جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


تبادلات الرؤيا بين كافافيس وسان جون بيرس


نعيم عبد مهلهل/ ألمانيا
((مملكتنا من تلابيب ما قبل المساء، ضياء كبير لقرن ينحو نحو قمته، ولا نقيم بها إطلاقا، لا سريراً للعدالة ولا مخيم الشرف، إنما ننشر قماشا على المنحدرات..
ونسرّح على شكل تجاعيد طويلة، هذه الكتل الضخمة من الضوء الأصفر، التي يتكلف بجمعها من بعيد، شحاذو المساء، على شكل حرائر الإمبراطورية وحرير الإتاوات الخام..))
سان جون بيرس
(( إلى رأسك. ستصل على الدوام إلى هذه القرية. لا تأمل في بقاع أخرى.
ما من سفين من أجلك، ما من سبيل. ومادمت قد خربت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما كنت في الوجود))               
كافافيس 

تنشط ذاكرة الشاعر عندما تنشط ذاكرة المكان،  وكلاهما يشكلان ذاكرة لفضاء أوسع ينتج عنه ولادة عسيرة لجنين الجملة  المتراصة مع أخواتها واللائي يشكلن جسد القصيدة. والقصيدة هي ما يختبئ تحت معطفها الشعر، تلك الأنثيالات الهابطة من أمكنة الخيال والتفكير والمسجلة على اللوح أو الورقة خواطر وأحلام ورؤى يعتقد الشاعر أنها ولدت نتاج تفاعل ما يكمن في باطنه وهذا العالم الذي يتحرك حوله ويوعز أو يثير فيه رغبة التأثير. وحتماً العالم هو المكان، وأهم مكونات هذا المكان هو المدينة،الجزء الكبير من الكل الأكبر، ومن المدينة تتجزأ الأمكنة إلى أصغر فأصغر حتى نصل إلى مكان موطئ القدم وربما هناك ما هو أصغر منه، تلك المساحة الضئيلة من الأرض التي تخزن فيه النملة مؤنة الشتاء.
عندما قرأت كتاب غاستون باشلار (جماليات المكان) اكتشفت : أن الأمكنة هي مدن تتجزأ وتتحد عندما تشعر برغبة الخيال ليكتبها بشكل مختلف. وبالتالي تجد الجميع يصنعون في المخيلة مكاناً مفترضاً ولكنه موجود ولو بنسب مختلفة، والتعبير عنه يختلف أيضا بين واقعية التناول أو سحريته، المهم دائما هناك مكان نركن عنده ونطلق من نافذته خيالات التصور وفلسفة التفكير ورؤى التغيير.
تولد المدن عندما تولد الأحلام وتتسع مع خيال المكتشفين والمغامرين وصناع الضوء والآتين من الطفولة الحقيقية. وهي الأمكنة التي تصنع الماس للخيال الذي يولد في لحظة الموهبة، ففيها تؤسس اللحظات التاريخية ومحطات أزمنة العيش ومراحل نمو العقل، والمدينة تبدأ من إشارة الجفن وتنتهي في بقعة التراب،وبين المساحتين تمتد البيوت والشوارع والمقاهي وقصور الولاة وحدائق اللحظة العاشقة. فكان العيش في المكان يعني التأسيس لسيرة ذاتية يفترضها المرء بمستويات ذهنية متباينة، بعضهم يوثقها بعاطفته والقلم والبعض لا يوثق أي شيء حتى في نزعه الأخير.
يتشكل جسد المدينة من مكونات لا عدد لها بين أن تكون مادية وروحية،وربما الطوب والخرسانة والخشب هو أهم مكونات المادة المكونة لجسد المدينة، أما الذاكرة والمشاهدات والتفاعل الحياتي والمنتج الفكري والذهني والتقني هو الذي يشكل روح المدينة، وبين المادة والروح يتكون الكيان الذي يصنع الحياة بأشكاله الطبقية والمتباينة والتي تخضع في المحصلة النهائية إلى القدرية التي قد نقنع فيها أو لا نقنع،وبالتالي فكل شيء يولد من هاجس المكان والبيئة والمنزل هو في النهاية مدينة بحجم متباين، لكن شكل ما ينتمي إليه قلقنا وحلمنا ونتاجنا الحياتي يكمن في هذا الفضاء الذي تسيطر عليه صور ثابتة ومتشابهة (البيت،المقهى،الشارع، بناية المدرسة، حديقة البلدية...الخ).
تختلف صورة المدينة وما تعكس من هواجس وأسقاطات بين وعي ووعي، بعضها يخضع لإشكاليات نفسية وأخرى ميتافيزيقية والبعض الآخر واقعي وهو الأغلب.
لكن صورة المدينة في شكل الميتافيزيقا المبني على التفاعل الروحي والباطني يمثل رؤية عميقة ومدركة لشكل المدينة، فهو حتما نتاج الأسقاطات المقرؤة جيدا حتى لو في شكلها الفلسفي  والخيالي كما قرأه الكاتب الإيطالي (أيتاليو كالفينو) في كتابه الشهير (مدن لا مرئية) الذي صنع فيه الشكل المتخيل للمدينة الحلم عبر تساؤلات (قبلاي خان) التي طرحها بفم المندهش على الرحالة الفلورنسي الشهير (ماركو بولو)، فكان الرحالة يصف له مدناً هي ليست موجودة أصلاً  ولكن الإمبراطور اقتنع في وجودها وتمناها أن تكون من مدن عرشه الهائل، وبالتالي فكالفينو كان في الأصل خاضع لسحر مدينة واحدة تسكن أعماقه وعليه أن يرسمها للآخرين ليحلموا معه للعيش فيها، مدن تكتمل فيها الشهوة والفن والذروة والسعادة. وهو في النهاية إنما يصور ما في ذهن البشر في حلم بناء المدينة الفاضلة والكاملة حتى لو في شكلها الغرائبي.
تمتلك المدينة غموضها وفضيحتها من خلال طبيعة وجودها، ولكل مدينة ظلها وعطرها وبيئتها المختلفة، لهذا لن يتشابه التعبير عن مدينة عن أثنين مطلقاً لأنها تعكس سحرها على خصوصية الناظر ولا تلفت إلى الرؤية الجمعية، فقد خلقت المدن لتكون خاصية الفرد التي تجمع يوم الجميع ولهذا فنحن نعبر عن مدينة نسكنها جميعنا ولكن لكل واحد نظرته في التعبير عن رؤى المدينة التي تعيش فينا.
وعلى هذا المنظور سنقرأ هذا السحر وهذا الغموض في رؤى شاعرين بارزين من شعراء القرن العشرين.
الأول عاش في عزلة الكلمات المهيبة والغريبة والأنيقة والتي تمتلك واحد من اشهر المفارقات الصورية المدهشة هو الفرنسي سان جون بيرس الحائز على جائزة نوبل للأدب عام  1961والمولود في جزيرة غوادلوب الفرنسية (1887 ــ 1975). هذا الشاعر الذي أشتغل في سلك الخارجية الفرنسية وكتب على رؤاها وسرها واحدة من أجمل ملاحم القرن الشعرية (آناباز) التي تحدث فيها عن الهم الكوني الذي يصيب القادة العظام لحظة التراجع إلى الوراء.
الثاني شاعر للذة الحس ودهشته الجنسية المثيرة، شاعر الزمن المصاغ من عزلة الزمن الهيليني والغابر والذي يمكننا أن نصنع منه جمالاً فاتناً في ثياب المحظور، لهذا كان يكتب على عتمة الشموع عن عالم قديم لم يكتشفه سواه.
اليوناني قسطنطين كافافيس (1863 ــ 1933)،  الذي لم ير من الانتماء إلى التراب اليوناني سوى النسب البعيد فقد كانت الإسكندرية هي وطنه وهي ملاذه الأول والأخير بعد أن جلبه والده تاجر القطن من أسطنبول ليعيش فيها يتيماً وموظفا بسيطا إلى أن يموت ويكتشف العالم قدرة قصائده على صياغة دهشة جديدة لعالم يغرق في الحروب والحداثة الباهتة.
لكافافيس وسان جون بيرس تكون المدينة جزء من الهم الشعري. وربما كافافيس أكثر قربا للمدينة كزاوية للحياة الشخصية،لأنه مات وعاش في مساحة معلومة واحدة هي الإسكندرية التي صنع فيها عالمه الخاص والذي ينتمي إليه بفضل التاريخ أولاً ومن ثم بفضل الموهبة التي صنعتها أم مكافحة وقاسية. ولهذا عندما يكتب كافافيس عن المدينة فهو يكتب عن تاريخه الخاص الذي ربطه بشجن الزمان المستعاد ولكن برؤية أخرى تقترب حتى من مجون الحس وانفلاته المطلق اتجاه ربيع الأمس ومناخاته التي كان يخبئ الشاعر فيها ما اعتقده العالم خلاعة الارتباط وتدوين غامض لفصول تاريخ كان العبث والحرب والفلسفة يشكلون رؤى وجود أغرقت الكون وجعلته واقفا على قاعدة الإله المتجبر زيوس في انتظار فرصة احتدام الحرب مع الفرس أو البرابرة أو ساحات اللهو وتقاتل العبيد الأشداء.
لهذا فالمدينة عند الشاعر هي ليست سوى (منفى الروح الدائم). ونقطة البحث عن شيء يفتقده دائماً. ولم تكن الإسكندرية (المدينة) بالرغم من كونيتها وبهجتها وانفتاحها البحري على العالم إلا إنها بالنسبة لشاعر مثل كافافيس نقطة من دمعة يستطيع أن يرى من خلالها زمن جميل ولكنه لا يأتي بماديته وملابسه المزركشة سوى بلحظة مرتعشة ومجنونة وثملة وغريبة وهذا ما جعل الآخرين ينظرون إلى عالم الشاعر ومدينته بريبة بالرغم منه انه حمل من البعض لقب (حارس المدينة).
على عكس كافافي كان بيرس ينظر إلى المدينة بمنظار آخر يقترب من صناعة المكان (الملحمة) فقد كان الشاعر يؤسطر أشياءه وأمكنته في كل نص يصنعه. فهو شاعر لبناء الهياكل الفخمة والجمل التي تسرد حكاية الغامض الواضح في بناء بلاغته الأنيقة والفخمة، لهذا فالمدينة عند بيرس هي القصر الذي يأوي كل الأشياء ويفرش ظله عليها، وهي تواريخ لمجد طفولة لاتصنعها بلادة الكلمات، بل تلك التي تجعلنا نسبح في مطلق حياتنا المنشأة على حبال الغسيل كضوء زمردي من شمس تتثاءب. لأجل هذا فأن مدينة سان جون بيرس مغايرة تماما لمدينة كافافيس ولكنهما يلتقيان في نقطة واحدة، تلك الدهشة التي تصنع صورة لمدينة موجودة وغير موجودة في نفس الوقت بالرغم من أن كافافي يتحدث عن مدينة معلومة (الإسكندرية)، فيما بيرس يتحدث عن مدينة معلومة وغير معلومة وهي تنتمي إلى مكان واحد أينما كانت على الأرض.
كلا عنوان القصيدتين هو (المدينة). غير أن الشاعرين يبدأن من زاوية نظر مختلفة.بيرس ينشط الأشياء في اتجاهات المطلق الذي لا ينتهي.وكافافي ينطلق إلى عمق المكان والبؤرة المشكلة للنهار والليل الرتيب الذي يعاصره الشاعر منذ ساعة الوظيفة الأولى حتى ارق الغرفة المعتمة ومعايشة الأطياف السحيقة.
يمضي سان بيرس كشأنه في تناول الموضوعة الشعرية إلى فتح مغاليق الكون أمام قراءة تراث مدنية يفترضها كما عند كالفينو. مدينة موجودة ولكن برداء الأسطورة وهيبة المشهد.
تبدأ المدينة عند بيرس بنشيده المعتاد. النشيد الذي يطلق أبواق المديح لمكان يتخيله عبر سحر الجملة والتخيل لمكان يلازمه منذ طفولته الاستوائية.مدينة تبتعد عن يومها العادي لتدخل في يومها الأسطوري المنسوج من حكايات المربيات الأفريقيات والتي تتحدث عن يوم مختلف عن طبيعة ما نشاهد يوم لمدينة نتخيلها من خلال العطور والحيوانات الغريبة والرجال الذين يمتلكون أشكالاً مختلفة، لهذا تكون المدينة مختلفة ولكنها موجودة في عقل الطفل الذي كبر ومسك لجام الكلام ليعبر عنها بما يليق بها من مكان خصب لصناعة الرؤى والتذكر وأقامت صروح ظلت تعيش مع الشاعر وتعلو معها كما أبراج الضوء في جناح الصقر.
فهي مدينة لرجال يمثلون ثقافات وحضارات عدة، أولئك الذين يصنعون المدن بما يمتلكون من قوة البدن والروح والمتشكلون من أعراق وعطور مختلفة، لهذا كان بيرس يضعهم في المدينة التي لا تتقابل مع تلك التي يأوي إليها كافافيس مع حزنه وعزلته ورتابة يومه، بيرس يضع المدينة بموازاة أحلام الرجال وطموحهم ليكونوا، لهذا يغرقها في الوصف ويمنحها المزيد من الثقة لتكون مع بناتها ومؤسسي غرابتها ويومها الساحر. الرجال الذين هم ارق من جنح الفراشة واخشن من حبل القنب.هم من يؤسسون مدينتنا ويمنحونها صفتها الكونية لتطفو على محيط العاطفة كما الحيتان الهائلة في فم قصة البحار.
((لإردواز يغطي سقوفهم، أو القرميد حيث ينمو الطحلب،وعبر أنابيب المداخن تتسرّب أنفاسهم
دهون!ورائحة رجال مستعجلين، ماسخة كرائحة مجزر!حموضة أجساد النساء تحت التنورات!
يالك من مدينة فوق السماء!
دهون! أنفاس مسترجعة، وبخار جمهور مريب – لأن كل مدينة تحتضن أوساخها فوق منور الحانوت – فوق قمامات،الملاجئ – فوق شذا النبيذ الأزرق في حي البحارة – فوق النافورة المنتحبة،في فناء مركز الشرطة – فوق التماثيل الحجرية النخرة وفوق الكلاب الضالة – فوق الصبي الذي يصفر بفمه، والمتسول بخديّة المرتجفتين على فكّيه الغائرين.))
هذه اللغة لا تصف المدن العادية أبداً، بل تصف مدينة تزدحم فيها أخيلة من نوع خاص،تلك التي تحتفي بمناخها في ظل صخب يومها السحري التي سكنت مخيلة الشاعر بأجواء زنوجتها وفرسانها الأشداء من بحارة وجنود وبائعي توابل، أنه يرصد حياة مدينة تطوف في قضاء طفولته البعيدة،تلك التي أحس معها ببهاء المدينة وأسطورتها وكأنه يصف مدينة تسكن حلمة أثداء المرضعات القادمات من مدن الأناناس والصنوبر ودوامة الريح التي لا تنتهي إلا مع ثمالة القرصان وغنج طير المساء الفخم،لهذا فالمدينة عند سام جون بيرس بمضي إلى الغرابة دائماً.
((مريب – لأن كل مدينة تحتضن أوساخها فوق منور الحانوت – فوق قمامات الملاجئ – فوق شذا النبيذ الأزرق في حي البحارة – فوق النافورة المنتحبة في فناء مركز الشرطة – فوق التماثيل الحجرية النخرة وفوق الكلاب الضالة – فوق الصبي الذي يصفر بفمه، والمتسول بخديّة المرتجفتين على فكّيه الغائرين، فوق القطة المريضة بجبهتها ذات الغصون الثلاثة.يهبط المساء على أبخرة البشر
- المدينة خلال النهر تسيل في اتجاه البحر كدمل...))
عند سان جون بيرس، تقرب المدينة من البحر دائما، وهذا يشابه كافافي في رؤاه، فهو يعيش ويموت في مدينة البحر أيضاً (الإسكندرية)، فهي في مجاورتها لهذا المدى الشاسع من الزرقة إنما تصنع عنده صورة مصغرة لما يجري على الأرض برمتها،ليصير البحر صانع للكيانات القائمة والتي تعوم على فضاء الذكريات لتصنع أخيلتها القادمة من الزمن البعيد والذاهبة إلى الزمن البعيد. فتمتزج صورة المدينة في البحر في خليط من المشاهد والاستذكار وتدوين ما يجري في ذلك اليوم الذي يبسط ألوان حياته على طبائع الأشياء ويرصد كل شيء يتنفس ليصنع منه بهجة صناعة (الحلم) على شكل مدينة.
يصف سان جون بيرس البحر وبحارته ويضعهم داخل جسد المدينة كشكل من أشكال التوافق الأبدي بين المتحرك والثابت. فالمدينة هي في النهاية مستقر لأولئك الذين يذهبون إلى الأقاصي ثم يعودون في النهاية إلى مدينة يصفها الشاعر بكل تفاصيلها، والتي تبدو دائما بالرغم من ثبات عمرانها،إنها امتداد متحرك إلى ذلك البحر الذي لاينته أفقه إلا عندما يفكر العائد إلى المدينة براحة في حانة أو أريكة مقهى.
((كروزو!- في هذا المساء، بالقرب من جزيرتك، ستأتي السّماء لتلقي مدائحها للبحر، والصمت، سيضاعف من تعجبات النجوم المتوحّدة.أنزل الستائر، ولا تشعل الضوء:إنه المساء فوق جزيرتك ومن حولها، هنا وهناك،في كل مكان حيث يستدير إناء البحر استدارة تامة،إنه المساء لون الأجفان، فوق الدروب المنسوجة من سماء وبحر.الكل مالح، الكل لزج وثقيل كدم حي.
الطائر يتهدهد في ريشه تحت حلم زيتي،الفاكهة المنخورة تسقط في ماء الخلجان نابشة ضجتها، ومن قلبها تندفع الحشرات.
الجزيرة تغفو في خليج المياه الواسعة، مغسولة بالتيارات الحارة، وبالغدد الدسمة لذكور السمك، في تآلف مع الأوحال المزهوة.))



المشاركة السابقة : المشاركة التالية