جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: شعرة عمي قاسم


علي حداد
الكلمة
ولى زمان.. الشلم بلم..
جاء زمان..الترللي
مثل شعبي

الاهداء

لابد من رجل يحمي البعير
من تلك القشة
التي قصمت ظهره
في زمن العبث..وفي زمن الجنون لابد من رجال يبعثون روح الجد في خضم هذا الطوفان  واللامعقول  ليصير التوازن ويدخل مسامات الحضارة والمدنية ويتواصل خيط الحياة مع البهجة وكان خالي قاسم يدفعك دائما الى الانبهار والتأمل في سلوكه اليومي وعمله اليومى..وعشقه اليومي للحياة..هو شقيق لوالدتي ولكني محكوم مثل كل الناس الذين ينادونه..ب عمي قاسم..العامل والطبيب والمهندس وشرطي المرور. كان يحب عمله حد النخاع ويحب أدق تفاصيله فمثلا هو حين يثبت لوحة على جدار الكل يترقب تراجعه مترين أو اكثر  وينظر اليها من بعيد.. ويتساءل الجميع فقد ملوا الانتظار
- تحتاج أن تزحف شعرة الى اليمين
كما فعل مع التابوت الدي حمل جثمان والدي فقد رأيته يؤشر للسائق الذي كان يربط الجنازة انها تحتاج ان يزحف بها شعرة الى ناحية اليسار.. حين ذاك تنتشر على محاياه الطفولية فرحة  عجيبة وهو يضيف..
- عاشت ايدك هسه تمام..
دائما مايدفعك الى التساؤل والانبهار وهو يقول لعماله
-  اعملوا بضمير..على ان لا يوجعكم فيما بعد..
وقد ربى الجميع على قصص فيها المآثر والحكمة , كان متوسط القامة , بشوشاً  ذا وجه  أبيض تكسوه الحمرة مريح ترتسم على شفته شارب غريب اشبه بشارب والت دزني وتعم ذلك الوجه بهجه رائعة حين يستقبل ضيوفه  ويسمونه البغداديون..ملكاه حلو.. وكان يكرر دائماً
- الضيف يأتي برزقه
كان يعتز ويفتخر إنه كان واحداً من أبناء الله , وكان دكتور بدر عبد المجيد قد قال ذات يوم
- لو كان  مثله مليون شخص في كل بلد ما كانت هناك من صراعات  وأطماع وحروب ولاستقرت الحياة
وكان في واحدة من محطات حياته احب تربية الدجاج فمنحه وقته وروحه بالكامل لهذه الكائنات التي تعطيه ما أمكنها من بيض وسعادة , أحبها لأنها منتجة ومتآلفة. كان يجلس على مقعده ويراقبهم ساعات طويلة و بدقة...فعمل على رعايتهم وبنى لهم قفص  جميل ومنح لهم الكثير من وقته..الذي كان مزدحماً بزيارة المرضى.. والأعراس..والمآتم والطهور وطلبات بناته واولاده..وأحفاده الصغار الذين كانوا  يتشبثون باذيال سترته  وهو يتبضع لهم أنواع الحلوى  والملاعيب..وكان يسير في وسطهم فرحاً كأنه يراهم  قادة للمستقبل..لم أره يوما منزعجاً  ليلاً اونهاراً..واحياناً أنا انزعج لطيبته التي تصل حد السذاجة.علما انه  كان مثقفاً  وواعياً وشاعراً وملماً بكل ما يجري من أحداث تدور من حوله وكان كثير القراءة حين يجلس في وسط  حديقته الكبيرة ويضع ساقاً فوق ساق مسترخياً منتشياً والغريب انه حتى عندما ينام يضع ساقاً فوق ساق أيضاً..
كان شارع غازي بطوله وعرضه يعرفون عمي قاسم..يعرفون طيبته وقلبه الابيض مثل الثلج وحين سرقه احد عماله قال بعفوية
-  استروا عليه الله يحب الستر,ربما كان محتاجا ويستحي أن يطلب المعونة
وبعد سقوط صدام حسين  عم العراق هرج ومرج.. وسرقة.. وقتل.. ونهب المصارف والمحلات العامة ومؤسسات الدولة واغتصابها..  والرصاص المتطاير الذي أصاب البشر.. والبنايات.. والشجر.. والجثث التي انتشرت في الشوارع.. وجثث الحيوانات  التي ماتت من الجوع..قطط وكلاب امتلأت بها الشوارع والساحات العامة وعلى ضفاف الأنهر.. موت منتشر كالذباب يقف عمي قاسم مذهولاً أمام شاشة التلفاز وقلبه يقطر دماً بعيون يلعب فيه الدمع..ربما كنت واحدا من الذين يعرفون ماذا يقول في اعماقه وهو يعيش زمان الترللي هذا
_ أهكذا يلوك بعضنا  بعضاً
كلنا سمعنا وقرأنا عن تدهور الحضارات لكني أحسه الآن  يعيش هذا المخاض العسير يعشه بكل تفاصيله الدقيقة المريرة..وكان يرتعد ويرتجف  لهذه البربرية.. ولهذا اللامعقول الذي يراه بأم عينه
كنت أعرف هذا العم الذي لم يوجعه ضميره ابدا.. بل ألآمه واوجاعه , هو موت ضمير الآخرين,وقساوتهم.. ووحشيتهم..وانيابهم الملوثة بدماء أبناء جلدتهم.عمي قاسم حين يخلد الى نفسه اخاف عليه , اخشى عليه من نفسه
ومما يراه من هذا الزمن الاغبر.. ومما كان يسمعه فذات  مساء وحين كان يستقل حافلة نقل الركاب سمع امرأة  توبخ نفسها وهي تلطم وجهها بعنف
- >
كاد ان يتوقف قلبه حينداك..فترجل من الحافلة ولفه غروب موحش مظلل.. لهذا.. ولهذا كله كنت أخاف عليه
من نفسه ومن الآخرين الذين شوهتهم سقوط مفاهيمهم..وقيمهم..ونبلهم
واذا هيأ لك أن ترى  رجلاً متوسط القامة  وبشارب  غريب  وفي الساعة الثالثة صباحا وهو يحتضن ما تبقى من ريش دجاجاته وعظامها التي مزقتها الكلاب الجائعة وهو يبكي مثل طفل  فما رأيته  هو عمي قاسم وفي العام 2017 توفي الرجل الذي تحدث عنه دكتور بدر عبد المجيد.. مات المليون شخص.. فعليه السلام يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً..من جديد عما لعراق..يربي فيه الواحد منا أفراخ دجاج وبلا...قفص
                                                                       
بغداد
16/8/ كلاب شبعانه



المشاركة السابقة : المشاركة التالية