جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


عباس كيارستمي.. بين نمطية الصورة وشجاعة اللقطة الشعرية


أحمد ضياء
يعد الشاعر الإيراني كيارستمي واحد من أشهر السينمائيين الموجودون في العالم إضافة إلى كونه هذا، فهو مخرج سينمائي عالمي شهير وكاتب سيناريو ومنتج أفلام ومصور. ولد عام 1940 في طهران وتوفي في باريس 2016، اشترك في العديد من المحافل الدولية التي من خلالها استطاع أن يرسخ تجربته فيها لاسيما في مهرجان (كان) السينمائي حيث حصل على الريشة الذهبية عن فلمه (طعم الكرز).
امتاز شاعرنا في استخدامه اللقطة الثابتة والعمل على ترسيخ هذا الأمر لصالحه إضافة إلى كثرة الحوارات داخل فضاء السيارة وفي صياغة الحوارات التي يعمدها في أفلامه استطاع أن يستخدم أو يمرر الأدب الفارسي بكل شفافية بحيث أثث في هذه المزية مناخاً خاصاً في القصص وما شاكل ذلك الشيء. ولفت الأنظار في عالمه السينمائي في المجال النقدي أيضاً في لاثي كوكر وطعم الكرز وستحملنا الريح.
تشكل الريح عاملاً أساسياً في أغلب أعماله وبالتالي يحاول أن يكوّن من خلالها فضاءً جديداً من حيث المادة والطرح وبها يسهم في صياغة المواقف الطبيعية، ونجد في هذا الشاعر استخدامه الطبيعة بشكل مكرر وتأمله البارز يوحي ببساطة الطرح وصوفية الكلمة، فهو يقلد شعر الهايكو في بعض المنصوص عليها وفي الآخر يحاول أن يجعل من الطريقة الصوفية هي السائدة والأعم والأبرز ضمن هذا الفتح البياني الواضح، تعد هذه المجموعة هي الثالثة والأخيرة للراحل وفيها يختتم تجربته الإنتاجية الفائضة بالإبداع والتنقل بين الهنا والهناك.
يتجول عباس كيارستمي في مجموعته (ريح وأوراق) الصادرة مؤخراً عن المتوسط / ميلانو 2017 بترجمة محمد الأمين الكرخي، عبر الكثير من الأروقة السينمائية إذ يذهب إلى فعل (النتفة) بعده الظهير الحتمي للقطة التي يستخدمها وليس من باب المصادفة أنَّه يذهب إلى هذه الإقتناصات وإنتاج أكثر من باسطة حرفية واحدة، كونه يشكل سداً جدلياً داخل هذه النتفات المنتزعة من الطبيعة ولعله يتساءل عن أشياء تظل حتمية خصوصاً في مسألة المياه والصخرة وهذه التداولية في الارتطام مبوباً بذلك الكثير من الحركات الكتابية التي يستخدمها ضمن ألواح وبرامج تضاريسية كأن نجده يقول:
اصطدام الأمواج والصخور
حتام؟. النص ص80.
كما يرصد في باب آخر جدولة المطبخ النمطية والتي نستطيع أن نشير إليها أو نستدل في أي تقويم وأي عصر كان عبر الآتي:
جميع طقوس الضحية
جرت أمام عيني
السكّين والشوكة جاهزتان. النص ص90.
وهذا التعالق الكتابي أسهم في تأكيد الحياة اليومية في الكتابة وإنتاج كل ما هو معاش بحضور شعري يتمحور بأسباب وتشكلات مختلفة، ولعل رصده إلى الابتسامات كان تفاعلا مع ما هو جامد حوله إذ يقول :
تمَّ رصد ستّ ابتسامات
مصطنعة
في صورة تذكارية. النص ص150.
الدليل التواصلي مع الكاميرا والصورة المنتجة وهذه هي اللقطة الراكزة داخل البوابة الشعرية المتخِذة من الجماد والثابت حركة. ويرجح ببعض المكانات الهامة التي من شأنها أن تفضح سر الطفولة وما هو متراكم في الذهن عبر :
نصفُ أصدقائي ماتوا
أصدقاء المدرسة الابتدائية
قنّينة نصفُ فارغة
ما تزال الأحزان والأفراح على
ذات الشاكلة. النص ص167.
ونلحظ الأثر البالغ الذي ينص عليه الفعل الشعري، إضافة للبواكير الأولى في تجلي النص القائم، فهو يستشعر من مات وذهب مع الريح، ولعل هذا الأمر شكل له عائقاً أمام منجزه الإبداعي المكرس إلى الكثير من”الثيم”والتمظهرات الفكرية البادية عليه. إنَّ حقل الإبداع تشظى لديه وأفرد لكل ملكة إبداعية ما يمكن أن نشير إليها ومن ثم حاول وفق هذه المكونات أن يمنتج نمطاً إشكالياً داخل المكوّن الطبيعي المبصر للآخر كأي ظاهرة أخرى لكن الشاعر في هذه الأوراق كرّس عمله في تأكيد مفهومه المزمع تأثيث مشهديته وهنا يجد:
على الساحل
ضاع بيت من الشعر
لا أحد يبحث عنه.
الريح
سرقت بيتاً شعرياً
من حبل غسيل الجيران. النص ص100
يتمرأى البيت الشعري على نوافذ وحياة الشاعر ولعله لا يمكن أن يفكر بغير إنتاج نتف بسيطة ذات طابع هايكوي يتخلّد فيها ذكره، وثمة نظام عام يجمع بين التلويحة المنتقاة والموضوعة على شكل ما في داخل متن الإنتاج الشعري القائم.
في داري
حللتُ ضيفاً على نفسي
يرّن الجرس.. ضيف طُفيلي. ص128
....
في نهاية رمضان نحن
مائدة قادمة
مائدة فارغة. ص92.
....
أفكار أيضاً
لا تتخطى جدران غرفتي. ص138.
إنَّ عنصر الفراغ داخل صفحات المجموعة أجد فيه حالة أخرى تضاف إلى النصوص، فيجعل القارئ أمام عينة منتجة يجتمع عليها أكثر من نفر داخل الطاولة القرائية، وبذلك يسهم في تشطير الورقة إلى نصفين، وكأن الأمر بدأ يأخذ سلسلة أكثر اعتدالاً وتبويباً، بالتالي فصورته الإبداعية المنشطرة بين الشعر والسينما، وجدت فضاءها الأوسع داخل هذه المجموعة، فهو عبر شطر الورقة يؤكد حيرته وتشظيّه بين الأجناس الإبداعية، وتفسير كافة المعادلات الغائبة داخل المتن، من خلال بيضات محكمة النفاذ ويجري تأكيد هذه الشجرة المدونة تحت تجليات ورؤى تشمل فضاءات النص بصبغات متنوعة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية