جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


فلسفة الجسد والعلاقة بالسلطة


ناجح المعموري
تكشف أراء فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة اهتماماً واضحاً بالجسد البشري مع الإشارة لكثير من الممارسات ذات العلاقة به (فوكو أبلغ محلل للطرائق التي يمثل الجسد عبرها موقعاً للتحكمات الثقافية والسياسية.... وبالنسبة لفوكو فهذا سياق تتأسس به هوية الذات بقوة التاريخ والسلطة أو في الوقت ذاته فهو أيضاً موقع التحلل الدائم وبهذا المعنى فالجسد"مطبوع كلياً
بالتاريخ"حيدر عبد السادة جاسم الدبيسي / التجريد في المنهج والتاريخ الجديد لدى ميشيل فوكو / ابن النديم ودار الروافد / 2016 / ص173//
اهتمت الدراسات الخاصة بالتاريخ أيضاً بالممارسات الجنسية وما يطرأ عليها من تغيرات، حيازة ثقافة جديدة والتخلي عن اخرى قديمة، ولعل من أبرزها النظم والقوانين المتحكمة بالعلاقات التي اهتمت الحضارات بها في عتبتها المبكرة. ومن خلال أنظمة اجتماعية صاغتها القوانين المنظمة لحياة الافراد والجماعات. ولم تكن اهتمامات الحضارة الغربية بهذا المجال الحيوي عبر العناية بالتاريخ الجديد وكرست علاقة الجسد بالممارسات الجنسية وما يطرأ عليها من احتياجات تتسع كثيراً وكانت سبباً واضحاً في نشوء كثير من المشاكل في المجتمعات الغربية وكان الحاضر فيها بشكل مركزي هو الجسد، منعكساً في عديد من المرايا، الأمراض النفسية والجنون، العزل، السجن / باستفادة من اندريه بورغيار ضمن كتاب التاريخ الجديد لجاك لوغوف ص264//
يقترن الجسد وسلوكياته الثقافية بعديد من العلوم الانسانية، مثل التاريخ والانثربولوجيا والفحص النفسي والسريري والفنون والانواع الادبية. كلها اقتربت من الجسد لانه يعني مركزاً في الفلسفة الغربية ولعل فوكو أبرز من درس ذلك وأيضاً هايدجر وكائنه وعلاقته مع الغيرية وهذا ملمح جوهري، تتمظهر فيه ثنائية العلاقة بين الأنا / والأنت، المذكر / المؤنث. وأشار الاستاذ حيدر عبد السادة الى أن موضوعة الجسد وعلاقته بالجنس متغيرة وليست ثابتة، لانها خاضعة لما هو سائد ويستجيب للمستجدات.
يساهم المكان بتجديد ملامح الجسد وماهيته، وهو _ المكان _ الذي يمنحه ثقافته. وهو امر جوهري وقد اشرنا لذلك في بداية المقال لكن الوجود المستوعب للموجود، يضفي على الثاني كل ما تتمتع به من طاقة وامكانات، ويساعده أيضا على الاندماج مع الآخر / الجماعات والتعايش معها، لأن تحقق مثل هذا، يجعل من الجسد مكتملاً أكثر وحاضراً بقوة، ويتمظهر عبر تشاركه مع الجماعات أو الافراد القلائل في ترتيب محتاجات الحياة اليومية أو الدائمة، مثل الصيانية والاحتماء من كل ما هو شرس وقاس في المكان والتكيف هذا، يمثل ملمحاً مركزياً وتطويراً جوهرياً جديداً. وتواجد الجسد في محيط محدد ومعلوم، يضفي عليه نوعاً من السعي والجدية في التشارك مع الموجود لانتاج سريات، هي البؤرة الرئيسة في ترسيم الهوية، حيث يتمظهر الجسد بها واضحاً ومعروفاً باكتماله. الهوية، هي سرديات الامة، او الشعوب / الجماعات، وكمعنى للذاكرة، وهي متباينة بين جماعة واخرى، ومتحاورة ومختلفة، وحتماً يتولد الاحتكاك بالتتالي ويقود الى نوع من التصادم، وتتبلور كراهية والعادات المشتركة تنتقل عبر الجسد، بعدها لخلق الذاكرة الثقافية وتنشيطها. وهذا يعني للانثربولوجي إن الجسد أصبح وثيقة تاريخية. وما دام الجسد امراً بديهياً لانقاش فيه، إذن لا شيء، هناك يمكن التفكير فيه او ادراكه اكثر من اي بمعنى انه جاء نتيجة بناء اجتماعي وثقافي، أما في المجتمعات الغربية التي تعيد صياغته او اكتشافه عبر علم التشريح الفيزيولوجي والمعرفة الطبية..........فأن الجسد يتحول لديها الى شيء من ملكية الشخص نفسه، هو انبثاق التصور الفردي لتلك المجتمعات، فهو إذن حده وحريته / بول كونيرتون / نقلاً عن محمد علي النصراوي / توقيع الأثر / المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2017/ص76//
لعبت الديانات التوحيدية دوراً واقترحت ضوابط وخلقت انظمة الزمت المتعبدون الالتزام بها، من أجل احترام الجسد واشباع حاجته للذائد، لكن المسيحية على سبيل المثال _ الكاثولكيك _ مازالوا يتعاملون مع اسطورة الخطيئة الفردوسية لعنة تطاردهم وظلت العفة والطهارة معطلة للجسد ووظائفه البايولوجية.
يتضح لنا بأن الموقف المسيحي / الكاثولكيكي امتداد للافلاطونية التي اعتبرت العلاقة المتعطلة بين الانسان وجسده ضرورة ومن هنا ابتكرت المسيحية التبتل والرهبنة وعطلت الجسد واوفقت التبادلية بين المذكر والمؤنث، وحلّ بديلاً لهذه العلاقة، الصفاء الروحي، والتبادل مع الإله / الرب / الأب، وأنا اعتقد بأن المسيحية ذهبت الى تعطيل الخلق والابداع واوقفت الاكتشاف والتعرف العلني المحمي دينياً، وذهب العديد لمزاولته سراً. لحظة اكتشاف المعرفة من العتبات الثقافية الكبرى التي اخذت الحياة نحو الاتساع والتطور والعمق. هذا يعني في وجه آخر من هذا المجال الثقافي الحيوي، هو أن ميشيل فوكو المتحمس للتعامل مع الجسد بوصفه مدونة، ونصاً أو هو الوثيقة في علاقته بالسلطة تحفر فيه الاخاديد كنقش الاثر في الفضاء.... ولهذا اعتمد فوكو على اداتين منهجيتين في الكشف عن قيمة الجسد كمستودع لذاكرة المجتمع، إحداهما الاركيولوجيا، بينما استعار الأداة الثاني من الفيلسوف الالماني نيتشه وهي (الجينالوجيا) وذلك لتحليل الخطاب والسلطة والمعرفة والجسد. لكن هل يمكن تحويل النص / الجسد الى وثيقة أو حفيرة...؟ أي بمعنى ثمة ابستيم معرفي لقراءة خطاب الجسد بصفته وثيقة تاريخية حية / محمد علي النظراوي / ن. م / ص79//
لم يترك المفكر ميشيل فوكو العلاقة الثقافية / المعرفية معزولة أو متجاورة بعضها مع البض الآخر، بل انشغل مثلما هو معروف بثنائية العلاقة الموجودة من خلال قراءة ما هو موجود (ولما كانت السلطة من اهم المفاهيم التي أكد واشتغل عليها فوكو في ممارساته الخطابية، بوصفها مفهوماً ثقافياً وعملياً كان سائداً ومهيمناً بشكله التقليدي، بأنه مرتبط بكل ما هو اقتصادي واداري وسياسي، الا ان الدراسات الحديثة غيرت من هذا الطرح السائد للمفهوم، وذلك باتخاذ المنحى المنهجي والمعرفي لمفهوم السلطة، وجعله من متعشقاً بتمظهرات الجسد، المجتمعي، كبنية متماسكة، تخفي تحت طياتها سلاحها الخطير، هي كونها مخفية داخل الجسد الاجتماعي بشكل رمزي، وهي من هذه الناحية تصبح اكثر خطراً وهيمنة من وجهها المادي المسلح أو الظاهري. وهذا ما نلاحظه لمفهوم السلطة عند فوكو، خاصة في الطب العيادي وتاريخ الجنون / ن. م ص81//



المشاركة السابقة : المشاركة التالية