جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


هل الروائي صانع احتمالات جميلة..؟


نوزاد حسن
  موقفان أثارا انتباهي كثيراً,وأنا في الحقيقة أعجب كيف يمكن أن يصدر مثل هذين الموقفين من شخصين يمارس كل منهما فعل الكتابة.
  الموقف الأول تحدث فيه أحد الكتّاب عن دهشته وهو ينهي روايته الاولى,وكأنه يقتحم مكاناً يحرم عليه الدخول فيه.
فأعترف أن الرواية عالم مدهش وأن الروائيين محظوظون لأنهم يعيشون واقعاً آخر ثم يكتبون عنه.
  أما الموقف الثاني فكان أكثر غرابة من الأول لأن صاحبه تعجب من كثرة الاهتمام بالرواية وإهمال كتب الشعر أو الكتب الفكرية الجادة.صاحب الموقف الثاني شن حملة على الرواية لأنها تسرق القراء من الكتّاب الآخرين.المهم إن الرأيين يتفقان في أن عملية كتابة رواية ليست عملاً سهلاً بل هو في أحيان كثيرة بحسب فهمي للرأي الثاني محاولة للفت الانتباه ليس إلا.
  سأتقدم خطوة لأدافع عن رأيي الشخصي,ودعوني أعرف الكتابة عموماً والرواية بشكل خاص بأنها صناعة احتمالات جميلة.نعم الكتابة ليست اختيار أحرف وتشكيل كلمات بلا قانون.أعني لا يمكن أن نلقي بالحروف على الأرض ثم نلتقط هذه الورقة وتلك ونقوم بلصق الكلمات لنكون أمام نص محدد.لن نكتب سطراً واحداً لو فعلنا هذا الشيء آلاف المرات.لماذا.؟لأن الكتابة لا تخضع لقانون الصدفة او الاستطراد الميكانيكي كما لوكنا نعد أرقاما من الواحد الى العشرة.
  في زمن ما كانت الكتابة في عصر الانحطاط تشبع عملية العد.وكانت هناك وسائل بلاغية تلعب هذا الدور.حاول جيل من المثقفين الرياديين تدمير هذه الجبرية اللغوية,والانطلاق الى عالم رحب وافق ملون بالرؤى والانفتاح.إذن لا يوجد في عالم الكتابة إلا قانون واحد هو قانون صناعة احتمال جميل ساحر يصدمنا بقوة رعده وكهربائيته المنعشة فنقول هذا نص حرك ذهني الراكد.لكن كيف يمكن الوصول الى صياغة نموذجية حقاً وخالية من أي أثر للتقليد المباشر.ماذا أعني بالتقليد المباشر.؟أعني به هو ذلك التقبل السلس لأسلوب معين قرأته باهتمام زائد عن المطلوب بسبب الرغبة في قول اشياء بايقاعات الكاتب الفلاني.القضية هنا تشبه التخلص من عقدة دستوفسكي.إذا أحس كاتب من الكتاب إنه يكتب أشياء يرى مستواها أقل من المشاعر التي انتجتها فهذا يعني أن هذا الكاتب يعاني من عقدة كان دستوفسكي يعاني منها.وكي يتخلص أي كاتب من هذه المشكلة المرهقة للاعصاب يفضل أن يقوم بالبحث عن وسيلة أخرى وهي الالحاح على قراءة كاتب معين مع الشعور إن الوعي سيتأقلم مع ما يقرأ.يلتقط الوعي نبرات النصوص المقروءة بدقة فريدة جداً.وهذه إحدى خصوصيات الإنسان.لن يقلد الفهد الذئب لكن في الأسلوب,وحين يتعلق الأمر بصناعة احتمالات جميلة تختلف القضية كلياً.
  في غريزة الكتابة يظل هناك نوع من الرغبة في قول أشياء كما قالها فلان.نفضل أن نسمي هذا بالتقليد المباشر.يدخل في هذا التقليد إرادة وقناعة أن الوعي سيتعلم قول الأشياء بجمال خاص لكنه جمال أتى من قراءة كاتب أصررنا على الإيمان به لأنه سيساعد الوعي على اكتشاف العالم من جديد.
أقول هذا لأبرر بعض ما في الموقفين السابقين من مبالغة ما.نعم توجد نصوص أخذت من القراء اهتماماً لا بأس به وهي قد لا تستحق.وعلينا أن نبحث عن قضية المؤثر الاسلوبي على الكاتب.باختصار شديد:حين ينفعل الكاتب بنص يقرؤه لكاتب من الكتاب فهذا الانفعال هو الخطوة الاولى التي نسمح بها لذلك النص على خلخلة وعينا.سيكون الوعي أشبه بمرآة انطبع بها وجه احد الاشخاص.المرآة هنا تشبه الوعي,والوجه هو النص المقروء.كل ما تفعله المرآة هو.اللاشيء.الأهم هو الوجه الذي شغلها وملأها.هكذا هي قصة النصوص وحقيقة كونها نصوصا تشكلت خارج حدود قانون صياغة احتمال جميل كاي رواية بارعة عميقة,أو أن هناك سعياً وهروباً من مشكلة دوستوفسكي التي لن يكون حلها سهلاً.
  إن الرواية الجيدة هي أفضل احتمال يصوغه خيال ينبع من طبيعة الحياة نفسها.أما إذا كانت النصوص تبدو متحذلقة وتعكس أبهة وعالماً ناعماً فلا بد من البحث عن حقيقة ما نقرؤه.هذا يعني إن أي نص يمكن أن يكون خالقاً وفيه سر لا نجده عند كتاب آخرين في حين نرى في أحيان كثيرة نصوصاً تتدفق وتقول أشياء نتوقف عندها لكننا لا نشعر بامتلاء كامل,ونظل محملقين في أن هناك نقصاً ظاهرياً لا بد من تفسيره.ومن الممكن تسمية هذا النقص بعدم القدرة على التخيل.ومن المؤسف أن اقول إن كاتباً يظن أن كتابة رواية هي مغامرة خاضها دون سابق تجربة.وكل هذا الكلام يخيف ذائقة المتلقي الخبير الذي لا يندفع في النظر الى أية رواية على إنها عالم خاص لأنها قد تكون مجرد اسلوب ولد من نسيج أسلوب آخر.هذا التناسخ الفني لا ينهي عبادة النصوص وحلول روح هذا الأسلوب بروح الأسلوب الذي يظنه البعض أسلوباً عميقاً وهو في الحقيقة لغة حلت بها روح اسلوب كاتب اخر.بكلمة أخيرة:كم باموق إندسّ في جمل كتبها آخرون..



المشاركة السابقة