جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


نهاية البراءة.. في رواية "أيشيغورو" الجديدة "حينما كنا يتامى"


ترجمة: نجاح الجبيلي
كازو إيشيغورو (1954-….) كاتب بريطاني من أصل ياباني. ولد في ناكازاكي وانتقل إلى انكلترا في سن السادسة، تلقى تعليمه في جامعة"كنت"قبل أن يحصل على شهادة الماجستير في"الكتابة الابداعية"في جامعة"إيست أنجليا"وهو المقرر الذي أنشأه ودرّسه الكاتب"مالكولم باردبري". بعد أن نشر"إيشيغورو"عدداً من القصص القصيرة والمقالات في المجلات عام 1980
نشرت روايته الأولى"منظر شاحب للتلال"في عام 1982(ترجمت إلى العربية بعنوان"التلال الشاحبة وصدرت في بغداد عن دار الشمس) ونالت جائزة"ونفرد هولبي"، وفازت روايته الثانية"فنان من العالم العائم –1989"بجائزة"وايتبرد"للرواية وكذلك جائزة كتاب"وايتبرد"السنوي، غير أن"إيشيغورو"أحرز الصيت الذائع في رواية"بقايا النهار"(مترجمة إلى العربية / دار الشمس /بغداد) التي فازت بجائزة"بوكر"، والرواية تسرد بضمير المتكلم من قبل خادم انكليزي يسترجع سيرته تحت نغمة خاضعة مقيدة في تقديمه، ويبدو جلياً مدى الثمن الذي دفعه في حياته الخدمية، وتكون الخاتمة بتكتمها مثيرة للحزن والضياع. لقد تحمس الكثير من المعجبين لطريقته المدهشة في السرد الذي هو انكليزي في الصميم ورسمه للشخصية والمدعم بتفاصيل تاريخية معتنى بها. أعدت الرواية للسينما في فيلم مثله"أنطوني هوبكنز".
لكن رواية"أيشيغورو"التالية"الذين لا عزاء لهم –1995"حيرت العديد من النقاد، فقد كانت شديدة الاختلاف عن سابقاتها إذ هي قصة ضخمة بل حبكة فعلية، كابوسية وسريالية وتدين بعض الشيء لروايات"كافكا"، وتدور أحداثها في بلد أوربي شرقي لم يذكر اسمه، وتتعلق بعازف بيانو زائر من المفترض أن يؤدي عزفاً في حفل موسيقي قدّر له أن لا يصل إليه كما يبدو، بينما أخذت تطوف حوله الشظايا الجارحة من أحاديث سكان المدينة وحياتهم.
فاز أيشيغورو بجائزة نوبل للأدب لعام 2017
في نيسان عام 2000 أصدر رواية"حينما كنا يتامى"،وفيما يلي عرض لها كتبته"إلينور شيلدز"في مجلة"تايم":
سيألف قراء الروائي"كازو إيشيغورو"صوت البؤس المكتوم والنثر الهادئ الصافي الذي أتقنه في رواية"بقايا النهار"ثم نبذه لأجل البارانويا السريالية لروايته الرابعة"الذين لا عزاء لهم"وسوف يرحبون بالجهد الروائي الأخير"حينما كنا يتامى"الصادر عن دار نشر"فابر"(313صفحة) لأنه الجهد الذي انصهرت فيه مواهب"إيشيغورو"وتقنياته بينما يتحرى عالماً مفقوداً آخر – مملكة الطفولة.
تفتتح الرواية بهدوء في لندن عام 1930 ؛ جلب سارد القصة"بانكس"إلى انكلترا وهو صبي صغير بعد اختفاء والديه من بيتهم في"شنغهاي"، لقد نال ميراثاً ضخماً وتلا تعليماً ممتازاً، لكنه يظل غريباً على المجتمع البريطاني،"طير شاذ"ويطمئن القارئ بأن ذلك لا يهمه. إن مهنته هي العمل في التحري ويهدف إلى حل اللغز النهائي وهو مصير والديه.
لكن"بانكس"لا يملك الوسائل لإعادة بناء ماضيه، ورغم منظاره المكبر وقدراته المبكرة النضوج في التحليل فإنه ليس شاهداً موثوقاً به، إن مصفاة برهانه هو ذاكرة الطفولة في كل اضطرابها وألوانها. يستذكر"الأحداث الصغيرة الغريبة"وأمه الجميلة الشجاعة وصراعها ضد تجارة الأفيون التي كانت تدعمها شركة زوجها. يتذكر صديقه الياباني"أكيرا"والألعاب البوليسية التي اخترعاها بعد اختفاء والد"بانكس"ويستعيد ذكرى صديق العائلة"العم فيليب"الذي تركه في سوق في"شنغهاي"، يلي ذلك العودة إلى باب مغلق بالرتاج وخادمة هستيرية وبيت فارغ.
إن مفاتيح اللغز الحرفية والعاطفية تكمن في مكان الجريمة وكأن"بانكس"شديد التوق للرجوع إلى ماضيه. حين يصل إلى شنغهاي عام 1937 يقوم بأداء الدراما الخاصة به أمام خلفية الحرب ويكشف الغطاء عن أرض خراب نفسي تضم أوثاناً متهاوية ومعتقدات محطمة وسط دمار مدينة تعرضت للغزو.
يمكن قراءة رواية"حين كنا يتامى"على مستويات عدة. القصة البوليسية والثيمات التاريخية للفساد الاستعماري والحرب التي تضم قلب الرواية التجريدي – حكاية خرافية فرويدية عن الانتقال المؤلم إلى فترة المراهقة". إن"إيشيغورو"يذيب الأزمات السياسية والشخصية ليخلق لحظات من التشويق المثير. إن الحبكة المعقدة تتمايل وترتج عبر العقل الباطن المكبوت لـ"بانكس"مع رمزية واضحة، ورغم أننا قد نضحك على قلة صبر"بانكس"الطفولي واعتداده بنفسه غير أننا لا نهزأ به، فألمه شديد موجع."إيشيغورو"كاتب كريم –رحيم مع شخصياته ويحترم قراءه. إن قارئ رواية"حينما كنا يتامى"يشعر بالإقناع لغناها ووضوحها رغم تركيبها، لكنها تبعث على الألم فالجرح النابض والألم المتواصل لبانكس يتركان كآبة باقية، لأنه في بلوغه لم يستطع أن يبرئ مما عجز عنه في طفولته.   
المصدر : مجلة"TIME"– 24 أبريل 2000



المشاركة السابقة : المشاركة التالية