهد الفنون الجميلة، هل شاهدتم (وهل تتذكرون مسرحيات مثل (مغامرة رأس المملوك جابر) و(رسالة الطير) لمخرجها (قاسم محمد)؟ هل شاهدتم أو هل تتذكرون مسرحيات مثل (أفكار صبيانية) و(عذراء اللورين) لمخرجها (بهنام ميخائيل)؟ هل تتذكرون (القرد الكثيف الشعر) و(عدو الشعب) و(القيثارة الحديدية) و(مصرع كليوباترا) و(كنز الحمراء) وما شاكل من اعمال اساتذة معهد الفنون الجميلة خلال الستينيات من القرن العشرين؟
لا ننكر أن هناك شيئا من الابداع في أعمال المسرحيين الجدد ولا نذكر ان هناك جدة في البعض منها ولكننا نأخذ على الكثير فقدانها لعدد من عناصر التكامل الفني، ونبقى نؤكد وفرة مصادر كثيرة للثقافة المسرحية مع قصور في النضوج الفني.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية