جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


مدينة الثورة .. غراميات حسن بريسم وزبيدة ثروت


نعيم عبد مهلهل
(1) حسن بريسم وجنود قطاع 52

في مذكرات ملك أوروك جلجامش نوماس منعثر والذي عثرت عليها البعثة الألمانية التي نقبت في الوركاء مطلع القرن العشرين وجدوا إشارات من الملك السومري وقد دونها أثناء رحلته بين السماوة وغابة الأرز في مدينة عالية اللبنانية قوله: إذا لم تجد الخبز غذاء لسفرك فأستعن بحناجر مطربي أهل العمارة والناصرية وسانتياغو،
ويقال أن إشارته الى سانتياغو كان تضامنا مع المغني الشيلي فكتور جارا الذي قتله جنود الفاشي بيونشت أثناء الانقلاب العسكري ضد حكومة سلفادور الليندي اليسارية. وفي حاشية متن هذه الصفحة كانت هناك إشارة الى داخل حسن من أهالي مملكة أور في عهد ملكها الموسيقار شولكي، فيما أشار الى حسن بريسم وفي اعتقادي أنه وليد إحدى قرى أو مدن مملكة ميسان الواقعة على الحدود العيلامية ــ السومرية
قرأت تلك المذكرات بطبعتها الفرنسية لدار غاليمار، حين جلبتها معي الى ربيئتنا المتعلقة في سقف سماء جبل كردمند في قاطع حاج عمران حيث يشاركني فيها ثمانية جنود أربعة منهم من مدينة الثورة قطاع 52
ولأني أحد سكنة أور فقد تشبعت روحاً وذاكرة بصوت الخالد داخل حسن، أما حسن بريسم فهو من جيل حداثة لم أسمعه واستغرب كيف سمعه ملك أوروك قبل أن أسمعه أنا.
وكان شوقي كبير لأسمعه فسألت عنه جنود قطاع 52 فضحكوا كلهم ضحكة واحدة وقالوا: نحن نسمعه قبل النوم فهو من يجلب الحنين الى قرى أجدادنا في الكحلاء والمشرح والحلفاية والعمارة وقلعة صالح وشوارع الحنين في قطاعات مدينتنا.
أرد عليهم: وهل تخليتم عن عبادي وجعفوري وحسين سعيدة وسلمان المنكوب؟
قال أحدهم: إن فيه أنين حزنَ ما يحرك فينا الأشياء البعيدة،هو مكمل لهم ولكن بطرب جديد، خذ صوته الليلة معك واسمعه، ستدمن عليه مثلي.
منتصف الليل عندما ختمت أم كلثوم أسطورتها (أغداً ألقاك) ذهبت الى فصل روايتي الجديدة وحين تعبت من الكتابة قلت لأجرب الراحة الذهنية والجسدية مع صوت حسن بريسم.
سمعته فشعرت أن صوته ينعش فينا حداثة أن ترى الحنين والحزن تقريب لما هو بعيد عنك.
وجه أمك وأبيك وأخوتك الذين ارتدوا مثل خوذ الحرب، واحد في بحيرة الأسماك والآخر في قاطع مندلي وأنتَ تتدلى أجفانك مع الخيوط النازلة من أثواب النجوم فوق الجبال العالية ليحسسك صوت حسن بريسم بدفء عاطفة الغرام في رغبته لاستعادة أمكنة الجنوب المفقودة، دلمون وعدن وقرى المعدان التي أحرقتها مدافع ألوية الاهوار التي شكلتها الدولة خوفاً من ثورة تأتي من أعماق غابات القصب.
تشعر أن القرين بين جارا وحسن بريسم هو مقاربة الروح في تماثلها للغرام الياسري، لكن فكتور جارا قتلوه في ملعب كرة قدم فيما حسن ربما مثلي يتحزم بنطاق الجيش ويفكر بالهروب هو وبحته السومرية الى جهات المنفى.
صباحا شكرت الجندي من أهالي الثورة لأنه عرفني بحسن،
ابتسم وقال وستعرف معه روحك والدمعة وغرام الحبيبات.
في الظهيرة تعرضت ربيئتنا الى قصف مدافع الهاون، فأصيب في هذا القصف الجندي الذي أهداني كاسيت أغاني حسن بريسم.
كنت أول من هرع إليه لأرى شظية وقد ثقبت خاصرته، نظر إلي وقد سكنته دمعة مضيئة، وهمس لي:
سأغدر المكان مع جرحي أما موتاً أو شفاءً، ولكن إن مُت خذ كاسيت حسن بريسم وتذكرني كلما غرقت بونينه، وإن عدت أعد إليَ الكاسيت لأكمل شفائي معه.
تأخر وصول المسعفين من مقر السرية، نزف دما كثيراً الجندي (حبيب قطاع 52) حيث كنا نلقبه في الفصيل، وعندما تم إخلاءه كان النزيف قد أخذ منه كل دمه ليموت بجرح ليس مميتا.
بعد سنوات طويلة كنت أتمشى في شارع المتنبي، وجدت نفسي وجهاً لوجه مع حسن بريسم الذي كان يعرفني حتى دون أن نلتقي،
تبادلنا التحيات
ومع ابتسامته الهادئة الملونة بجنوب أزرق تذكرت صديقي حبيب قطاع 52. وكم تمنيت أن أستعيد معه قصة الكاسيت.
لكن صديقا تدخل بيننا في الحديث ونسيت قصة حبيب قطاع 52 وأبقيت سعادتي بالتعارف على حسن بريسم.


(2) زبيدة ثروت ميخائيل

زبيدة ثروت ميخائيل، ابنة رجل مسيحي ولد في مدينة العمارة* عام 1938 بعدما أتى والده مهاجراً من تلكيف إحدى قرى نينوى قبل أن تتحول إلى ناحية ثم قضاء ليضمن نادي الموظفين في مدينة العمارة والذي كان قبل ذلك هو نادي استراحة مختلط لموظفي الإدارة البريطانية أيام الانتداب ومن ثم صار يجلس فيه ضباط الارتباط الانكليز وضباط حامية المدينة الذي كان عددهم 28 ضابطاً ثمانية ضباط منهم من العراقيين ولكن أغلبهم من أهالي الموصل وبغداد، هم ملاك فوج العمارة الأول الذي أوكلت إليه مهمة مسك الحدود البرية والطويلة مع إيران من الشيب وحتى منطقة الطيب وجلات والى ناحية الشهابي
فيما بقيت الحدود الأخرى من المشرح إلى القرنة بدون حراسه كونها مناطق أهوار ومفتوحة على بعضها منذ الأزل.
أحب ميخائيل مدينة العمارة وأهلها وهو من أقنع الحاكم البريطاني في المدينة قبل أن تبدأ الإدارة المدينة العراقية في لواء العمارة أن يؤثث الكنيسية الكاثوليكية في المدينة ويعين لها حارساً وقساً من قساوسة الجيش البريطاني، وحين اشتروا مصاطب الصلوات وكرسي الاعتراف والسجاجيد التي كلفوا بها نساء ريفيات من أهل قرى قلعة صالح بنسجها على شكل بسط ملونة تحمل إيقونات، إرتعبت النساء النساجات في البداية، ولكن ميخائيل أقنع أزواجهن أن هذه ليس سوى رسوماً جميلة ومن بعض صورها مذكورة في سورة مريم في القرآن الكريم، ولأنهن ريفيات ولم يسمعن بسورة مريم، تم الإتيان بقارئ جامع قلعة صالح وقرأ لهن الصورة وفسر آياتها لهن فقتنعن أن الصورة الكنائسية مذكورة في الآيات والكتاب فرضين نقشها على البسط الذي يسمى بلهجة الجنوب (الايزار) إضافة إلى ذلك الكنيسة تبرعت أيضاً بشراء عشرة بسط لجامع المدينة منسوجاً عليها صوراً لمكة المكرمة وصوراً لقباب أئمة وأولياء وقبة ضريح النبي العزير الذي لا يبعد عن بيوتهن سوى عشرين ميلاً، وبهذا قبلت النساء إنجاز ما كلفن به مقابل ثماني ليرات هندية لكل بساط تدفع من قبل خزينة وزارة المستعمرات البريطانية وقد همّش السير برسي كوكس على الطلب والموافقة بنفسه.
في 1/ 7 / 1957.سمعت جميع بيوت مدينة العمارة قرع أجراس الكنيسة، وفي غير مواعيد القداس، فتبين لأهل مدينة العمارة أن حنا قد وافاه الأجل.
الذين كانوا يترنحون مع شذى الكؤوس التي كان يقدمها لهم وأغلبهم من المعلمين والموظفين والمثقفين هبوا إلى حضور قداس جنازته، فيما همهم المصلون مع أنفسهم قولهم: ليسامحه الله.
فأجابتهم لافتة النعي الصغيرة التي علقت على بوابة الكنيسة بتلك العبارة التي تبرع بخطها أحد معلمي اللغة العربية في ثانوية العمارة والتي تقول: طوبى للرحماء فأنهم يرحمون.وهي أول عبارة إنجيلية تكتب على جدران مدينة جنوبية.
بعد أربعة أعوام من موت ميخائيل قرر ولده الوحيد ثروت الهجرة من العمارة إلى بغداد، وقد تقاسم مطعماً ومشرباً على ضفاف دجلة من جهة الكرخ مع أيزيدي من أبناء سنجار، وقد تمنى عليه زملاؤه من المسيحيين السكن في كمب سارة أو البتاوين حيث جاء ليسكن بغداد منذ شهرين، لكنه قال: جيراننا بيت أبو عواد من أهالي العمارة، أعطاه الزعيم بيتاً في الثورة، وبنتي زبيدة أمس هي من قدمت الورود للزعيم في توزيع سندات الطابو، وإليكم سبب أني سأسكن من الغد في مدينة الثورة إلى جانب جارنا العمارتلي، فحين رأى وردة الزعيم تعجب وسألها: أنت بغدادية لو عمارتلية.؟
ردت زبيدة: من العمارة
تساءل الزعيم وبتعجب: ولكن عيونك خضر.؟
قالت: أبوي مسيحي، ولكن مولود بالعمارة.
تذكر الزعيم جيداً أنه في إحدى فرضيات التدريب للواء الرابع عشر في العمارة حيث كان حاضراً بصفة مفتش قطعات، كان آمر حامية العمارة قد دعاه إلى ليلة عشاء في نادي الموظفين، ومن قدم لهم الطعام والشراب هو ثروت ميخائيل. ووقتها أعطاه الزعيم ربع دينار كبقشيش، وهو ما لم يعطه بقدره أي زبون من زبائن النادي.
فسألها الزعيم: وهل يعلم والدكِ أنك من سيقدم للزعيم باقة الورد.
قالت نعم، وقال لي ليت الزعيم يعرف أن الربع دينار الذي أهداه لي ذات ليلة لم يزل معي ولم أصرفه.
ضحك الزعيم: وبعد؟
قال لي لو اقتربت من الزعيم قولي له أن أبي يريد بيتاً مع أهل العمارة ليسكن قرب بيت جاره أبي عواد.
إلتفت الزعيم إلى مرافقه وقال: امنحوا والد هذه الطفلة الجميلة بيتاً في المدينة الثورة. لهذا (قال ثروت لرفاقه في النادي): سأعيش وعائلتي في مدينة
عاشت زبيدة كواحدة من أجمل تلميذات مدرسة الثورة الابتدائية، والغريب أن وجهها المدور بالرغم من طفوليته كان كثير الشبه بوجه الممثلة المصرية زبيدة ثروت التي كانت أيضاً بعيون واسعة وخضر، ولهذا كان المعلمون يتفاءلون بوجه التلميذة زبيدة خصوصاً أولئك المغرمين بالأفلام الرومانسية المصرية، و كان عليها أن تخرج كل يوم في الاصطفاف الصباحي لتقرأ النشيد
يوم كبرت زبيدة ثروت ميخائيل أحست بذلك الشبه الذي بينها وبين الممثلة المصرية لهذا أدمنت على مشاهدة أفلامها وخصوصاً تلك التي مثلتها مع المطرب عبد الحليم حافظ حتى أنها تمنت أن تتزوج شاباً اسمه عبد الحليم وبمواصفاته حتى لو كان مسلما.
الأب أحس برغبة ابنته الجنونية فأبرق إلى ابن عمه توما الذي يعيش في تلكيف، بأن زبيدة كبرت وأصبحت في سن الزواج ولم يجد من يليق بها وتمنى عليه أن يخطبها لابنه ولكن بشرط أن يغير اسمه من نوح إلى عبد الحليم مادامت زبيدة لا تعرف أن لها ابن عم اسمه نوح.
نجحت الخطة، وأتى نوح باسمه الجديد وتزوج زبيدة وسكن معهما في مدينة الثورة، ومثل عمه ثروت ميخائيل أصبح عبد الحليم (نوح)سابقاً، محبوباً من قبل أهالي المدينة وكانوا يسمونه زوج ابنة الزعيم حيث اقترن هذا اللقب بزبيدة منذ أن قدمت الورد للزعيم وأهداها بيتاً في مدينة الثورة.
عام 1972 تمت دعوة عبد الحليم إلى الخدمة العسكرية، ونسب طباخاً لآمر الفوج الأول للواء 19 في قاطع خليفان والذي كان الزعيم عبد الكريم أمراً له
وذات يوم اشتهى آمر الفوج من طباخه أن يطبخ له ورق الخباز الطبيعي الذي كان ينمو في محيط ساتر مقر الفوج، فذهب نوح ليجمع أوراقه فترصده قناصٌ من البيشمركة ووضع الرصاصة في رأسه.
في ذلك اليوم شيعت مدينة الثورة جنديها المسيحي القتيل في حرب برزان، ومعهم مشت زبيدة تذرف دموعها الخضراء بنحيب لا يشبه عويل وبكاء نساء الجيران اللائي كن يرددن جملتهن الشهيرة خلف نعش عبد الحليم: طركاعه الفت برزان بيس بأهل العمارة.
وحين وصلوا إلى مقبرة المسيح في جانب الرصافة، وإثناء الدفن تفاجأت زبيدة بأن شاهدة قبر زوجها مكتوب عليها، هنا يرقد الجندي الشهيد نوح توما اليسوعي.
في البيت سألت أبيها عن سبب تغيير اسم زوجها وتسميته بنوح على شاهدة القبر.
روى الأب القصة لابنته، وبالرغم من أنها شعرت أن أبيها خدعها لكنها قالت مع نفسها كان زوجاً رائعاً.
بعد عام من موت نوح (عبد الحليم) رفضت زبيدة ثروت كل طلبات الزواج التي تقدمت إليها من أقاربها وأبناء أصدقاء أبيها، وقالت أنها تخاف أن تخدع بعبد الحليم آخر، فظلت مع ابنتها وردة مدمنة على مشاهدة أفلام الممثلة المصرية زبيدة ثروة.
في يوم 13 / 12 / 2016 كانت وردة ابنة زبيدة قد خرجت للتو من دائرة تسجيل طابو مدينة الثورة حيث تعمل موظفة وركبت سيارة الكيا عائدة إلى بيتها، وحين فتح السائق جهاز الراديو في سيارته، نقلت إحدى الإذاعات خبر وفاة الممثلة المصرية زبيدة ثروت عن 76عاماً.
هرعت البنت حزينة لتخبر أمها، دخلت غرفتها لتنبئها بموت قرينتها، ولكنها صرخت مرعوبة حين تفاجأت وهي ترى والدتها جثة هامدة على السرير.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية