جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


الهوية وبناء الأسيجة:


علي سرمد
ما زال أغلب المعنيين بالحفاظ على الهوية العربية بشقيها الاسلامية والقومية، وربما في عصرنا الآني أصبحت أكثر بروزا من طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام من أجل ترسخيها في الذاكرة الجماعية من جانب، وتقديم صورة مزيفة لكل عملية تحديث تحاول عقلنة الثقافة من جانب آخر، وعليه فإن الحفاظ على الهوية يكمن في بناء أسيجة ومهاجمة الحركات التي تعمل على ردم الفجوات الموجودة في الثقافة العربية،
أي مواجهة عملية التحديث التي تدفع بالثقافة نحو التقدم، أو التي تسعى إلى إيجاد محرّكات ثقافية تتماشى والعصر الذي نعيش فيه.
وهذا الأمر يتمخّض عنه تكوين ثقافة مزدوجة، بين العصر الذي نعيشه، وبين العودة إلى الماضي، وغير المدرك من وراء ذلك هو ترسيخ للأيديولوجيا التي لا تقوم على أي أسس علمية أو عقلانية، كل ذلك من أجل الحفاظ على هيمنة الأنظمة السلطوية التي تقطع كل الطرق بين الآن وهنا.
وهنا تكمن أهمية بناء الأسيجة والبقاء في سجن النسق التاريخي، لأنهم يرون أن أي تغيير في بنية الثقافة يعني التخلي عن الهوية. وهو ما يعني أن الهوية لا توجد بذاتها وإنما من طريق التقوقع حولها دائما وأبدا، من دون أن يعوا –كما يرى فتحي التريكي في كتابه فلسفة الحداثة-أن التعمق في مفهوم الهوية لا بد أن يعالج فكرة الذات، لأن الهوية لم تعد بالضرورة تفيد الثبات في الذات والعودة إلى التراث القديم، هكذا يصبح الصراع بين التراث والحداثة صراعاً مغلوطاً لأن التراث في حد ذاته يستوجب التغيير والتجديد، وعليه فإن التحديث لا يعني الغاء الهوية،، لأن هوية شعب ما لا تتأكد إلا من خلال حضورها في العالم. بهذا المعنى لا يكمن أن تنفصل الهوية عن الحاضر والمستقبل، وعليه فإن عملية التحديث ضرورة ملحة في عصرنا، بمعنى ينبغي أن تكون الهوية بتعبير التريكي حلقة وصل معقدة تربط حضور الوجود في العالم لتفتح امامه باب المستقبل.
وعليه فالمسألة لا تكمن في إلغاء هوية وإقامة أخرى مكانها أو التخلي عنها مطلقاً، بل تكمن في التجاوز، لأن المجتمع الذي لا يحوّل غبار ماضيه إلى هواء يلائم حاضره مجتمع لا يعوّل عليه.
وفي حقيقة الأمر أننا لا نكتفي ببناء الأسيجة فحسب، بل نبني سدودا من الثقافة الراكدة عبر القرون، وهو ما يعني أننا ندفع دائماً بالاغتراب كبنية مهيمنه على لا وعيناً، أي أن نفكر في عصر غير العصر الذي نعيش فيه.



المشاركة السابقة