جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


في اتخاذ القرار ورغبة الحياة.. استطاع الكُتّاب الذكور إنصاف عاطفة المرأة المُدانة اجتماعياً


زينب المشاط
بين المواجهة واتخاذ القرارات توجد الحياة، ليست مُعلقة مترددة، خائفة توشك على الانهيار، وليست غافية، تسكنها الرتابة والسكون، هناك بين هذين الفعلين تكون حيواتنا مجنونة، استثنائية، مُخالفة لكل ما نعيشه، لا عشوائية على العكس بل هي فوضى مُرتبّة، مادُمنا نعي أهدافها....
في أنثوياتي هذه المرة لاوجود لبناتِ افكاري، يتناقشن، يتنازعن، ويتجاذبن أطراف الحديث، وأحياناً يتمازحن مُطلقات نكاتهنّ بمكرٍ إشارةً لواقع أو حقيقة، سيدات هذه الصفحة اليوم هنّ مجموعة من أبطال الروايات التي نقرأها، واللاتي لمست من خلالهن أن المرأة حياة لا بالحمل والولادة، بل بقدرتها الغريبة في وضع كل شيء في نصابه الصحيح، وقابليتها الأغرب في اتخاذ القرارات دون أن تترك الأشياء على قيد تعلّق، بين حياة وموت، أو صمت وحديث، أو بقاء ورحيل، أو معرفة وجهل، ورغم ما قيل عن النساء في مجتمعاتنا إنهن كائناتٌ خاضعات للعاطفة لا للعقل، إلا أن كُتاب الروايات ومن الذكور تحديداً أشاروا الى فاعلية العاطفة في بث الحياة بكل شيء، وذلك من خلال مُشاطرة العديد من بطلات الروايات ابطالاً ذكور في الصفحات، حيث تقاسموا النصوص بكلماتها وحروفها، وتشاركوا المشاهد، وتفوق أحدهم على الآخر أحياناً، لكن في أغلب قراءاتنا سنجد أن المرأة هي صاحبة القرار، وهي التي تضع النقطة الأخيرة على الحرف الذي أبقاه الرجل معلقاً، وهي التي ترسم نهايات الحكايات، وتحيك بداياتها...
وقد يكون من الجيد أن يظلم المجتمع المُتهم بـ”ذكورتيه”المرأة، لينصفها الكُتّاب الذكور في نصوصهم ورواياتهم، فبالاعتراف الكونيّ الأول الذي يُشير الى قدرة المرأة على المواجهة، ورغبتها في معرفة كل ما يدور حولها لتضع كل شيء في محلّه الصحيح، ما قرأناه عن أدم وحواء في رواية”قايين”لجوزيه ساراماغو، الذي وضع مشهدين في منتهى الجرأة والصلابة لحواء، الأول حين وقفت أمام”الله”لتناقشه حول كيف جعلت آدم يأكل من شجرة المعرفة، وهنا أشار الكاتب ومن خلال ردود فعل آدم في هذا المشهد على تردده، وضعفه، في الوقت الذي كانت حواء أكثر قوة وقدرة على المواجهة، والمشهد الثاني جاء بعد طرد الآدميين من جنة عدن، ومحاولاتهم الحصول على الطعام، واقتراح حواء على ادم أن تتحدث الى الملاك كروبيم ليسمح لها بأخذ القليل من ثمار الجنة، وتملّص آدم من هذه المواجهة ورميها على عاتق حواء التي بادرت إليها بكل اصرار وشجاعة ونجحت فيها أيضاً، بهذا قدمت حواء الحياة لأدم، وفلحت في المواجهة. مشاهد كثيرة في هذه الرواية أشارت الى أن للمرأة دوراً كبيراً وجاداً في المواجهة، ولها رغبة عالية تجاه الحياة، وهذه الرغبة سنلتمسها وبوضوح عالٍ من خلال رواية”الرجع البعيد”لفؤاد التكرلي، والذي عُنيّ على وجه الخصوص في هذه الرواية للإشارة للمرأة، فإبتساماتنا التي اقتنصناها من صفحات هذه الرواية كانت للنساء المُسنّات ومشاهد كيدهن الواحدة ضد الأخرى وأحاديثهن الخفيفة والقريبة الى القلب، والإبتسامة هي حياة، إضافة الى إرادة بطلة الرواية”منيرة”وإصرارها على الاستمرار بعد تعرضها للاغتصاب من قبل”أبن اختها"، وفي ذات الرواية سنجد شخصية مديحة الشخصية التي تصارع الحياة بين حرب نفسية وأسرية واجتماعية تتعرض لها بسبب هجر زوجها”غير النافع”لها، إلا انها ورغم كل هذا تستجيب للحياة وتستمر بها، هذه الصورة من الاستمرارية لم تكُن سوى اعتراف من كاتب الرواية”الذكر”بإصرار هذا الجنس على الحياة واستمرارها في حين نجد أن شخصيتي كريم ومدحت شخصيات سلبية غالباً، فالأول يقع ضحية أفكاره وامراضه النفسية بإرادته، والأخير هرب من مواجهة حقيقة منيرة، وذاتها شخصية كريم التي يُشير اليها غائب طعمة فرمان في روايته”المخاض”بذات الاستسلام والهروب وعدم فهم ما يريد، في حين يتحدث فرمان عن شخصيتي ماجدة وأمنة بشكل آخر فهنّ فتاتين يرمزن بالفعل للرغبة العالية تجاه الحياة، وتحقيق الأهداف سواء  العاطفية بالنسبة للأولى والأسرية بالنسبة للثانية، في حين عجز كريم بطل رواية المخاض عن التعبير عن ذاته إلا بعد أن جرع كميات كبيرة من الكحول.
القرار، نعم، إنه الأصعب تفكراً والأصعب هو أن نستقر إليه، وقد تمثل لنا شخصية زُليخة بطلة رواية”لقيطة في اسطنبول”للتركية أليف شفق، المرأة الأكثر صموداً تجاه قرارها في انجاب إبنة وجدت نتيجة لاستهتار أخاها واغتصابه لها، زُليخة التي احتفظت بسرّ”من هو أب هذه الطفلة؟”لسنوات طويلة جداً رغم ما جوبهت به من لوم واتهامات بأنها سيدة منحلة أخلاقياً حتى انها فقدت احترام ابنتها"اللقيطة”تجاهها تحملت ذلك وعاشت الحياة بقوتها دون تردد، في الوقت الذي يهرب فيه الفاعل الى بلاد أخرى ويكوّن حياة أفضل دون مواجهة فعلته!  وبقية الادبيات التي صدرت عن كُتّاب شرقيين وآخرين من الغرب تؤكد لنا أن المرأة هي التي كانت سيدة القرار، في الوقت الذي حاول المجتمع أن يؤكد لنا عكس ذلك، ففي رواية”شيطنات الطفلة الخبيثة”لماريو بارغاس يوسا، لم يستطع ريكاردو بطل الرواية الذي أشفق عليه جميع القُراء من اتخاذ قرار ولو لمرة واحدة بغلق أبوابه في وجه طفلته الخبيثة، وتركها تتخذ القرار بالتقلب بين رحيل وعودة متفاوتين، ولم يكُن هو سوى الشخص الخاضع لهذا الحضور والغياب والراضي بنتائجه، دون قرار، دون محاولة أو سعي لمواجهة أخيرة معها، عاش ريكاردو حياة ميّتة الهدف من ورائها إنتظار صعقات الطفلة الخبيثة الكهربائية التي تأتيه بين سنواتٍ وأخرى لتهبه وهم الحياة الذي سرعان ما ينطفئ.
لا أعلم أهي تعاسة أبطال الروايات”الذكور"، أم إنها مواقف”النساء”الصلبة والتي إضطر أن يعترف بها الأدباء الذكور”غالباً”وجميع الكاتبات النساء”كونهن الشاكيات الباكيات، مثلي تماماً، بحال المرأة”بأن تكون المرأة في أغلب الروايات صاحبة القدرة الرهيبة على التحكم بخلق الحياة لا بممارسة الجنس التي تؤدي الى الحمل فالمخاض فالولادة، بل بدافع البحث عن الحياة رغم المشقّة، في محاولة البحث عن ألقها وطموحها، وتحطيم انكسارها،، وقد يكون السبب وراء هذا جنون المرأة وشغفها العاطفي البعيد عن التعقل والمعقول”أي العاطفة التي يُدينها بها المجتمع”هو أحد الأسباب الاهم لكونها باعثة للحياة، صارمة في قرارها الاخير بعد منح العديد من الفرص، ومواجهة حدّ الموت إن تطلّب الأمر وهذا ما جسده لنا أريك ماريا ريمارك في روايته”ليلة لشبونة”حين تحدث عن هيلين بطلة الرواية التي إنتهت خلف زوجها وحبيبها شفاريتس الهارب من الحكم النازي آنذاك، وفي سبيل هذا العشق خسرت هيلين كل شيء، عائلتها، وطنها، وأخيراً حياتها من أجل هذا الرجل الذي لم يتخذ سوى الهروب وسيلة”كعادة الذكور”لحماية ذاته وزوجته!
حسناً لن أنكّر أبداً أن ما كتبته سيكون الرصاصة التي ستوّجه لي من قبل أبناء آدم، حيث سيستعرضون لي آلاف الحكايات والروايات الخيالية والواقعية التي تثبت”هروب حواء وقدرة آدم على المواجهة وحسم القرارات”مُتناسين أن هذا الجسم الغريب البارز عند حناجرهم ما هو إلا  قضمة من”تفاحة أدم”التي عجز عن ابتلاعها عندما واجهه”السيد".



المشاركة السابقة