جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الاسطورة والرمز


ناجح المعموري
تحدثنا عن الجنس بشيء من الاسهاب ، وانطوى حديثنا اشارات واضحة عن الطقس الديني الحاضن للممارسة الجنسية والمحفز عليها مثلما اتضح لنا في نصوص الزواج المقدس. وتضمنت تلك الاشارات الى عديد من الرموز الدالة على الجسد وحصراً عناصره الجنسية ووظائفه اللذية. وفي هذا الجزء ساقدم عددا من الاشارات للرموز الجنسية في الاسطورة والطقوس من اجل اضاءة الموضوعة المركزية الخاصة بالجنس والمقدس، المنفتح كثيراً على شبكة رمزية، غذاها عبر تاريخ طويل، وخضعت وظائفها لهيمنةالنوع،
فالرموز الأمومية تغيرت دلالتها عندما انهارت سلطة الام الكبرى والالوهة المؤنثة، لكنها ـ الرموز ـ حازت ومعها الدال على الخطاب البطرياركي. ولا نستطيع العزل أو وضع خط فاصل بين الرمز والمقدس، لان [ الاسطورة والدين يؤديان ادواراً متشابهة في ارتقاء الفكر من التجربة المؤقتة الى التصورات الباقية، ومن الانطباع الحسي الى الصياغة، وان وظائفهما الخاصة مشروطة تبادلياً. فهما يجتمعان ويتعاونان لتهيئة التربة لتأليفات كبرى / ارنست كاسيزر اللغة والاسطورة / ت: سعيد الغانمي / منشورات كلمة / 2009/ص84//
ولان الاسطورة هي النص الاول / واللغة الاولى، فانها المرأة الحقيقية لانشغالات الانسان بالشعر، ولا نستطيع التفريق بين الاسطورة والشعر. واللغة المتداولة في عتبات الحضارة هي الشعر الذي وظفه الانسان لحماية نفسه من النثر مثلما قال هيغل.
“ان الشعر هو”اللغة الام الانسانية”وقد اكد باحثو علم اللغة على حقيقة ان الكلام لا يجد جذوره في الجانب النثري من الحياة، بل في الجانب الشعري منها. ولذلك لا ينبغي البحث عن اساسه النهائي من خلال الاستغراق في النظرة الموضوعية للاشياء / المصدر السابق / ص71// واللغة التي تشكل قوام التفكير عندنا، تفضي بنا الى افتراضها، وهي من الاتساع بحيث لا استطيع ان اتخيل كيف يمكن ردمها، فاللغة نفسها، دون ادراك شعوري من الانسان، هي التي هيأت العملية واستخلصتها ذلك ان اللغة هي التي تولد جمهرة التعبيرات الفردية العابرة لكي تحدث تعبيراً يظل يبسط دلالته شيئاً فشيئاً على حالات خاصة، حتى يصبح في امكانه ان يدل عليها جميعاً، ويزعم سلطة التعبير عن مفهوم فنه / ارنست كاسيرر/ سبق ذكره ص42//
يكشف رأيارنست كاسيرر توافقاً متطابقاً مع رأي هيغل، حيث سيادة الشعر في الحياة ولولا تمركزه، لما كان للكلام حضوره الجوهري. وهذا يعني بشكل واضح من ان تفكيرنا / وتصوراتنا هي نوع من التمظهر للغة وكما قال كاسيرر”اللغة التي تشكل قوام التفكيرنا عندنا”.
تتبدى اللغة في الانثربولوجيا متماثلة مع الجسد في خضوعها / او اخضاعها للرقابة وهذا يعني اخضاعها عبر التهذيب وليس القسوة او القتل وكما قال : س _ كون لا تنفصل الرقابة على اللغة عن الرقابة على الجسد وان تشحم البدن الذي اعتبر في الماضي رمزاً للصحة والعافية والغنى............. وباختصار، فقد سيطر توجه صارم نحو تأديب وتهذيب اللغة والجسد ايضا وليس الجنس سوى احد موضوعات هذا الجسد أ_ س كون / الجنس والثقافة / ت : د. منير شحود / دار الحوار / اللاذقية / 1992/ ص73//
لم يغب عن الذهن مقولة نورثروب فراي الشهيرة ومفادها ان الانواع الادبية تبديات للاسطورة، اما ارنست كاسيرر فله رأي متجاور مع فراي قال فيه :”تبدو الاسطورة والفن واللغة والعلم رموزاً، ليس بمعنى مجرد اشكال يشير الى بعض الواقع المعطى من طريق الايحاء والتحويلات الامثولية. بل بمعنى القوى التي يولد كل منها عالمه الخاص. وفي هذه العوالم تكشف الروح عن نفسها في ذلك الجدل المحدد داخلياً والذي بفضله وحده يوجد اي واقع واي وجود منظم ومحدد على الاطلاق. وهكذا فأن الاشكال الرمزية ليست محاكاة للواقع، بل هي الاعضاء المكونة له، ما دام بفضلها وحدها، ومن طريقها، يصير اي شيء ةاقعي موضوعاً للفهم العقلي، وهكذا يصبح مرئياً لنا في ذاته / ارنست كاسيرر / اللغة والاسطورة / ص 30// وكما قال الناقد والمفكر سعيد الغانمي : الاليات التي؟؟؟؟؟؟ كاسيرر، في _ اللغة والاسطورة _ هي انه عني بابراز اهمية اللغة في تكوين الاساطير، مع حرصه في الوقت عينه، على تبيان ارتقاء الافكار الدينية على نحو يماثل تشكيل الاساطير اللغوية، متنبها الى ما اسماه بـ (سحر اللغة) او (مبدأ الكلمة) اي التطابق بين الدال والمدلول، او الكلمة والشيء في الاستعمال الاسطوري والشعري للغة، معتبراً ان لتماهي الجوهري بين الكلمة وما تدل عليه.......... واضاف الاستاذ الغانمي : في الفكر الاسطورة حالماً يتم النطق باسم الشيء، يكون الشيء قد حضر بلحمه ودمه، وحين بحث كاسيرر الاطوار المتعاقبة للفكر الديني، وجد ان هذه الاطوار تستهدي باللغة وتتبع خطاها.
يتضح لنا من كلام كاسيرر بأنه لا يريد ايلاء اللغة الاولوية على الاسطورة، او الاسطورة على اللغة، بل يريد تجاوز هذا السؤال الزائف، بغية التوصل الى الاليات الضمنية لكلتيهما وهذا _ كما قال الغانمي _ ما ينكشف في نقده النظريات التي تعبر اللغة اساس الاسطورة.
اللغة والاسطورة، متجاوران معاً ولا يمكن تفضيل احدهما على الاخر، وتظل اللغة ذات حضور مركزي وحيوي في الاسطورة والدين وكلاهما _ الاسطورة / الدين _ لا يكونا بحضور مركزي. واللغة هي المنتجة للتفاصيل ذات العلاقة بالثقافة والدين، واعني بذلك شبكة الرموز ضمن العقائد والطقوس والشعائر. وعبر هذا كله يكون الجسد اكثر تمركزاً وتجوهراً.
ان عناية الانسان بتفاصيل رمزيته والتداول بها والحفاظ عليها واخضاعها للتجريب من خلال التواصل، يعني بأن الكائن قد استحضر رمزياته الموغلة في عمق التاريخ وهو بذلك حقق نجاحاً في الحصول على وجود جديد كما قال مارسيا الياد (ان الانسان، مع استعادته الشعور برمزيته كأنسان كوني _ والتي ليست الا البديل عن رمزية موغلة في القدم) نقلاً هي موغلة فعلاً في عمق التاريخ، لان الانسان هو المسؤول عن نظام الترميز، وهي واحدة من اهم خصائصه المميزة له، لانها _ الرمز _ هي الوسيط والجوهر بين الجماعات، وهي ايضا _ الرموز عناصر جوهرية لطقوس الانسان وشعائره ولا يمكن الاقتراب كثيراً من الدين بمعزل عن الرموز الداخلة في سردياته العديدة والمعروفة (فالرمز هو شيء او فعل او حادث او صفة او علاقة تكون اداة ووسيلة لفكرة اخرى معينة بحيث تكون هذه الفكرة هي معنى ذلك”الرمز”اي ادراك ان شيئاً ما يقف بديلاً عن شيء اخر ويحل محله او يمثله بحيث تكون العلاقة بين الاثنين هي علاقة الملموس او الشخص العياني بالمجرد او علاقة الخاص بالعام. فالميزان يرمز الى العدالة والحماقة الى السلام والصليب الى المسيحية و”الرموز هي احد المحكات الرئيسية للتميز بين ما هو انساني وما هو غير انساني / شاكر شاهين / العقل في المجتمع العراقي / بين الاسطورة والتاريخ / مشروع الكوفة / دار التنوير /2011/ ص116.
لأن الاسطورة نص ديني مقدس، صاغته الرموز ذات الوظيفة الدينية كما قلنا ولذا تبدو الأسطورة والطقوس صعبة ومعقدة لأنها كما نصر حامد ابو زيد بحاجة الى ترجمة، مثلما هو حاصل للحلم وترجمتها تجعلنا وجهاً لوجه أمام نص آخر، انسحب من داخل المقدس والطقوسي الى خارجه، أي بمعنى وضوح الأسطورة والطقس بطريقة تساعد المتلقي عل التعامل معهما وتقديم تفسير وتأويل لهما معاً. وأهم ما يواجهه القارئ في تعامله مع الأسطورة أو الطقس هو هيمنة الرمز / الرموز وتشكلت أهميتها وطاقتها من كونها العنصر الفني / البنائي في الأسطورة، والرمز كما قال بول ريكور تعبير السني ذو معنى مزدوج يتطلب تأويلاً، والتأويل عمل من أعمال الفهم ينشد أن يفكك معنى الرمز ويكون موقعه ــ تواصله ــ واضحاً وعارفاً بتفاصيل المقدس الحاضر / والمهيمن في الأسطورة وفي الطقوس. والمقدس نمط من أنماط علاقة البشر بأصل الأشياء، يغيب فيها البشر ويظهر مكانهم أقران أنفسهم، أي رجال خياليون، إذ لا يمكن للمقدس أن يظهر الا اذا غاب شيئاً ما من الانسان والإنسان الذي يغيب هو الإنسان شريك الطبيعة في تكوين نفسه، الإنسان الذي شكل اسلوب وجوده وكيانه الاجتماعي. فطبيعة البشر لا تجعلهم يعيشون في مجتمع وحسب ــ كبقية الحيوانات الاجتماعية ــ بل تجعلهم ينتجون مجتمعاً ليتمكنوا من العيش. وبازدواجية البشر وابتداعهم لبشر خياليين غير موجودين واقوى من البشر الحقيقيين / موريس غودولييه / لغز الآلهة / ت : د. رضوان ظاظا / دار المدى / دمشق / 1998/ص213.
المقدس مزدحم بالرموز، ومكتظ بالعلامات والشفرات لكن الرمز هو الأكثر تمركزاً في تفاصيل المقدس، لأنه ــ المقدس ــ لا يقوى على البقاء والديمومة لزمن طويل اذا انطوى على رموز بسيطة وساذجة، بل تتشكل قوته الجبارة من رموز حيوية. تمتلك امكانات لقول ما لا يمكن قوله في مجال آخر”ولأنه يمثل ما هو غير قابل للتمثيل. فهو الغرض الذي يحمل أقوى قيمة رمزية. وهكذا قادنا تحصيلنا لأغراض البارويا المقدسة الى نقيض طروحات ليفي شيتراوس ولا كان اللذين يعطيان الأولوية للرمزي على الخيالي والواقعي، ويعتقدان بالرمزي الصرف / موريس غودولييه / سبق ذكره / ص216.
كما قال بول ريكور”الرمزية لا تعمل الا حين يتم تأويل بنيتها. بهذا المعنى لا بد من تأويلية في حدها الأدنى لتشغيل أية رمزية / بول ريكور / نالتأويل / الخطاب وفائض المعنى / ت : سعيد الغانمي / المركز الثقافي العربي / بيروت / 2006 / ص107.
يمثل الجسد موضوعاً من موضوعات الوجود والمعرفة / سمية بيدوح / دار التنوير / بيروت / 2009 / ص6. والوعي هو بمثابة اللغة الرمزية للجسد / نفس المصدر / ص85.
لهذا فأن (المقدس هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي. ذلك أن عالماً ذي معنى ــ والإنسان لا يسعه أن يعيش في العماء أو الخواء ــ هو حصيلة سيرورة جدلية يمكننا أن نسميها عملية تجلي المقدس. أن يكون المقدس جزء من بنية الوعي هو تلميح ضمني لتاريخية المقدس في العقل، أي في وجوده مع الإنسان بالزمن لا في التاريخ، ولهذا يعقب الياد بأنه”ليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي”وبصورة أخرى أن الإنسان مجبول على التقديس / شاكر شاهين / سبق ذكره م ص125.
“الإنسان العراق طقوسي يسبح في المقدس منذ أن بزغت حضارته الأولى في سومر. فكان منذ ذلك تتجاذبه انفعالات الفرح والحزن المشبوبة في طقوس كبرى تجري للآلهة التي كان يعبدها / شاكر شاهين / سبق ذكره / ص138.
مثلما قلت فإن المقدس شبكات رمزية في العقائد / والطقوس / والشعائر /  والسحريات وله ــ الرمز ــ وظيفة لا تفترق عن القيمة الكلية للمقدس الذي هو أرضي أو سماوي، سجلته عناصر الدين التي ذكرنا قبل قليل وسجلته الأسطورة وأخضعها العقل / الوعي الى المزاولة الشعائرية. وللممارسة طاقة قوية أو فاعلة لاستحضار المقدس التجريدي وتقييمه في المكان المقدس عبر تمظهراته وتجسيداته الاحتفالية.
الأسطورة كامنة عميقاً ومغيبة في أعماق الكائن البشري وهي شبيهة الحضور المذوب، ويستيقظ هذا الحاضر / الكامن في لحظة ما ويعاود ظهوره عبر نشاط الإنسان / أو الجماعة المعتمدة كلياً على المعروف من الرمزيات التي أبدعها وعي الإنسان لحاجته اليها ويتساكن معها باستمرار عبر فعالياته الطقسية الجمعية مثلما في الأعياد والاستعدادات الدورية المرتبطة بالطبيعة والخصوبة والانبعاث والتجدد، هذه الفعاليات الاحتفائية حاضرة في وعي الإنسان / الجماعة حتى بعد انتهاء زمن المزاولة الدنيوية وتعيش حاضرة في الذاكرة الجمعية لما تتمتع به من طاقة دينية / مقدسة.



المشاركة السابقة