جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


السطوح في البيوت البغدادية


سناء الطالقاني
قلت في نفسي السطوح ولا القصور في زيارتي الأخيرة للعراق قبل سبع سنوات بعدما عزّ عليّ اضمحلالها فحرمت من نعمتها بعدما كانت مشاربي وبعض من رؤى حفرتها على جدرانها بالطبشور...  أعشاشنا المضطربة،  السطوح التي لاصقت طفولتنا والصبا وأهدتنا عمراً فضياً وقصصاً مرويٍة وذاك القمر الذي يهبط ليلاً بجلاله فتشتعل الروح وتبحر والنجوم تصاحبنا لمتاهات الإبحار فنركب درب التبانه ولا نعود إلا والصباح ينهض على الأسيجة.
أُبدلت بتصاميم مشوهة تتصدرها المكيفات الهوائية الهادرة وأغلقت  بسبب من ضعف الأمان والخوف.. حدائقنا المعلقة وملاذ الصبا والصبايا ومنها نسجت أول إرهاصات الحب (التلصص) فلكل منا حكايته: من تربية الحمام في السطوح او خوض حروب الطيارات الورقية او الأعداد لتهيئة لوازم فرش الآسرّة  منسوجة بنظرة خاطفة  لإبن الجيران او الابنة فنجرب خفقة القلوب لطفولة عبثية ملونة  لأول مرة ثم تغفو أعيننا على جنح الحلم الاول من هو فارس الأحلام ومن هي عروس البحر....  ولعل انتظار عابر سبيل سيتحول من خلال لغة العيون  بقدرة قادر الى خفقة وامتزاج نبض بلحظة عابرة...الى حبيب او حبيبة وتدور الأيام في تولّد اللوعة بشغف غريب افتراضي لكنه ينمو في عالم غرائبي ساحر نكتب فنتازية العبور..  فتكتب الرسائل وتعدو أشبه بالمذكرات لشخصيات في الرأس متخيلة  لكن بعض ملامحها تجول في الخاطر وعلى السطوح!  لا يطالها البريد بل تدفن تحت الوسادة ننتهك المحرمات المفتعلة والخطوط الحمراء.  وفي العصر، تُرش الأسطح بالماء وعلى  أرضها الطابوقية المثقوبة تختمر فيها رائحة أقدامنا،  لتنتشر رائحتها  المباركة.  ويصدح من المذياع أغاني سهرة ممتعة لأيام الخميس والجمعة وبالتحديد سهرات أم كلثوم مصحوبة بلمسة  عائلية وأصناف من التعليقات والكركرات  وبعدها تتصاعد في وتيرة  وكأننا في جوقة لا تحتاج لتنظيم هي فطرة شبقة.
هذا ليس افتعالاً للفرح بل تلاصقا مع الجو والأجواء التي تمنحها السطوح لأرواحنا. والطريف في الأمر أن السطوح تستخدم لإقامة الأعراس في المغرب حتى الآن  عليها وخاصة لدى العوائل الفقيرة تفادياً للتكاليف الباهظة. كانت الواحِة المنعشة  في أيام الصيف الحار  للعراقيين ليلاً كما كانت السراديب ظهراً.. لكنها في طريقها للانقراض كما انقرضت العديد من العادات الجميلة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية