جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


أكاليل الغار والقار


فاضل عباس هادي
عن كتاب (السيدة لايكا  تنتظرك في البيت) المعد للطبع
من الصور الفوتوغرافية ما يترادف في الذهن مع إكليل الغار ومنها ما يترادف مع القار، صور تؤبد لحظة خاطفة في حياة البشرية، صور تمثل ذكرى حبيبة إلى النفس، صور نفتخر بها، وصور تعكس  اريخ البشر ومقدرة الإنسان العجيبة على الإيذاء والتدمير الشامل. هناك الصورة الفوتوغرافية الأولى في العالم التقطها الفرنسي نيسافور نيبسه في العام 1826
قبل اكثر من عقد على اختراع التصوير الضوئي كما هو موثق ومتعارف عليه الآن …
الصورة بعنوان «منظر باحة الدار » عاش مائة سنة تقريبا ومات قبل اختراع التصوير رسميا بست سنوات. الصورة مغبشة واستغرق تعريضها للضوء ثماني ساعات. قام نيبسه بطلاء لوح معدني من طين خاص في فلسطين Bitumen Of Judea( ( وأضاف إليه زيت الخزامى والقطران في عملية معقدة الهدف منها جعل اللوح حساسا لتفاعل الضوء مع المواد العديدة، هذه الصورة تعتبر الآن أول صورة في العالم وعند مرور مائة عام على موته أقامت له الحكومة الفرنسية نصبا كتبت تحته ببساطة «في هذه القرية اخترع نيسافور نيبسه التصوير الفوتوغرافي .»
بعد خمسين سنة نجد فتوحات المصور إدوارد مايبرج التي ساعدت في ما بعد على اختراع الشريط السينمائي انطلاقا من متابعة حركة حصان أو إنسان وتسجيلها على الفيلم بواسطة عدة كاميرات يتم تحرير غالقها في وقت واحد. ومن اشهر الصور المتسلسلة هذه صور الحصان وهو يعدو. وقد كان مايبرج من الدقة والبراعة بحيث أن تسجيله لحركة الحصان وهو يعدو أمام الكاميرا اثبت بطلان نظرية كانت شائعة ومفادها أن الحصان مهما كان سريعا في العدو فإن واحدة من أرجله تبقى ملامسة للأرض على الدوام.
أن الحصان يحلق خارج الجاذبية الأرضية! إن البرهان الفوتوغرافي هو من التنوع بحيث لا تستطيع أن ترصده أو تحكم عليه. بعض الصور ننشّد إليها بفعل المهارة التقنية التي يجسدها مايبرج وغيره كثيرون: صورة ارتطام قطرة الحليب على سطح المنضدة التي أفلح في تسجيلها بدقة منقطعة النظير
هارولد ايجيرتون في العام 1931 وصورة رجل الفضاء ألدرين وهو يمشي على سطح القمر في تصوير زميله في المغامرة الكوكبية الهائلة: نيل ارمسترونج صورة تترادف في الذاكرة مع أكاليل الغار، لحظات خاصة في حياة الإنسانية.
وهناك صور لا تقل مقدرة على الشد والإلحاح تعكس جانبنا الشرير وغرورنا ومنها صورة الانفجار الذري الأول في العام 1945 من تصوير مختبر لوس الاموس وقد أُجري الانفجار في صحراء «نيومكسيكو » كتجربة أعقبتها تجارب حية في هيروشيما ونجازاكي. العالم تغير بعد القنبلة الذرية والصور هنا تذكرنا بالتحولات الأساسية في حياتنا. لم يكن مخترعو القنبلة الذرية يفكرون باستعمالها ضد البشر الآخرين. كانوا يريدون للذرة أن تستخدم لصالح البشرية، إلا أن ترومان اعتقد بأن استعمالها ضد اليابانيين سيعجل في نهاية الحرب العالمية الثانية. الصورة أصبحت رمزا كونيا للدمار لانفجار القنبلة وهي تكون سحابة تشبه الفطر المفلطح وتتكاثر بسرعة كما يتكاثر نبات الفطر.

*****
ومن العالمي إلى المحلي ومن المحلي إلى الخاص ومن القضية الاجتماعية العامة إلى القضية الشخصية نجد الصور تلازمنا وتتحول إلى أيقونات ورموز وشهود على مظاهر الحب وعلى مظاهر الكراهية، على «عناقيد الغضب » التي صور فيها الكاتب جون شتاينبك هجرة آلاف الأمريكيين في الثلاثينات
من الشرق إلى الغرب بحثا عن حياة أفضل. دوروثيا لانج المصورة الأمريكية كانت هناك لتشهد محنة فقراء الأرياف وهم يبحثون عن الحياة الكريمة.
ومن خلال صور لانج قرر أن يكتب شتاينبك الرواية التي ساهمت في تنبيه الحكومة الأمريكية إلى مأساة قطاعات واسعة من الشعب واشتهرت بشكل خاص صورة أم وحولها أطفالها الثلاثة تتأمل موسم حصاد فاشل تماما. هذه الصورة قالت عنها لوريان مونك «إن قوة الصورة تجاوزت وظيفتها الصحفية التوثيقية الأولى كصرخة احتجاج وكطلب للعون .»
وهناك صور أخرى ترتبط بفترات مختلفة من حياة الإنسانية ارتبط عدد متميز منها بفترة حكم الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي منها صورة ابنه الصغير وهو يحيي أباه المسجى في الكفن عقب اغتياله وصور الحرب الفيتنامية المروعة وتبرز صورتان ساعدتا إلى حد ما في تغيير مسار الحرب
الأولى صورة إطلاق النار على صدغ فيتنامي شمالي وصورة الأطفال وهم يركضون بعد أن أصابهم شرار قنابل النابلم. ومن الضروري أن نؤكد هنا بأن ما من كتاب يستطيع أن يجمع بين دفتيه الهزيلتين مأساة العالم وأفراحهإلا أن هناك صورا متميزة بمنعطفات مهمة في تاريخ الإنسانية وهي ترسخ بالذاكرة بفعل هذا الارتباط.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية