جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


شريف الربيعي.... شاعر المواويل الحزينة


جمال العتّابي
  أدرك شريف الريبعي منذ صباه، ان الوطن ثقّبته الندوب، وأتعبه العسكر، وخان هواه دهاقنة التآمر، قبل أن يضيعه المتآمرون، فنضج إحساسه بالراهن بفعل لهيب الحياة التي اُريد لها أن تستباح على ساحة الوطن.
شريف القادم من بيوت القش والطين، إصطلى بمجامر الفقراء، عاش بينهم، فهو منهم، يستيقظ معهم، ماالذي جعل أرض العراق ساخنة؟ لماذا يصحو الوطن على سوط قاتليه وبساطيل العسكرالتي إستباحت أرضه بإنقلابات دموية متتالية.؟ هذه الأسئلة شكلت بواكير وعي الربيعي الأول، وقادته فيما بعد الى الهجرة والمنافي.
    منذ عقد الستينيات للقرن المنصرم، كان الربيعي من العشاق المقاتلين الذين رفعوا شعلة التجديد وترددت أسماؤهم بين أولئك الذين بدأوا بإجتياز الحواجز التقليدية في الكتابة والفن للتعبير عن صرخة الداخل، والدفاع عن الذات المهددة، فلابد من لغة تأخذ طريقها الإبداعي وفق متغيرات العصر، لابد من دفقة عارمة من أصداء الدواخل التي تمور بالتناقضات.
  أطلّ الربيعي على الوسط الثقافي  من نافذة الصحافة، فكانت البداية في جرائد بغدادية : الأنباء الجديدة، النصر، المنار حتى عام 1969 إذ هاجر الى لبنان وعمل في صحافة المقاومة الفلسطينية، محرراً ومصححا ومصمماً، كانت الأصوات التي بدأت تعلن عن حضورها في تلك الحقبة قد فاجأت الجمهور والوسط الثقافي، بإقتحامها المألوف، وإبتكار اساليب جديدة في الكتابة، فكان عقد الستينيات  إنعطافة حادة في مسار الثقافة العراقية، وشريف واحد من ابناء هذا الجيل الباحث عن الجديد في خضم التيارات الحديثة. البحث عن الصوت الحقيقي في هذا المعترك، أولئك كانوا ينظرون على ما وراء الأفق في إستعارة مفردات الأساليب الفنية الحديثة في الغرب، إذ لم يجدوا ضالتهم المنشودة فيما هو مطروح في الساحة الثقافية المحلية، ولاضير في ذلك لأنهم سيجدون أنفسهم يوماً على أي ارض يقفون؟ وأي من قضايا الفكروالفن تجذبهم أحضانها؟
الحقبة تلك كانت تحتمل الإيقاع المنسجم مع ذوات المبدعين حين يواجهون زمناً لابد أن يتخطوه، بالفوضى واللامباة تارة، وبالإلتزام تارة أخرى، بالعبث والصخب والتمرد والثورة، بالحرية المطلقة، بالإختلاف مع السائد، في السلوك والملابس، وتسريحة الشعر، وحتى طريقة الكلام. أتذكر ان صديقاً مشاكساً لشريف سأله عن إسمه ذات مرة، فأجابه : اسمي ربيع الشريفي!!!!
  في أواخر الستينيات، ما بعد حزيران،أقدمت الكاتبة سالمة صالح زوجة الكاتب والشاعر فاضل العزاوي، على قص شعر رأسها، وأحالته الى عنصر أساس في اللوحة، من خلال عملية اللصق والكولاج، وغامرت سالمة ان تقدم أعمالها بمعرض (تشكيلي) إعتمادا على هذه المادة، كان مفاجأة للجمهور بمولودها الحلمي هذا، ومحاولة لافتة للإنتباه، ووجدت سالمة الكثير من المسوغات لتصبح أعمالها مقنعة للآخرين في فرحة الخلق، كما هو شعورها إزاء ما تفعل. تشجع شريف ما دام الأمر بهذه السهولة، فأسرع بشراء عدد من قناني حبر الكتابة بألوان مختلفة، سفح الحبر على ورق سميك وحرّكه يميناً وشمالاً،فكانت تكوينات من ألغاز محيّرة، لايعرف أن يصفها أحد، إلا بلغته الخاصة، ووجد مفرداتها تحمل ألواناً ورموزاً غريبة، عرضها بجرأة (كأعمال تشكيلية) على الجمهور في المركز الثقافي السوفييتي أنذاك!!
    إختبر شريف قدراته ومهاراته في الإندماج بالوسط الثقافي والصحفي، ونجح في ذلك، بحضوره المميز وسرعة بديهيته، كان ساخراً ومتهكماً دون إساءة لأحد، حزينا مبتسما في آن  واحد، يحتفظ بعلاقات ود صافية مع الأصدقاء.
      كتب الشعر متأثراً بقصيدة التفعيلة، ومن إصداراته (قراءة في عذابات تل الزعتر) مع مختارات شعرية موزعة في الصحف التي عمل فيها مشرفاً وكاتبا (الكرمل، الى الأمام) وعل قلة مانشر يمكن القول ان قصائده تحاول ان تكون اكثر قرباً من الحداثة الشعرية، والربيعي لايزعم لنفسه التميز الضخم في المشهد الشعري، لكنه يتنفس هواءه في موقعه الحقيقي، قصائده تتجلى فيها التفعيلة المألوفة في الشعر الجديد، حيث البوح بالمرارة والحزن والتعبير عن المحنة الإنسانية، الواضحة جداً في عناوين القصائد، (مرثيات البطل، إلى أيوب أيضاً، وطن الهاوية، من يوميات الهزيمة)، إذ يواجهنا دائماً بالوطن القابع في الزنزانات السوداء، العراق المبتلى بالجدب ورياح السموم.
    لشريف مجموعة شعرية واحدة صدرت عام 1980، أشرنا اليها آنفاً، غير ميّال ان يتحدث عنها بحماس وإنشداد، لأنها لاتمثله شعرياً كما يقول، و(لغة الأمكنة) مجموعة أخرى لم تنشر. إذ عاجله المرض الخبيث قبل أن يبلغ عقده السادس ومات في لندن المدينة التي شعر بالإنفصام عن الحياة فيها، إذ ظل في منفاه يبكي كالمواويل الحزينة، كل يوم يستباح فيه الوطن، وحيداً كان بين أسوارها يطويه الأسى.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية