جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


شعراء الفيس بوك


عبدالكريم يحيى الزيباري
تبدأ التوراة (في البدء كانت الكلمة) ويبدأ القرآن بفعل الأمر الإلهي (اقرأ) ماذا نقرأ؟ نقرأ الروائع ولا مزيد من الوقت للقصائد التَّافهة، لا وقت للمجاملات. نتوقف حيث يتوقف هايدغر طويلاً أمام بيت شعرٍ للشاعر الأمريكي جورج أوبن (حيث تخفق الكلمة يمتنع الوجود)، فأعادَ كتابته بالضد تماماً (يُقدِّم الوجود نفسهُ هناك، حيث تخفق الكلمة) وبالتأكيد (لا يطالب هيدغر بمهمة الوجود شخصياً خارج، أو ما وراء وساطة الكلام،
وكأنَّ على تحطُّم القول الذي يحدث في الشعر: أنْ يقودنا إلى الأشياء ذاتها) جياني فاتيمو- نهاية الحداثة- ترجمة فاطمة الجيُّوشي- وزارة الثقافة- 1998- دمشق- ص75. ليس الشعر سهلاً، لينجزه كلُّ من هبَّ ودب، ليس الشعر كلاماً فحسب. قصيدة شاعر (وردٌ يذبلْ.. كحياةْ/ وسفينة حب تأتي بالأجملْ/ ثم تمر سريعا حتى ترحلْ). شعراء كِبار أحترم نصوصهم، يسجلون لايكات بنصوصٍ تافهة، من باب المجاملة أو التشجيع أو غير ذلك. بكائيات الأطلال، هجرها شعراء العصر العباسي، وتهكَّم أبو نوَّاس بشعراء الأطلال (قُلْ لِمَنْ يبكي على رسمٍ دَرَسْ، واقفاً ما ضرَّ لو كان جَلَسْ) ما ضرَّ لو كان شعراء الفيس بوك التزموا السكوت وصمتوا قليلاً، لكان خيراً من هذا الضجيج وهذا الصداع.
ليس الشاعر باللايكات بل الشاعر هو مَنْ (يجعل العالم يعني شيئاً...أنْ يتصالح مع العالم ومع ما كان خُلوَّاً من المعنى فيه، ويضطرُّه إلى أنْ يكون ذا معنى، إلى أنْ يتمكَّن من جعل الصمت يجيب، وجعل اللاوجود موجوداً. إنَّه عمل يأخذ على عاتقه أنْ يُعَرِّف العالم لا عن طريق التأويل أو الإيضاح أو البرهان، ولكن مباشرةً كما يعرف الإنسان التفَّاح في فمه). آرشيبالد مكليش- الشعر والتجربة- ترجمة سلمى الخضراء- دار اليقظة للتأليف والترجمة والنشر- 1963- بيروت- ص 16-18. و(على القصيدةِ أن تكونَ صارخةً وخرساءَ، صامتةً كأطرافِ صخرةٍ عمرها آلاف السنين، صامتة كتحليقِ الطيورْ، على القصيدةِ ألا تعنيَ، ولكن أن تكون). من قصيدة للشاعر ارشيبالد ماكليش(1892-1982) Archibald MacLeish بعنوان"فن الشِعر".
يقول ابن عبد ربه (وقد يأتي من الشعر ما لا فائدة له ولا معنى، كقول القائل: الليل ليلٌ والنهار نهار، والأرض فيها الماء والأشجار). ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتب العلمية، بيروت، ج6- ص240. و(كأننا والماء من حولنا، قوم جلوس حولهم ماءُ) يقول ابن خلدون (وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال، فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة. وكذلك المعاني المبتذلة بالشهرة فإن الكلام ينزل بها عن البلاغة أيضاً، فيصير مبتذلاً ويقرب من عدم الإفادة كقولهم: النار حارة والسماء فوقنا. وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الإفادة يبعد عن رتبة البلاغة، إذ هما طرفان). مقدمة ابن خلدون- عبدالرحمن بن خلدون- دار الغجر للتراث- ط1- 2004- القاهرة- ص733.
في أيِّ عصرٍ نعيش؟
لم يعد بين القوم رجلٍ يقول ولو جزءاً صغيراً من الحقيقة!
قال الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين- ج2- ص9)
وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشعرور. قال: والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر. ومنهم من بني ضبة المفوّف، شاعر بني حميس، وهو الشويعر، ولذلك قال العبدي:
ألا تنهي سراة بني حميس... شويعرها فويلية الأفاعي
قبيّلة تردّد حيث شاءت... كزائدة النعامة في الكراع
فويلية الأفاعي: دويّبة سوداء فوق الخنفساء.
ملاحظة:
ربما (بعدما كتب الجاحظ رأيه، تعرَّض لفصل عشائري من أحفاد الشويعر، ودفعَ كل ما لديه وحكموا عليه بنسخ عشرة نسخ من مجلد ضخم خلال ثلاثة ايام وإلا تضاعفت).....
عام 2007 تعرضت لهجومٍ شرس من شويعرة، تبت على أثرها، لغاية يوم 18/1/2018، ضَرَّني أنفي بالتدخل في قصيدة، قلتُ رأياً حسبته في غاية اللطف، - خير لا تسوي شر ما يجيك- تعرضت لهجومٍ قاسٍ وألهمني الله الصبر، فالتزمت صمت القبور. وما عتبي على شويعر ولا شعرورة، ولكن عتبي على شاعرٍ كبير يحيطها بالرعاية وعلامات الإعجاب، التي استوقفتني، ليس معقولاً أنْ يكون شاعراً كبيراً ومنافقاً إلى هذا الحد، فيخدع هذه الصبية المسكينة بلايك، لا يعلم إلا الله ثمنه. لو أخبرها بأنَّ ما تكتبه لا شكلَ له ولا معنى، وكما أنَّ ليس كل ما يلمع ذهباً، ولا كل مدعبل جوز، لا يمكن اعتبار كل كلام مسجوعٍ مُقفَّى شعراً. لا نريد لشاعرٍ أن يتوقف عن الكتابة، لكنه لا نريده أنْ يستمر بدون مراجعة نفسه وتطويرها. وعن تلميذه التبريزي (كنتُ أسألُ المعرّي عن شعرٍ أقرأه عليه فيقول لي: هذا نظمٌ جيّدٌ. فإذا مَرَّ به بيتٌ جيدٌ قال يا أبا زكريا هذا هو الشِّعر). أبو علي العراقي- نضرة الإغريض في نصرة القريض- تحقيق د. نهى عارف الحسن- مجمع اللغة العربية-دمشق- ص12.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية