جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


السرداب


د. علاء مشذوب
على ما يبدو أن قول علي الوردي (بين العجم والروم بلوة ابتلينا)، لا ينطبق فقط على الشرور والتدخلات التي تأتينا من هاتين الجهتين، وإنما تعدى ذلك الى كثير من تفاصيل حياة العراقيين، كما في الأكل والشرب والعادات واللغة الفصحى والعامية التي أصبحت هجينة من افرازات الاحتلالات المتعاقبة، وفن العمارة والبناء ومنها كلمة السرداب التي هي:"كلمة فارسية تتكون من مقطعين (سرد) بمعنى بارد و(آب) بمعنى ماء.
يكون السرداب تحت أرضية البيت ويستخدم للنوم ولتبريد الماء والخضراوات وحفظ الأطعمة وغيرها" . أما سرداب السن (العتمة) فهو عبارة عن مراحل متعددة من السراديب واحداً تحت الآخر في الطبقة الصخرية ويتم الصعود والنزول إليه عن طريق سلم ملتوٍ ضيق وبعد الوصول الى نهايته يشعر الإنسان بأنه أنعزل عن العالم" ، ويسمى أيضا بالطامور الذي كان يستخدم في زمن العباسيين لتغييب المناوئين لهم، ومن كانوا موالين وتحولوا الى معارضين، ليصبح منهجا عند الساسة في الحكومات الديكتاتورية فيما بعد.
ولعل الإنسان الأول هو أول من أكتشف الكهف باللاوعي لحماية نفسه من الحيوانات ونظيره الإنسان الذي تطور فيما بعد الى سرداب أو ملجأ، وللأسف فإن الكثير من المصادر لا تذهب الى البحث في أصل كلمة السرداب سومرياً أو بابلياً أو آشورياً أو حتى فرعونياً، وانما تبني آراءَها على المشاع بين الناس، حتى اندرست أصول الكثير من الكلمات ومنها كلمة السرداب، ولأننا لا نريد أن يكون بحثنا أنثروبولوجيا عن اللغة وأصول الكلمات، ونترك ذلك الى المختصين، فإننا سنعتمد على التعريف أعلاه.
ولكن الباحث يعتقد أن كلمة السرداب أن لم تكن عريقة ومتناقلة من أصولها العراقية، فهي آرامية الأصل، كون دولة سوريا وعاصمتها دمشق تعد من أعرق العواصم العالمية، ولما كان جوُّها بارداً مثلجاً شتاء، فإنها عمدت الى اكتشاف المخازن أو السراديب لتخزين المواد الغذائية من الزيت وزيت الزيتون والتمر وغيرها من المواد الغذائية الأخرى، وفي الصيف فإنها كانت تستخدم للنوم، بسبب الجو الحار. ومن ثم شاعت بين الناس في الهلال الخصيب عند التجار الذين يقصدون دمشق ويبيتون في خاناتها. كما وأعتقد أن هناك سببا آخر لقيام السرداب، هو لاختباء النساء والأطفال فيها أثناء هجومات الدول المتنازعة على بسط سيطرة بعضها على بعض.
وبعد انتشار الإسلام وبسط نفوذه على مساحات كبيرة، ازدهرت المدن وضاقت المساحات فيها، فآثر كثير من الناس الى بناء السراديب لعدة أسباب منها؛ لما كانت مساحات البيوت في مراكز المدن صغيرة، فقد عمدت الى بناء السراديب زيادة في المساحة، ليكون بمثابة غرفة ومخزن في آن واحد. ولغياب التقنيات الحديثة فإن الكثير عمد الى بناء السراديب ووصلها بـ(بادگير) او (الباذهنج) الذي هو عبارة عن فتحات ترتفع فوق سطوح الأبنية في الأماكن الحارة مائلة للسقف مغلفة الجوانب ما عدا الجهة التي تواجه تيارات الهواء الرطب تتلقفه فينحدر الى الطوابق السفلى المتصلة بالملقف فيحل محل الهواء الحار الذي يصعد الى الأعلى مما يخلق تياراً هوائياً رطباً باستمرار حتى في غياب الرياح" . وتكون هذه الفتحات أما على شكل مستطيلات أو أقواس تتقدمها ما يشبه القبعة لتمنع سقوط الأمطار منها الى السرداب أو أغراض أخرى، وفي الوقت نفسه تكون بالأشكال نفسها من الأسفل عند السرداب.
والسراديب على نوعين؛ الداخلي، في كون المدن القديمة لم تخضع لترسيم وتقسيم مدني حضري، فكانت تمتاز بالأزقة الملتوية والضيقة ما انعكس على البيوت في أن تكون أغلبها بواجهات صغيرة، ولما كان بناؤها شرقياً، ويحتوي على مساحة وسط البيت، فكانت شبابيك السراديب الحديدية على شكل (ميل) تطل على باحة البيت من أجل التهوية وإدخال النور إليها، وخارجية، في كون بعضها له واجهة جيدة تطل على الزقاق أو الشارع الفرعي ما يخدم السرداب في إدخال وتبديل هوائه، وكثير من البيوت كان لها سراديب داخلية وخارجية.
ومن ثم انتقلت فكرة السراديب الى الحوزات العلمية، فقد كان يخصص بعض القائمين عليها سراديب حوزاتهم للنساء، بينما البراني أو الطابق الذي يعلوه للرجال، كما انتقلت فكرة السراديب الى المقابر أيضا لعدة أسباب؛ أما أن صاحب الأرض شيخ عشيرة أو من أعيان المدينة ويريد لعائلته أن تدفن في مكان واحد من أجل توفير المساحة، وكذلك من أجل أن تجنب جثمان المتوفي ضغطة القبر أو هكذا كان يشاع.
لكن الإنسان كان في كثير من الأحيان منفصلاً عن واقعه ويسعى لتطويره وبالخصوص بعد أن أصبح أكثر وحشية وتعمد أن يقوم بالحروب بعد أن طور آلتها، ولعل الحرب العالمية الأولى خير دليل على ذلك، عندما بدأ الجنود يحفرون الملاجئ تجنباً لقصف العدو وكذلك من أجل المباغتة والالتفاف وغيرها من الأغراض الأخرى، ومثلها في الحرب العالمية الثانية.
وليس بعيداً، نتذكر جيداً أن مفهوم السراديب الذي تحول الى الملاجئ كان حياً في ذاكرة العراقيين إبَّان الحرب العراقية الإيرانية (1980 ــ 1988) وتحديداً في عام 1982 شرعت الحكومة العراقية بإصدار تعميم الى كافة المصارف الحكومية في بغداد والمحافظات يقضي بمنح سلف مالية للمواطنين ممن يرومون بناء ملاجئ داخل بيوتهم ووفق مواصفات عالية.. لحمايتهم من الأعمال الحربية وخاصة الطلعات الجوية الكثيفة للطيران الإيراني وكان مبلغ السلفة (3000) آلاف دينار عراقي، أي ما يعادل (9000) آلاف دولار اميركي في تلك الفترة.. وقد وجد أكثر المواطنين في هذا القرار فرصة مهمة لهم في تحسين مستواهم المعيشي خاصة وان تكلفة بناء الملجأ لا تتعدى الـ(1000) دينار.. لذا انبرى الكثير من العراقيين لبناء الملاجئ في بيوتهم.. وبعد انتهاء الحرب وإطفاء وإعفاء المواطنين من تسديد هذه السلف قامت أكثر العوائل بهدم هذه الملاجئ وبيع موادها للاستفادة منها مادياً مرة أخرى. وبعد عام 2003، شاعت الفنادق في محافظة كربلاء، لاستقبال الزائرين من مختلف أنحاء العالم، وكان أغلبها يبني سرداباً على طول الأرض التي يبني عليها فندقه، فمنهم من يجعل منه مطبخا ومطعما لهم، ومنهم من يجعله مخزناً.
ولم يغب السرداب عن الأدب البابلي الذي يمثل العالم السفلي، وقصة عشتار ودموزي معروفة في الأوساط الثقافية للذين يهتمون بالآداب العالمية الغارقة بالقدم، وأما على مستوى الأدب الحديث فكان السرداب ملازما للكثير من الروايات والنصوص الشعرية، وكان يسمى في النصوص الأجنبية بالقبو، ولكن بالترجمات يعاد له الاسم العربي وهو السرداب كما في رواية ديستيوفسكي (في سردابي)، او عند الشاعرة رندا قسيس (سراديب الآلهة)، وتعبر هذه المفردة عن الإيحاء بالانطواء النفسي أو الانحدار او الهزيمة للشخصية الرئيسة أو البطلة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية