جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الأعمدة الإسمنتية الاسطوانية في مدينة كربلاء القديمة


د. علاء مشذوب
تظهر الأعمدة الإسمنتية جلياً في منطقة أو حي باب الخان، وبدأ عند أول شارع رئيس لها واسمه شارع العلقمي الذي ينقسم الى قسمين جزء تابع الى طرف باب بغداد وجزء تابع الى طرف باب الخان، وهذه السمة مشاعة في كل الشوارع الرئيسة في المدينة القديمة وأغلب الشوارع الفرعية ما بين المحلات. لهذه الأعمدة الإسمنتية عدة وظائف جمالية ونفعية مادية لأصحاب البنايات والمحال الخارجة منها وكذلك البيوت، ومن الناحية الجمالية،
فأنها تعطي لكل الشوارع التي تتوشحها الرصانة والقوة والثبات، من خلال تكرارها، وكذلك خلق توازن تقليدي فـ"عندما يكون جانباً التكوين متماثلين أو متساويين تقريباً في الجاذبية، نحصل على توازن تقليدي"( )، وهو في فن العمارة يعطي القوة والاستقرار.
ويذكر الحاج"فاضل أبو طحين."( )، إن الأعمدة الإسمنتية في شارع العباس بنيت بعد عام (1945) بعد التوسعة الثانية في زمن الملكية كما أخبره بذلك أبوه، ولكنه كان مغلقاً من الجهة الشمالية، أما شارع الحسن فقد تم بناء الأعمدة الإسمنتية فيه عام (1954) في زمن الملكية عندما جاء موظفو التخطيط العمراني وأمروا بتوسعته، ومن قبل كان هذا الشارع يشبه الشوارع الراقية في المدن المتقدمة، كونه يحتوي على الكثير من أشجار التوت والكالبتوس الباسقة، إضافة الى أن شرفات البيوت كانت تحملها أعمدة خشبية وهي تزدان بالشناشيل والتطريز غاية في الروعة وكان ذلك في"زمن العصملي" ، وعندما بدأت المحافظة بالتوسع والتحول الى التجارة بدأ الأهالي بإزالة الأشجار والبناء بالطريقة الحديثة من خلال استغلال الفضاء الذي يتقدم أملاكهم من البيوت والخانات والسكلات وغيرها من الاستخدامات الأخرى. ويُعد شارع الحسن في ذلك الوقت هو الشارع الرئيس الذي تسلكه السيارات المتجهة الى بغداد على طريق الحسينية، في الوقت الذي كان فيه شارع العباس مغلقاً.
وفي ستينيات القرن الماضي أمر السيد صادق الخطيب مدير بلدية كربلاء بتوسعة شارع قبلة العباس من جديد وفتح جهته الشمالية. ومن ثم أمر السيد متصرف اللواء"عبود الشوك"( )، بافتتاح طريق بغداد الذي يمر بـ"السيد عون"( ). كما شهدت كربلاء في"زمنه"  الكثير من التوسعة والتطور المعماري، وقد شاعت الأعمدة الإسمنتية التي تتقدم البنايات والبيوت وتحمل شرفاتها في أغلب الشوارع الرئيسة والفرعية في المحافظة. وبالخصوص بعد أن تطوّرت المواد الإنشائية في البناء واكتشاف الخلطة السحرية التي تكون الكتلة الخرسانية، وأصبح الإسمنت جزءاً منها، وتحول الحديد من الشليمان الى أوتاد طويلة ورفيعة ومحززة يسهل نقلها وحملها لتجمع في مكان واحد وتسيج بقالب خشبي توضع فيه المادة السائلة التي سرعان ما تتصلب لتتحول الى كتلة خرسانية صماء، تم الاستغناء عن جذوع الأشجار الطويلة والمستوردة من البلاد البعيدة. والأعمدة الإسمنتية تكون على نوعين أما ظاهرة من الجدران وجزءاً من الجدار أو الحائط، وأما منفردة تتقدم البناء لتحمل الطوارم والأفاريز البناء.
والأعمدة الإسمنتية تمتد على طول الشارع العباس من الجهة الغربية التابعة لباب النجف والجهة الشرقية التابعة لباب الخان، والتي تشكل شارع قبلة العباس الذي يشبه في شموخه شارع الموكب البابلي وبوابة عشتار العظيمة. تقف شامخة شاهدة مثل أشجار النخيل تحمي ما تحتها من أشعة شمس الصيف الحارقة وبرد الشتاء وأمطاره، تقف شامخة عتيدة ضد تعرية الألوان التي تطلى بها، والملصقات والقطع الإعلانية التي تقف بين عمودين.
تتقدم شارع قبلة العباس الفلكة المرورية، وعلى جهة اليسار جزيرة صغيرة يتقدمها محل بيع الطرشي – طرشي الميناء – تتقدمه الأعمدة الإسمنتية وتدور مع دوران رصيف الشارع، ومن جهة اليمين تمتد عيادات صناعة وتركيب الأسنان، ثم تبدأ الأعمدة الإسمنتية الدائرية، من العلامات البارزة التي تتقدم هذه الأعمدة هي السياج الحديدي الذي يمنع ولوج العربات الصغيرة الى الجانب الثاني وكذلك عبور السابلة، وبالعودة الى بداية الأعمدة، التي يمتد بينها جسر كونكريتي على طولها ليحمل ثقل الشقق السكنية وبعضها مكاتب وعيادات الأطباء ومعامل الخياطة وغيرها من الحرف التي تصب في الأسواق القريبة والمحيطة بالمدينة القديمة.
شارع قبلة العباس ينقسم في انتمائه الى منطقتين التي على جهة اليسار تابعة الى باب النجف، أما التي على جهة اليمين فتنتمي الى حي باب الخان، وخير من أستعين به في تتبع اسماء أصحاب المحال ومهنهم التي كانت تتقدمها الأعمدة الإسمنتية الدائرية هو السيد"صاحب الشريفي"  الذي كتب يقول: نخرج من الزقاق الى الشارع العام – شارع قبلة العباس - حيث محل أحذية الشاكري، ثم ننتقل الى جواره حيث محل أقمشة فتاح باشا لصاحبه الشيخ هادي المعلى، وقربه صيدلية القباني صاحبها أخونا وصديقنا العزيز محمود القباني ابو فراس أطال الله في عمره حاليا يسكن بلغاريا، كان بجواره فرع يحتوي على عدة دور ومن ضمن هذه الدور دار المرحوم والد عبجون الطباخ، ننتقل الى محل لبيع الملابس والتجهيزات الرياضية كان صاحب المحل يرتدي السدارة البغدادية والنظارات نجهل اسمة، ننتقل الى محل صغير لتصليح لبيع الساعات لصاحبه مهدي وحاليا محله في سوق العلاوي، وبجواره دار خربة متروكة مطل على الزقاق يعود الى هادي دخل اطال الله في عمره، ثم ننتقل الى محل السيد حسين مصلح الراديوهات والمسجلات وهو اخو السيد جعفر الكهربائي، يأتي من بعده محل السيد ابو صادق لبيع الاقمشة وهو صهر محمد براز اطال الله في عمره، ثم نصل الى جواره حيث ركن الفسحة في بداية الفرع يكون محل عباس عبادة لعمل المفاتيح، كان هذا الرجل يجيد مهنته، ثم ننتقل الى الشارع العام حيث محلات لبيع الكماليات صاحبها المرحوم السيد حسين ابو ضرغام ابو علاء شهيد الانتفاضة الشعبانية، ثم نصل الى فرع صغير يطل على الفسحة حيث توجد مقهى لا اعرف اسم صاحبها، وننتقل الى محل خياطة رضا المعمار وعبد ابو سبع، وبجواره محل صغير لبيع الخرازية ايضا لا أتذكر اسم صاحبه، نصل الى فرع رئيس يؤدي الى الفسحة وخان المخضر، في هذا الفرع محال اشتهر اصحابها بمهنتهم، هم من البداية يكون محل علي كبابي، ثم حلاقة عبد الامير الخفاجي اخو عبد الحسين الحلاق وعبد الرضا الحلاق والد الاستاذ محد اطال الله في عمره، كان عبد الامير شاباً انيقاً وحلاقاً ماهراً، ثم ننتقل الى خان البهرة، ومن بعده محل سعد صبري، ثم محل عباس الاعمى لبيع الطائرات الورقية بأنواعها وخيوط (الشيشة) كان ماهراً في عمله ومشهورا.
ونعود من حيث دخلنا لنصل الى الشارع العام (شارع العباس) مرة أخرى حيث محل لبيع الاقمشة الرجالية الفاخرة، في داخل الفرع الصغير محل صالون حلاقة المرحوم محمد خويطر، ثم ننتقل الى محل الحاج جاسم عجام ابو الصائغ المرحوم صاحب لبيع الاقمشة، من بعده محل المرحوم الحاج الشيخ عبد الخالق وولده الشيخ عبد الامير الحميري لبيع الاجهزة الصوتية والمنزلية وكان لديه وكالة الافريقية، يأتي من بعده مكوى الهاشمي لصاحبه المرحوم السيد مجيد ابو سعد، ثم محل محمد السباح لبيع التجهيزات المنزلية والصوتية، يأتي بعده محل مجيد وفريد وسعيد زميزم (وكلاء الافريقية(، يأتي بعده محل محمد براز وشاكر حنيش هؤلاء كانوا شركاء جمعتهم الاخوة والامانة وحظيا بسمعة طيبة، ثم ننتقل الى مطبعة تموز لصاحبها عبد الامير الاطرقچي، ثم محل صغير للرسام والخطاط كفاح، اما محل الركن كان محل المرحوم صباح الصفار لبيع التجهيزات المنزلية (الفافون)، ثم ننتقل الى الركن المقابل لنصل الى خان ومجرشة المرحوم الشهيد مظهر قندي والد الصيدلاني الدكتور معين اطال الله في عمره، كان المرحوم ابو معين طيباً وشهماً وكريماً وصاحب نخوة لا يتردد بمساعدة الاخرين، كان من وجهاء وشخصيات كربلاء المرموقين، شغل منصب رئيس غرفة تجارة كربلاء في السبعينيات القرن الماضي، واخوانه المرحوم الحاج احمد والمرحوم كاظم والحاج ساطع.
أما الجهة الغربية من شارع قبلة العباس التابعة لباب النجف، فأن محلاتها باستثناء سوق الهنود الذي هو ركن الشارع وفيه ثلاث واجهات زجاجية لصاحبها يوسف البنا لبيع أحذية باتا تخلو من الأعمدة الإسمنتية، أما بعدها فأن جميع المحال تتقدمها الأعمدة، وتبدأ بأحذية الأفراح لصاحبها علي فرحة، ومن ثم مدخل سوق الهنود، وتستمر المحال بالتوالي بمختلف المهن والحرف من المطاعم وشركات السفريات، وحلويات الأفندي مع بعض الفتحات الى تودي الأزقة المتعرجة والمؤدية الى عقد الشير فضة ومنها الى شارع الإمام علي ومنها الى ساحة علي الأكبر ومنها الى سوق العلاوي، وتستمر الأعمدة تتقدم المحال لبيع الكباب ومنها مطعم الحكيم والكأس الفضي، ثم تختفي أمام مصرف الرافدين، لتعود أما المحال لبيع الكص الركن ليبدأ سوق العلاوي، ونستمر بالمشي حتى نصل الجهة الأخرى لبعض المحال مرورا بمطعم أبو نزار لبيع التمن والمرق وصولا الى مطعم بيع المرطبات لصاحبها حسن أبو حديبة، لينتهي شارع قبلة العباس بتقاطع يسمى شارع الجمهورية الذي يمتد شرقا لينتهي بباب طويريج، وغربا لينتهي عند شارع قبلة الحسين.
يمتد شارع العباس طولياً باتجاه مقر الحكومة المحلية والمحكمة (السراي سابقا)، ليقسم منطقة العباسية الى حيين العباسية الغربية والشرقية، بواقع خمسة وعشرين متراً، يأخذ الرصيف من الجانبين عشرة أمتار ليبقى الشارع خمسة عشر متراً. والأعمدة الإسمنتية تطل بنعومة ملمسها وطولها الشامخ ومتانتها من على الجانبين لتضفي على الشارع عراقة وأصالة وقدماً وتراثاً وجمالية جذابة. بل ان لهذه الأعمدة فائدة وجدوى اقتصادية في انها تحمل البناء المعلق في الفضاء ليكون شقق ذات استخدامات مختلفة.
يؤدي هذا الشارع – شارع العباس – الى شوارع فرعية للحيين تتركز الدوائر الحكومية الخدمية مثل البريد والهاتف ومديرية البلدية ودائرة العقاري ومركز شرطة العباسية والسفارات أو القنصليات الأجنبية ومنها الإيرانية والباكستانية والهندية في الحي العباسية الغربية إضافة البيوت السكنية الفخمة ذات المساحات الواسعة، كما تتركز بعض الدوائر الحكومية في حي العباسية الشرقية ولكن السمة الغالبة على هذه البيوت السكنية ذات المساحات المتوسطة والصغيرة.
كانت هذه الأعمدة ذاكرة وشاهدة على ما مرّ به المجتمع الكربلائي من أحداث سياسية واجتماعية، وهي في الوقت نفسه أقرب الى أذرع نصب الحرية في ساحة التحرير – بغداد، تعلق بين كل عمودين يافطة سياسية لمناصرة أو شجب حدث معين محلي أو عربي أو عالمي، وفي أيام الاستقرار الاقتصادي كانت تحمل أسماء المحال والإعلان الخاص بهم، كانت القطع الإعلانية التي تعلق أما على عمود واحد أو ما بين العمودين على أنواع مختلفة، منها من كان يربط بالعمود عن طريق سير حديدي يلتف حوله ليمسك لوحة الإعلان عن طبيب أو صيدلية أو حلاق، ومنها من يمتد بين عمودين ليحمل القطعة الإعلانية إذا كانتا تتوسطان المحل.
بعض الأعمدة كانت تحمل آثار رصاص منذ أيام الانتفاضة الشعبانية في عام 1991، عندما كان يختبئ خلفها المنتفضون ضد قوات الحرس الجمهوري البعثي، بل كانت خير سند وسواتر للشباب الكربلائي ضد القوات الغازية المتمثلة بجيش صدام عندما أراد ان يقتحم المدينة وكانت عصية على جيشه الغادر.
ما يميز العباسية الشرقية، انها تتكون من اربع بلوكات طولية يفصلها عن منطقة باب الخان شارع الجمهورية، أول شارع فرعي طولي منها يمتد من سوق باب المشهد وحتى نهاية الشارع الفرعي القريب من مديرية النجدة يزدان بالأعمدة الإسمنتية على الجانبين أيضا، يسمى هذا الشارع بشارع الحسن – الدخانية - ويكاد يحمل نفس سمات شارع العباس الرئيس. وكأنها – أي الأعمدة الإسمنتية - صفوف طلبة المدارس عند كل صباح يحيون العلم بملابسهم النظيفة وأذهانهم الصافية وشوقهم الى مناضد العلم والتعلم.
أما الشارع الفرعي الثاني فيسمى شارع المقلع الأول والذي يخلو من الأعمدة الإسمنتية الدائرية، ومثله الشارع الفرعي الثالث الذي يسمى بشارع المقلع الثاني. وكذلك الشارع الفرعي الرابع الذي يسمى شارع الأوقاف – العجزة - وهو يخلو ايضاً من الأعمدة الإسمنتية حتى وصوله الى مصرف الشهداء.
ولكن لو أخذنا منطقة العباسية من ناحية قبلة شارع العباس طولياً ونزولاً الى داخلها سنجد أنها عبارة عن مزرعة للأعمدة الإسمنتية، والتي هي امتداد لشارع قبلة العباس، وأول شارع فرعي الذي يسمى شارع البريد نزولاً الى مدرسة المنار للبنات وصولاً الى شارع الأوقاف نجد أن الأعمدة الإسمنتية الدائرية على ضفتي الشارع.
وكذلك الشارع الفرعي الثاني الذي يسمى شارع البلدية نزولاً سنجده واثقاً بأعمدته من على الجانبين وصولاً الى نهايته، ومن ثم الشارع الفرعي الثالث الذي يسمى شارع استوديو الجماهير، ومن ثم الشارع الرابع الذي يسمى شارع العقاري نزولاً الى الكراج، نجد أن الأعمدة الإسمنتية تطرز هذه الشوارع الفرعية مثل نخيل داخل روضة من رياض الفن المعماري الجميل نابتة وباسقة على ضفتي نهر خالد لا ينطفئ اسمها منطقة العباسية الشرقية.
أما حي العباسية الغربية التي يفصلها عن حي المخيم وباب النجف هو شارع الجمهورية، وتتكون من شارعين رئيسين مشتركين الأول شارع قبلة العباس والثاني شارع قبلة الإمام الحسين، وشارعين فرعيين طولياً، الأول يبدأ من حمام البغدادي شرقاً وحلويات الرافدين غرباً وينزل طولياً حتى مقهى سيد مجيد او كراج البارودي، وهو امتداد لشارع الإمام علي، فأنه يزدان بأعمدة إسمنتية دائرية. والثاني هو سوق النجارين وحتى نهايته عند مركز شرطة العباسية، ويسمى هذا الشارع بسوق النجارين، تكون فيه الأعمدة الإسمنتية متقطعة فتجده يقف في بعض الأحيان مثل سنابل الحقل أو جيش نظامي في بعض البنايات بينما يتعثر في بنايات حديثة البناء. وفي الختام لا بد أن أذكر أن الأعمدة الخشبية سابقا أو الإسمنتية لاحقاً هي في الأصل ثقافة إسلامية موروثة كفن معماري هندسي رصين، بينما الفضاءات المعلقة ذات الجسور المخفية هي نتاج الحداثة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية