جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


جواد سليم في المقهى الثقافي في لندن


لندن/ خاص بتاتو
كعادته يحاول المقهى الثقافي في لندن أن يواكب النشاط المعرفي العراقي وتقديم نماذج هامة ومتميزة منه وكذلك الحال فيما يتعلق بالثقافة العربية والأجنبية عموماً وقدر المستطاع.
في أمسيته الأخيرة، لشهر كانون الثاني، قدم المقهى فعالية خاصة بمناسبة الذكرى 57 على  رحيل الفنان الخالد جواد سليم،
وقد إحتشدت القاعة بالحضور الكريم الذي يعكس إهتمامات جمهور المقهى بمثل هذه المواضيع.  حيث كانت مواد كل من الفنانين يوسف الناصر وعلي النجار و فيصل لعيبي، تشير الى بعض ملامح وسمات شخصية جواد ومساهمته في حركة التشكيل العراقي الحديث. 
قدم الفنان المسرحي والإعلامي المعروف والشاعر فلاح هاشم. مقدمة مسهبة عن جواد واثره ودوره البارز في الحراك الفني العراقي خلال القرن العشرين وكذلك تأثيره ونتائج أفكاره على الذين جاءوا من بعده.
بعدها تحدث الفنان فيصل لعيبي عن الفترة التي ظهر فيها جواد والظروف التي رافقت نشوء الحركة التشكيلية العراقية ودور الحكم الوطني في ترسيخ قيم الحداثة والحياة المدنية خلال النصف الأول من القرن العشرين وتأثير ذلك على الثقافة عموماً. وأشار المحاضر الى د ور المربي القومي المعروف ساطع الحصري في توجيه بعض الفنانين نحو تراث بلادهم والإهتمام به والإستفادة منه في خلق فن محلي ووطني، يعكس شخصية البلد وأهله. فقد عمل جواد في المتحف العراقي، الذي كان ساطع الحصري مديراً له وقتها، بعد عودته من إيطاليا، بسبب قيام الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا كطرف فيها،  فاخذ يتفحص القطع الفنية القديمة ويحاول ترميم ما يمكن ترميمه منها. ومن خلال ذلك أخذ يتحسس القيم الجمالية التي تحتويها كنوز المتحف العراقي القديم.
كان الشعور بالإنتماء لبلد ناهض ومقبل على التحضر وضرورة السباق مع الزمن، من أهم ما أخذ جواد يفكر به،  وقد كانت رسوم الواسطي لمقامات الحريري، منفذاً آخر للتغلغل في أسرارالفنون التي ظهرت في بلاد مابين النهرين، مما اعطى لجواد إمكانية الإلمام بجوانب مختلفة من عطاءات إبن الرافدين الأبداعية في مختلف المراحل والحضارات، وذكر المحاضرأن قطعة البناء التي نفذها الفنان عام 1944 تعتبر من اهم ما يشير لهذه الناحية، حيث قدم تصوره الأولي لمعنى الفن المحلي الذي يحمل صفات البيئة والشخصية الوطنية والرؤية المميزة لفنان يحمل على كتفيه خمسة حضارات هامة في تاريخ البشرية.
واضاف المحاضر، بعد نهاية الحرب عاد جواد الى مقاعد الدراسة في (سليد سكول) بلندن، وهناك إستطاع متابعة الفنانين الذين تأثروا بحضارات الشرق القديم  والفن الإسلامي، مثل ماتيس وباول كلي وبيكاسو وهنري مور وغيرهم. وأستطاع أن يهضم القوانين المحركة للحداثة والأفكار الجديدة في الفن الأوربي المعاصر. ثم خلص الفنان فيصل الى أن جواد قد ربط التراث بالمعاصرة وقدم لنا نتاجاً فنياً يقف بمستوى نتاجات فناني القرن العشرين البارزين وجعل اللوحة العراقية قادرة على المشاركة بندية الى جانب تلك العطاءات الفنية الهامة للقرن الماضي والمشاهد لنصب الحرية يدرك هذه الحقيقة. بعدها تم عرض صور وثائقية عن جواد  ولوحات فنية له تحدث عنها المحاضر وشرح بعض جوانبها المميزة.
ثم جاءت رسالة الفنان علي النجار التي بعثها من مالمو في السويد حيث يعيش، لتعذر قدومه الى لندن. فقرأها المقدم الفنان فلاح هاشم وهي تركز على الجوانب الإنسانية لشخصية جواد وعلاقته بطلبته وإهتمامه بهم وخاصة المميزين منهم، وكانت الرسالة شهادة حية لفنان تتلمذ على يد فنان الراحل جواد سليم بالذات، كما تطرقت الرسالة الى دور جواد في  دفع حتى فائق حسن للسير في إتجاه الفن الذي يعنى بالبيئة والبحث عن شخصية وطنية في الفن، خاصة عندما كان الفنانان يعيشان ويعملان معاً ويساهمان في المعارض المشتركة التي كانت تقام وقتها. وهذا واضح على نتاجات تلك الفترة للفنانين الكبيرين جواد وفائق.
وبعد قراءة رسالة الفنان علي النجار، جاء دور الفنان يوسف الناصر حيث ذكر أن جواد سليم تعرض الى مقدار كبير من سوء الفهم مثلما تم استغلال افكاره وتوصلاته الفنية المميزة لتحقيق غايات بعيدة عن ما كان يدعو اليه ويحاول تحقيقه، فقد رأى كثيرون من زملائه وتلاميذه والذين كتبوا عنه فيما بعد ان فنه مثّل محطة التقى فيها الحاضر بالماضي وانتج نوعاً من صياغات جاهزة لما اصطلح عليه (ربط التراث بالمعاصرة)، مؤكدين على الطبيعة الشكلية لبغداديات جواد ومتناسين أن توصلاته انما هي رؤياه الخاصة به والتي لا تصلح لغيره، ومهملين تجربته الشعورية والروحية العميقة، ورأى المحاضر إن فن جواد سليم لا يمكن حصره في كونه مجرد صياغة فنية ويجب أن ينظر إليه باعتباره طريقة للرؤية وأداة لتحليل الأشياء والمحيط.
وأضاف المحاضر إن الماضي الذي سعى جواد للاتصال به وتجسير الهوة معه لم يكن ماضي البطولات والامجاد والحروب، الذي سيقت باتجاهه افكار الفنان النبيلة وأفكار جماعته الرواد الاوائل،  بل كان ماضي الجمال الذي يصبو إليه الانسان المسالم المتحضر. وأكد على ان الفهم القاصر لدور جواد أو التحريف المتعمد لأفكاره أدت الى سجنه في بيت الماضي الذي أعاد هو بناءه كمحطة في طريقه نحو عالم مفتوح وبلا قيود، إذ أن جواد سليم لم يرد أن يبني مدرسة عراقية باسوار عالية ليعزل العراق والفن العراقي عن العالم، انما كان عالمي الافق واسع المدى أراد أن يضع بين يدي الفنانين العراقيين لغة جديدة لمخاطبة العالم.
ودعا المحاضر الى إعادة دراسة فن جواد سليم وتشكيل حلقة دراسية بحثية من فنانين ونقاد ومؤرخين لما في ذلك من أهمية كبيرة للفن العراقي وخصوصاً في الوقت الحالي الذي يشهد فيه تراجعاً وانحداراً لم يشهدهما  في أي وقت سابق من تاريخه.
بعدها فتح باب النقاس والأسئلة وساهم فيها عدد من الحضور الكريم وقد أجاب عليها المحاضران. وبما أن وقت الأمسية محدد، فقد بقيت بعض الأسئلة عالقة، تنتظر أجوبة لها. قد يأتي اليوم الذي سنجد لها من يجيب عليها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية