جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الحب.. هو فنّ الاحتفاظ بالآخر إلى الأبد


زينب المشاط
"كان وليد يتحدث وانا أسند رأسي إلى كف يدي مُتناسية ما إذا كُنت استمع إليه أو لا" تحدثت لميس بشيء من الاستياء  واستمرت مُتسائلة"لماذا هذا الانطفاء، لماذا حين نقترب من الأشياء والاشخاص نجد أن معانيها تتلاشى؟ فتنطفئ لهفتنا تجاهها؟ هل هذا الواقع تجاه كل شيء؟ أم إني إمرأة تُغلفها المزاجية؟ أم إن من حولي لا يُجيدوا فنّ الاحتفاظ بي؟."
"أم إن من حولي لا يجيدوا فنّ الاحتفاظ بي!!!!"هذه الجملة التي قالتها لميس وكأنها تتحدث فيها عن لسان حالي.
"لماذا يتسبب الاقتراب للبعض أحياناً بخلق رغبة الهروب في دواخلنا؟"أطلقت تساؤلي بصوتٍ عالٍ دون درايةٍ
ففاجئتني لميس بجوابها قائلة"ليس الاقتراب فحسب، عزيزتي، حتى البوح، فبعض الكلمات ما إن نتلفضها حتى تموت، فاقدةً بريقها، كُل من أعجبت بهم عن بعد، أو أشعلوا نار الفضول في روحي، ولنقل أن أغلبهم على الاقل ما ان تحدثت اليهم حتى انطفأت تلك النار التي كان وقودها غموضهم وألقهم المُشع عن بعدّ."
نعم،"الحب يُشبه أي حالة مرضية تبدأ صغيرة، ثم تُصبح مُزمنة وبعد أن يعتادها جسدنا بمساعدة القليل من العقاقير نُشفى من المرض، كذلك الروتين والاهمال، والرتابة والاعتياد هي عقاقير من شأنها أن تُطفئ العشق لنُشفى منه."تمتمت بهذه الكلمات فتساءلت لميس بإستغراب مُطلقة صرختها التي تحمل روح الاعتراض على ما قُلت"وماذا عن المتزوجين؟؟ أؤلئك الذين استمروا بزواجهم حتى الموت؟  مع  اتقاد شعلة الحب فيما بينهم أبداً؟."
"لا اعتقد أن هذا حب."أجبت وكنت أشعر إني باحثة اجتماعية أو اني إمرأة تخالف ما حولها دون معرفة السبب"في مجتمعاتنا الزواج عقدّ مقدس."أصدرت قهقه بالرغم مني واضفت"بالضبط كالدين أسمعتي إن أحدهم غير دينه الذي وجد عليه ابائه واجداده؟ كذلك هو الزواج الذي يُبنى على الحب او حتى الزواج بغير حب."وقبل أن تُصدر لميس اعتراضها أكملت قائلة...
"نادرون هم الذين استطاعوا اختيار دينهم دون الالتفات الى ما جِدوا عليه، وكذلك نادرون هم من استطاعوا أن يستمروا بإيقاد شعلة العشق ضمن عقد الزواج، او الذين مزقوا عقود زيجاتهم وأوقدوا ناراً عشقيةً أخرى."
بدأت لميس تضرب بطرف أظفرها على الطاولة شاردة الذهن وقالت"أحسنتي، لقد اسكتي إعتراضي، فهنالك أشياء في العلاقة بين الرجل والمرأة أهم من الحب واستمرار اتقاده او انطفاءه، كالاحترام على سبيل المثال هو من يمنح العلاقة استمرارها بعد الزواج، وكذلك وجود الاطفال، ونظرة المجتمع للزوجين، وللمطلقين، هي التي تزرع واعز الخوف من الطلاق داخل الفرد، وتحفزه نحو الاستمرار بهذه العلاقة الشرعية."
"ليس هذا فقط، إنها اسباب ثانوية برأيي"، قلت للميس مُضيفة الى قائمتها الكثير"القدرة على البقاء مع أحدهم الى الأبد تكمُن فيما يمنحه لكِ من مُكملات غالباً ما تحتاجها المرأة وهي الطمأنينة والآمان، فإن وجدتها في أحدهم حتى وإن إنطفأ بريق حبك له،  توفرّ هاتين الميزتين كافي لأستمرارك للأبد فالطمأنينة والأمان كفيلتان بإشعال نيران العشق من جديد."
"والماااااااال"أطلقت لميس  ضحكة مُتحايلة، ولم أعارضها على اضافتها تلك لكي لا أبدوا ملاكاً فمعها حق في هذه الاضافة ايضاً...
"برأيك لماذا أعجبت هالة بطلال؟؟ وهو يكبرها بسنوات كثيرة؟ ولماذا إنطفأ هذا الحب بسرعة بعد مدّ وجزر وصراعات وغياب وحضور؟"سألتني لميس فأجبتها"من؟ طلال وهالة؟ هل هم اصدقائك؟؟"
ضحكت لميس"حمقاااااااااء بطليّ رواية الاسود يليق بك لاحلام مستغانمي."
"أه نعم ما بهم؟"تسائلت
"اليد التي تعزف على اوتار المشاعر والتي كانت تظهر من خلف ستارة سوداء لطلال هي التي استطاعت خلق روح الفضول والاعجاب لدى هالة بغموض ذلك الرجل، فالنساء غالباً ما يعشقن ذلك الرجل الغامض، والرجل الذكي هو الذي يعزف بتأنٍ على أوتار مشاعرهن محافظاً على غموضه."أجابت لميس واستمرت قائلة....
"حتى في اختياره لزهرة التوليب البنفسجية، كان طلال يُغلف الوضوح بالغموض ويُهديه لهالة، هذا الابتعاد والغموض من شأنه ايقاد فضول أو مشاعر عشقية، إلا أنها تنطفئ غالباً ما إن نشعر بأنانية من حولنا وغيرته المُفرطة،  لا علينا، بل من أجل ذاته هو، من أجل أن نبقى تحت تصرّفه، كإناءٍ فضيّ او قطعة ألماس يحتفظ بها في خزانة غرفته دون أن يراها أحد، وهذا بالضبط ما حصل بين هالة وطلال، لينتهي بهجرها له، واختيارها لفنها، بعد أن حاصرها بأنانيته المفرطة وسلطته المريضة."
 
"حسناً لميس هل تعتقدين أن لا وجود للعشق من الأساس؟"تساءلت
وأجابت لميس"لا بالطبع كيف لي أن أتخيل ذلك العشق موجود إلا أنه نادر، أنا مثلاً احببت مازن كثيراً، قبل أن أتعرف الى وليد، فعلاقتي بمازن كانت مختلفة  تماماً، لأنه الرجل الذي استطيع أن أخبره بما أتحدث به مع ذاتي، إلا اني ورغم ذلك شعرت بعد مدّة بإنطفاء هذا الحب..."استدركت لميس واضافت"كما أخبرتيني سابقاً هنالك شيء أكبر من الحب يؤدي لأستمرار علاقة الرجل والمرأة، فلو قرأتِ قليلاً عن سيمون دي بوفوار وعلاقتها بسارتر، لن تجدي العشق وحده هو الذي أبقى على هذه العلاقة، والدليل أن لكلٍ منهما علاقاته العشقية الخاصة والبعيدة عن الآخر رغم بقاءهما مع بعضهما واحترام أحدهما للآخر، وهذا ما خلق بينهما فلسفة رهيبة أدت  بهما  لكتابة أهم الكتب الفلسفية في العالم، قد يكون التكامل بينهما مبنياً على حاجتهما لخلق أدب عظيم، والعشق الذي يمارسانه خارج علاقتهما ببعض هو من يُحفزهما على استمرار العطاء الادبي."
أكملت لميس حديثها في الوقت الذي كنت أنا أُبحر في عالمٍ آخر تماماً، فسألتني"ما بكِ؟"
"انا اشعر بشيء ما تجاه احدهم ولكني لا استطيع البوح به، أخشى إني ما إن بُحت سينطفئ بريق العشق داخل روحي."
رنّ هاتفي النقال في هذه الأثناء وكان هو... قالت لميس"ردّي"أجبتها"أنه هو.."، قالت"رديّ يا فتاة"
أجبت... مرحبا؟!
قال من خلف الهاتف"اشتقتُكِ"
فأجبته"وأنا.... إشتقتُك كصديق بالطبع."



المشاركة السابقة : المشاركة التالية