جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


وادي السليكون في بغداد- وجه مشرق للعولمة


ملهم الملائكة
تدخلُ بغداد بخطىً حذرة وادي السليكون، لتنضمّ قريبا للسليكون فالي الذي بدأ في الولايات المتحدة، وآخذ في الانتشار في بلدان المنطقة. البداية من مبادرات شبان وشابات يعملون خارج طقوس العشيرة وخارج المظلات الرسمية والتمويل الحكومي.
ليس مألوفاً أن يستضيف ملعب الشعب لكرة السلة المغلق مناسبات غير رياضية،
لكن تظاهرة السايبريون ومحترفو الالكترونيات اختارت الملعب مكاناً للنسخة الثانية من IT LIEVE 2018  وحين دخلت المكان احتوتني بلا هوادة تفاصيل العالم الرقمي.
على المسرح يتحرك المشاركون جيئة وذهاباً - بطريقة تكسر تابوهات المؤتمرات الوقورة وقد تصلب فيها المتحدثون على منصاتهم جلوساً والطير على رؤوسهم- وهم يعرضون مشاريع ووجهات نظر لا يتوقع المرء أن يسمعها في بغداد، ثم تستضيف شاشة على الجدار عبر دورة متلفزة مغلقة على وصلة ستلايت أو على سكايب ضيفاً من بيروت، تعقبه ضيفة مختصة أنيقة من فلوريدا، ثم ضيف أربعيني من باريس. ويقطع شاب يافع العرض ليعتلي المسرح متخطياً جيئة وذهاباً وهو يتحدث بلغة عصرية تليق بعالم السايبر الرقمي وجزئياته.

كاميرات بطائرات درون تحوم في المكان
كاميرات من كل الأنواع والحجوم تنتشر في المكان لتصور الجمهور وردود فعله، ولتعرض بعضها على الشاشة العملاقة الظاهرة في زاوية المسرح. الأجمل كانت كاميرات درون الطائرة وهي تحط بين الحضور، لتصطاد لقطات لهم، ولو كانت التقنيات أكثر تقدما لاستطاعت الكاميرات الطائرات أن تسجل لقاءات مع الجمهور دون جهد وبمجرد أن تستقر أمام وجه الهدف المطلوب. خبير  يعتلي المنصة يتحدث  عن أمن السايبر"سايبر سيكيوريتي"، بطريقة لم يألفها إلا جمهور العالم الرقمي.
أجواء المكان تذهب بالزائر بعيداً عن بغداد ومشكلات مواصلاتها وانترنيتها السيئ وشبكات هاتفها الرثة. لولا نواقص لوجستية، لشابه المكان بعض واحات وادي السليكون المنتشرة عبر العالم، والتي يوجد منها في منطقتنا مساحات في دبي، وفي لبنان، وفي إيران وتركيا وإسرائيل، أما باقي العالم العربي فحائر بمشكلات لا تنتمي بأي حال للمستقبل.

المحطة هي الأصل
خلف هذا المزاج المستقبلي تقف مجموعة"المحطة"التي أطلقت مشاريع رقمية من خلال منصات شكّلت بديلا عن المنصات الرسمية التي تعاني من الفساد وانهيار البنية التحتية.
"المحطة"بحد ذاتها واحة للغد الإلكتروني المعولم تبدو قادمة من أجواء رقمية وتقدم للشباب مناخاً رقمياً وليس أمنيات. بمواجهة المبنى العصري بلونيه الأصفر والأسود ينتصب العملاق"رائد"المصنوع من بقايا الأجهزة والكومبيوترات والهواتف الخلوية والكتب والرفوف وقناني غاز التبريد الفارغة شامخاً أمام البناء في مكان قريب من تقاطع عقبة بن نافع بقلب بغداد. 
هذه المحطة هي مركز للأعمال مفتوح للأعضاء وغير الأعضاء فيه. الدخول إليها والاستمتاع بمنتجاتها وقهوتها والآيس كريم اللذيذ في كافتريتها يتطلب انتساباً بهوية قابلة للتعبئة المالية، بمعنى أنّ محلات المحطة لا تتعامل بالمال النقدي بل بالهوية المعبأة بمال إسوة بمؤسسات غربية كثيرة تعمل وفق هذا النظام. وهو أمر يقلل من مساحة أي فساد أو تلاعب محتمل بالمداخيل، ويضع المتعاملين والزبائن والمنتسبين الى مراكز المحطة ومكاتبها أمام جدية أسلوب العمل الجديد وضرورة الالتزام به. 
في كافتريا المحطة تحدث محمود لعيبي آل جازع، وهو مصور فوتوغرافي  مؤسس ملتقى"فوتو إن"، الذي يمثل نشاطاً جانبياً نتج عن مشروع وادي السليكون الصغير المحطة. وكشف آل جازع لصحيفة تاتو أنّ فورم فوتو إن"هو مشروع نشأ بتسمية مشتركة مع مدير شركة الأوج مجاهد الويسي باعتباره مشاركاً في صنع الاسم، وجاءتني الفكرة قبل سنة، حيث أردت أن أجمع كل مصوري العراق واقيم بينهم شبكة تواصل حقيقية وليست افتراضية (على النت)، فقد أمضيت سبعة أعوام مع غروب على فيسبوك والانستغرام لتبادل الأخبار والصور والتواصل الفعال، وفكرت أن أطور الحالة وأنقلها الى أرض واقعية، فكان هذا الملتقى".

فوتو إن فوروم على الأرض
ملتقى فوتو إن لعام 2018 لم يكن محلياً عراقياً فحسب، فقد شارك فيه مصورون من البحرين ومن كندا ومن ماليزيا والقوا محاضراتهم لتكون قصص إلهام للمصورين، حسب تعبير المصور آل جازع الذي أكد إنه قد تحمل نفقات سفر وإقامة المشار إليهم دعماً للمشروع.
جلسات الحضور التي شهدها الفوروم توزعت مواضيعها على 22 محوراً تتعلق بالتصوير، وقد قام أحد عشر متحدثاً كل عام بتغطية المحاور المذكورة، ويمضي المصور الشاب آل جازع الى القول"كان حجم الحضور هذا العام 2100  مصور ومهتم بالتصوير، وأقيمت الفعالية على قاعة VIP في معرض بغداد الدولي التي هيأتُها قبل 3 أيام وجهزتُها بشاشات عرض ومعدات صوتية وغيرها".
في جولة بالمحطة، استوقفتني ورشة هامة اقيمت في قاعة مرتبطة بقاعات أخرى، الورشة حملت اسم"ميكر سبيس"وهي متخصصة ببناء وتطوير نماذج أولية للمشاريع والحلول الابداعية، ومجهزة بأحدث التقنيات والمعدات ومنها طابعات 3D ومكائن CNSs التي تستهدف عشاق الإبداع الرقمي وألعابه وعلومه.
ورغم تواضع إمكانات ميكر سبيس من ناحية التقنيات المراد توظيفها، فقد وضعت فيها معدات ووسائل انتاج تمكّن المهتمين من إنجاز مشاريعهم بهذا الخصوص. الناشطة في مجال الإعلام الرقمي سحر الهماش أبدت تفاؤلها بإمكانية انتاج معدات ذكاء اصطناعي، مؤكدة أنّ كفاءات عراقية شابة موهوبة تعمل بجد في هذا الاتجاه الآن. كما كشفت الهماش عن مكاتب يجري تأجيرها للراغبين بإطلاق مشاريعهم بما يؤمن لهم بنية تحتية قوية بأسعار مغرية.

كريزي تاون وكالة إعلان رقمية
محمد السامرائي أطلق عام 2017 مشروع وكالة الاعلانات الرقمية"كريزي تاون"وكشف لصحيفة تاتو أنهم  يتعاملون مع زبائن من نوع خاص مطلوب منهم قدرا معينا من المعرفة الرقمية في مجال التواصل. وأشار الناشط في مجال السايبر الى أنّ"المبادرات والمشاريع الشابة المواكبة للعصر الرقمي تسعى اليوم الى خلق زبائن النخبة"ليتاح لها نشر ثقافة التواصل وتوظيفها في مجال"رقمنة"المحيط الاستثماري على حد وصفه.
مكتبة الجدار، والمحطة كافيه، وقاعة المحطة متعددة الأغراض المخصصة للمؤتمرات والفعاليات والاجتماعات وحتى العروض السينمائية أو المسرحية والتي تتسع لمائتين وخمسين شخصاً ومجهزة بمكاتب ذات بنية تحتية عالمية وخدمات انترنت قوية تشكل أجزاء من المشروع الطموح.
مجاهد ويسي المدير العام والمؤسس لمشروع المحطة تحدث عن الوليد الذي بات  عمره عاماً  ونصف العام مشيراً إلى  أنه انطلق بداية من رجال أعمال صغار يعملون في القطاع الخاص ويدركون ما يحتاجه أصحاب المشاريع الخاصة الصغيرة"أدركنا أن الشباب يواجهون تحديات في التعامل مع الحكومة والقطاع الخاص، ونحن نحاول أن نطلق تجربة تكون بديلاً للثقافة السائدة في البلد".
وبيّن ويسي الآفاق التي يعمل عليها مشروع المحطة بمقارنتها بفشل مشاريع القطاع العام رغم حجم الانفاق المرصود لها، وحجم الكوادر التي تعمل فيها معتبرا المحطة"محاولة للخروج من البطالة المقنعة بستة ملايين موظف حكومي لا يعملون. نحن نحارب ثقافة البحث عن وظيفة حكومية، ونعرض بدائل ممكنة للخروج من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص. نحن نعرض مكاتب منخفضة الكلفة للشباب بإيجارات منخفضة مقارنة بالأماكن الأخرى".

مصادر التمويل خارج مظلة الحكومة لكن الدعم موعود
مصادر تمويل مشروع المحطة هي كما كشف صاحب المشروع مجاهد ويسي بالقول"نجحنا في الحصول على مصادر تمويل من القطاع الخاص، من شركات، والمهم هنا أننا نعرض خدماتنا مقابل ثمن، ولا يوجد شيء مجاني وهو ما يحقق استدامة للمشروع".
وبيّن ويسي أنّ البنك المركزي العراقي وضمن تعاونه مع رابطة المصارف العراقية  قرر إطلاق منحة قدرها 50 بالمائة لدعم تمويل إنشاء المحطة المقبلة المنوي اطلاقها في منطقة أخرى من البلد، معتبرا ذلك بادرة حسن نية من القطاع العام لدعم مشروعهم الطموح.
قبل أن أغادر المحطة  لفتت نظري زاوية كتب عليها"زقاق 13"، تعرض تي شيرتات وكنزات وأباريق وأقداح وملصقات للسيارات والكتب والأبواب كلها موسومة بطباعة السكرين، وبكتابات وجُمل تسرّ الناظر وتثير أسئلته أحياناً، واستوقفتني الكتابات فسألت عن صاحب"الزقاق"وقيل لي إنّه غير موجود لكن يتولى مسؤولية تصريف منتجاته أمين مكتبة الجدار، وهكذا كان ختام الزيارة بشراء ملصقات استقرت على حافات مكتبي لتذكرني دائماً أنّ وادي السليكون في بغداد بدأ مسيرته.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية