جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


إقصاء الآخر/المرأة في الخطاب التربوي العراقي


علي سرمد
لطالما نتساءل، من أين يأتي الفكر الأحادي؟ وكيف يُزرع الحقد في نفوس الناس؟، وكيف يصبح تهميش الآخر بنية ذهنية مترسخة في وعي المجتمع؟ وكيف تصبح الثقافة سيفاً مسلطاً على رقاب الآخر؟
بدءا أقول إن المناهج التعليمية والتي يجب النظر إليها باستمرار وإعادة بنائها من أجل الرقي بمراحل التطور والعصر الذي يعيشه الانسان المعاصر،
هي أداة رائجة لزراعة ذلك الفكر وترسيخه في وعي المجتمع، في زمن اختفت فيه الحقيقة، ولم تعد سوى أتربة معلقة على رفوف الكتب. وما دمنا بصدد الحديث عن أهمية التصدي لهكذا خطابات، هناك دراسة للناقد عبد العظيم رهيف السلطاني في مجلة الأقلام(عدد 3) تحت عنوان  (التمييز الجنوسي ضد المرأة في الخطاب التربوي العراقي المعاصر). وقد تناول فيها الناقد  كتب اللغة العربية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وتوصل إلى نتيجة مفادها أنّ الأنساق الثقافية الذكورية تعمل بعدّة طرق من أجل طمس النسق الانثوي وتهميشه.
جاء في منهج الخامس الاعدادي لمادة الاسلامية صفحة(83)في طبعته الجديدة، النص الآتي: ((فإذا كان العلم هو الباب الواسع الذي يلجُ منه الإنسان إلى أبعد الآفاق في المنظور الحضاري الملتزم خدمة الإنسانية فان الإسلام جعل ذلك من أهم واجبات المسلمين... ولكن أولئك الذين أصبحوا مترجمين وناشرين للأفكار المادية والصيحات الغربية التي حرصت على تشويه الحقائق قد جعلوا من العلم والسفور توأمان لا يفترقان فكأنما التعليم ليس حضارياً وغير ممكن إ إذا برزت المتعلمة بغير حجاب فرحم الله من قالت:
حجابي فريضة               
  وإني الصحيحة
وغيري المريضة

بدءا ينبغي التنويه أنَّ الموضوع كله يدور في فلك حقوق المرأة في الإسلام، ولا أعرف عن أي حقوق يتحدثون عنها، سوى أنهم يزرعون ثقافة التهميش والحقد في اللاواعي في نفوس التلاميذ إلى الدرجة التي تصبح فيها المرأة كائنا ثقافياً تابعاً لذلك الفكر. وهنا يحق لنا أن نتساءل أيضاً عن شعور الطلاب وهم يتلقون ذلك الفكر اتجاه صديقتهم التي لا تلبس الحجاب سواء أكانت مسيحية أم غيرها.
إنّ ما يدعو إليه الخطاب المذكور أنفا بالضبط هو تخلي الانسان عن بيته وعن سيارته وعن كل شيء يتمتّع به في العصر الراهن، ويخرج نحو الصحراء باحثاً عن شجرة صبّارٍ يتفيَّأ بها، أو قطرة ماءٍ يروي بها ظمأه. ما أريد قوله إن هذه الثقافة ليست ثقافة اللحظة الآنية، وإنما ثقافة القرون المنصرمة/ثقافة الصحراء، لأن الحجاب ذاته لم يكن وليد ثقافة دينية، وإنما وليد ثقافة بدوية، لا شيء فيها غير حرارة الشمس التي تلهب الرؤوس، يذكر أدونيس في كتابه المحيط الأسود أنه مهما بلغ تمسّكهم الديني بالحجاب فهو ليس ركنا من أركان الاسلام، ولو كان كذلك لنُصَّ عليه، وعليه فالحجاب لا يعدو إلا أن يكون قوة ايديولوجية وسياسية في محاولة السيطرة على المجتمع، فهو ذو طابع سياسي يأخذ غطاءً دينيا من أجل قطع العلاقة بين العرب والغرب، بحيث يظل حاضراً في الممارسة من أجل إبقاء الهيمنة الذكورية على المجتمع. وعليه فإن تحبيب المرأة بالحجاب هو نوع من العبودية والتعسف. إن ما يهمنا هنا ليس أن نخوض صراعاً حول ارتداء الحجاب من عدمه، بل لما يحمله المنهج من خطاب ثقافي يعمل على تهميش الآخر ودونيته، لأنه يخلق صراعاً زائفاً ومفتعلاً يقوم على ثنائية حجاب/ لا حجاب.
من هنا جاء الخطاب يحمل نسقَ وجوده ليعمل على تقصي الآخر وتهميشه، وتصوّر الحقيقة من زاوية النظر التي يقف بها، إذ ليس ثمة ترابط بين الفلسفات المادية وبين الحجاب، أي أنه خطاب مفتعل أيضاً، بمعنى أنتِ أيتها الانسانة إما أن ترتدي الحجاب أو تكوني في نظر الطلاب والطالبات بالضرورة امرأة مريضة أو ناقصة عقل، وما عليكم إلا أن ترموها بكلمات غير أخلاقية، لأنها خرجت عن حدود المفهوم الذي رسمناه لكم، والملاحظة المهمة التي أنوي تسجيلها هنا هو أن الموضوع منذ بدايته يريد أن يصل إلى هذه النتيجة المؤدلجة، لكي تترسخ في أذهانهم بطريقة لا واعية، لأنه من غير الممكن أن يعلم طالب في الخامس اعدادي ما المقصود بالفلسفات المادية، لكن الذي سيعلمه هو تصوره لهذه الفلسفات من أنها منحطة لا ترقى إلى درجة التعلّم، هكذا يُقصى الآخر والفلسفة معاً، لأن الأخيرة هي المحرك الرئيس لوعي الانسان. وعليه فالسرد منذ لحظته الأولى يدعو إلى هذه الحقيقة. وبهذا فهو يحمل خطابه اللامتجانس من داخله، لأن الغاية ليست التأكيد على أنه الاسلام اعتنى بالعلم، وإنما مقارنته بالغرب، وكأنّ كل امرأة مرتدية الحجاب هي تمثل نسقا لثقافة العلم الاسلامي، والمرأة غير مرتدية الحجاب هي تنتمي بالضرورة الى الغرب. حجاب=ثقافة اسلامية، لا حجاب= ثقافة غربية. وإذا سلمنا معهم بهذا الصراع الزائف شرق/غرب فمن المفترض أن يتم التركيز على الجانب العقلي، لأن المرض يكمن في العقل بالدرجة الأولى وليس بخروج الشعر، أي إبراز قضايا فكرية تتعلق بهذه المسألة ومعالجتها عقليا، وليس مجرد تعبئة أيديولوجيا. ومن أجل ترسيخ هذه الفكرة المؤدلجة في وعي الطلاب جاء الخطاب كله عن طريق الراوي الغائب عن ساحة الأحداث ومطلق المعرفة، والذي يمثله هنا الاسلام أو الله، كما أن غياب السند معناه عدم فتح أي مجال للنقاش فيما نقول.
وبما أننا نتعامل مع منهج أكاديمي فمن المفترض أن تكون الغاية تعليمية أيضاً، أي أن يتعلّم الطالب الأسس الصحيحة للتعليم. لذلك لا يوجد أي مبرّر منطقي أو علمي في عدم ذكر اسم القائلة(حجابي فريضة)، وكأن الكلام جاء مسؤولا لكي يُشخّص حالة المرض. وعليه فقد اشتمل على النقيض من أسس التعليم السليمة، أولاً: كونه مفتعلاً لا وجود له خارج الكتاب المنهجي، أو خارج الايديولوجيا، ثانياً: كونه ليس بشعر ولا نثر، وإنما جملة ثقافية غايتها الوحيدة هو إقصاء الآخر وتهميشه، وحتى تفعيلاته(فعولن) غير مستقيمة ومخالفة لقواعد النظم، فهو لا يعدو إلا أن يكون جملةً ثقافية غايته سرد الايديولوجيا، وليس هناك أي مجال للمعرفة، بل هو نوع من الانحطاط المعرفي والثقافي.
وهذا النوع من الجهل الثقافي مستشرٍ في مجتمعنا بحيث يعطي الانسان لنفسه كافّة الحقوق في التحرش والاعتداء على تلك المرأة التي لم ترتد الحجاب، لأنه نتيجة لذلك خرج بوعي كلي من أنه يقف إلى جانب الحقيقة، وكل ما يخالفه هو حق مشروع للتجاوز، انطلاقاً من سلبية الثقافة التي تلقّاها. وعليه يجب التصدي لمثل هكذا انحطاط ثقافي كتّاباً وقرّاءً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية