جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


بغداد كما رآها عاشق سينما


علاء المفرجي
بغداد والسينما.. المدينة والسينما.. كيف لنا أن نختار شكل العلاقة أو ما الذي يمكن أن نكتشف من هذه العلاقة؟ وهل يمكن لبغداد كمدينة أن تنفرد مع السينما فتختلف عن علاقة المدن الاخرى معها؟
وأمام الالتباس في هذا العنوان وأعني به (بغداد والسينما)..
كان لزاماً عليَّ أن اختار أنا شكل هذه العلاقة، بالطريقة التي أعشق فيها السينما كخيار مهني.. والطريقة التي أُقدس بها بغداد أنا ابن كرخها.. فعمدت أن أطرق أكثر من شكل لهذه العلاقة، أشكال أرى أنها تشير الى المكان والفن.. بغداد والسينما.. هي ليست على أية حال أشكال أخترعها، بل هي أشكال أقترحها.. عسى أن تفلح بتجسيد هذه العلاقة.. واستميحكم عذراً إن لمستم انني في ورقتي اُفرِّط في ابراز ذاتي في موضوع ربما يبدو عاماً.
الوافد الذي احتضنته المدينة..
مثلما كان لهم الدور الأبرز، بل الفضل في شيوع هذا الفن في العالم كحالمين ثم صناعة كمخترعين.. فإن يهود بغداد هم من أسهم  في دخول السينما الى العراق، عندما نظم تاجر يهودي عراقي أول عرض سينمائي عام 1909 قبل تأسيس الدولة العراقية بأكثر من عقد من الزمن في دار الشفاء بالكرخ، وإن أول دار عرض سينمائي بناها يهودي عراقي هو (بلوكي) وحملت اسمه إبان فترة الحكم العثماني.. وهي الخطوة التي تعززت بعد تأسيس الدولة العراقية في أوائل العقد الثالث من القرن المنصرم فكانت سينما سنترال ورويال والرشيد والزوراء وغيرها، ولم تمنع التقاليد الاجتماعية الصارمة من شيوع هذا الفن وانتشار دور العرض السينمائي حتى صار جزءاً من شخصية المدينة، وطقساً من طقوس طبقتها الوسطى.
وكان أن شهدت المدينة نشاطاً محموماً للعرض وللإستيراد والتوزيع.. ثم لإنتاج الأفلام.. ودخلت بعض العوائل الاستقراطية البغدادية هذا المجال من خلال استيراد الأفلام أو إنشاء دور العرض.. وحتى عام 1985 كانت إستوديوهات وشركات الانتاج قد شكلت ملمحاً مهماً من ملامح المدينة.

طقوس السينما في بغداد
تختزن ذاكرة البغداديين للسينما (افلاماً، وعروضاً وقاعات) تقاليد وطقوساً، لا اُغالي إن قلت انها لا يمكن ان تكون إلا في بغداد.... فبغداد تعاطت مع هذا بشكل مختلف تماماً عن غيرها.
واسمحوا لي أن اسقط تجربتي الذاتية مع السينما في صورتها  وتاريخها في المدينة على الأقل في العقود الاربعة الماضية.
والخطوة الاولى تبدأ في نهاية الستينيات، وصبي يحث الخطى بصحبة أخيه الأكبر الى سينما قدري في منطقة الكرخ وهي الصالة التي انشأها قدري الارضروملي الرجل  الكرخي البغدادي الثري والتي حملت اسمه قبل ان تتحول بداية السبعينينات الى سينما بغداد.. وهي القاعة التي تعرض افلاماً سبق عرضها في صالات شارع الرشيد والباب الشرقي خاصة افلام الويسترن.. وهو ما كان حصة هذا الصبي الكرخي فيها وهو يشاهد أحد هذه الافلام (القطار الاخير) الذي جمع اثنين من ابرز نجوم السينما يوم ذاك (كيرك دوغلاس، و انتوني كوين)
لتبداً رحلة استكشاف لما تخفيه القاعات المظلمة أو قاعات الأحلام كما يسميها رولان بارت..
وقاعات العرض في بغداد لا تعتمد على عددها أو توزعها في أماكن هي على الاغلب في قلب المدينة.. بل في تخصصها في أنواع الافلام التي تعرض بما يشبه اتفاقاً غير معلن بين أصحاب هذه الدور.. فسينما غرناطة كانت قد تخصصت في عروض الأفلام الاجنبية ذات المستوى الفكري والفني الراقي.. وربما هي من احتكرت افلام النجم الفرنسي ألن ديلون.. ومازلت اتذكر مشاهدة أهم فيلمين له بصحبة عبقري الاداء الفرنسي جان كابان (رجلان في مأزق) و(الارملة) والاخيرة ما كانت ولا سيمون سينوريه أحد عبقريات السينما الفرنسية.. وبالطبع في غرناطة حاولنا أن نتقصى اسرار اغتيال المعارض المغربي (المهدي بن بركة) في الفيلم الفرنسي (الاغتيال)..  وليس بعيداً عنها كانت سينما الخيام التي تخصصت بعرض افلام (الويسترن)، واذكر من هذه الافلام (الجندي الازرق) الذي مازلت أراه الفيلم الأفضل في تناول موضوع الحرب الاهلية الاميركية، وايضاً بشاعة اليانكير...
وتختزن الذاكرة لصالة سميراميس في شارع السعدون افلاماً اقترنت بنضوج الوعي السياسي بداية السبعينيات مع افلام مثل (Z) و (ساكو فانزبني) و (الى البوليسي مع التحيات) وهي افلام كانت تشحذ الحماسة فينا في الايام تلك.. وتستقر سميراميس  في ذاكرتي كونها آخر قاعة ادخلها لمشاهدة فيلم نهاية الثمانينيات وقبل ان تكتسحنا الفوضى في كل شيء.. وكان فيلم (حناك) لكوستا غافراس، الذي ما كان ليسمح بعرضه في ذلك الوقت لولا انتصاره لـ (قضيتنا المركزية).
ثم نتوقف عند سينما بابل التي تخصصت بمنهاج أسابيعها المختلفة وخاصة (اسبوع الفيلم السوفييتي) الذي كان يتكرر كل عام تقريباً.. ومازلت اتذكر مشاهدتي في هذه الصالة للانشودة السينمائية المعجزة (مخيم الغجر يصعد الى السماء) بتوقيع اميل لوتيانو.. عن احدى روائع مكسيم غوركي.
وعلى مقربة منها سينما النصر والافلام العربية الكبيرة.. وحدثها الأهم صيف عام 1973 عندما جعلتنا وجهاً لوجه مع النجم الذي نحب، كمال الشناوي وهو يفتتح عرض أحد أفلامه في بغداد.

بغداد في السينما
لم تحضر بغداد في السينما، كبطولة مكان.. او كموضوع متكامل.. فبعد اكثر من ستة عقود واكثر من مئة فيلم بقليل، لم تحظ بغداد كمكان في الافلام العراقية بالأهمية التي نتمنى واقتصر حضورها كديكور خلفي يمكن الاستغناء عنه بمكان آخر.. بمعنى انه كمكان لم يتداخل وموضع الفيلم.. مثلما لم تنفعل الشخصيات والأحداث بالمكان.. الذي يمارس بدوره تأثيراً بوصفه شخصية لها ابعاداً وامتداداتها الاجتماعية والثقافية، بالشخصية أو الحدث.
وباستعراض سريع للافلام العراقية سنجد انه حتى هذا الحضور السلبي بمعنى غير المؤثر لم تتوافر عليه الغالبية العظمى من الافلام العراقية، حتى تلك التي تدور احداثها في هذه المدينة..
وكان يمكن لبغداد كمكان أن تأخذ حقها السينمائي إن صحت التسمية بالطريقة التي خضعت بها روما لموشور فيلليني من خلال عدد من افلامه وربما في أكثر افلامه.. حيث ينجلي التاريخ تارة، والعلاقات الاجتماعية تارة اخرى.. بل وحتى جغرافية المدينة وشواخصها التاريخية..
او كما أخذت نيويورك من اهتمام مخرج عبقري آخر هو سكورسيزي.. فمعه ذهبنا الى ما قبل اكثر من مئتي عام عندما كانت المدينة (أعني هنا نيويورك) نهباً لعصابات القتل والتناحر المذهبي والعرقي.. ومعه ايضاً تجولنا في شوارعها الخلفية ووقفنا عند حاضنة الجرائم.. ومع الملل والأقوام القادمة من كل بقاع الارض، فعايشنا في كيتواتها تقاليد وأصول وثقافات ومع سكورسيزي اتعبنا النظر الى الأعلى حيث الابنية تخترق السحب وبالطريقة نفسها اصطحبنا وودي الن في عالم هوليوود المدينة والنساء والشهرة وأيضاً الدسائس.
ولكن لم ينل مخرج سينمائي شرف أن يحفر في تاريخ بغداد أو يبرز سحنة أبنائها.. أو يقف عند نسيجها الاجتماعي او يستنطق شواخصها او يوثـِّق لرموزها.
ونحن نتحدث هنا عن السينما الروائية، ذلك ان السينما الوثائقية حاولت الاقتراب من كل ما ذكرنا.. ولكنها لم تقنعنا جمالياً او فكرياً.. الا باستثناءات قليلة، وربما يحضرني في هذا الاستثناء رائعة بسام الوردي ورياض قاسم (حكاية للمدى)، حيث شواكة كرخ بغداد رمز من رموزها الشامخة (يحيى جواد) وفي جردة سريعة لبعض الافلام العراقية على امتداد تاريخ الفيلم العراقي، نستطيع ان نقف على حضور المدينة وان بشكل ديكوري كما أسلفنا.. فيلم (القاهرة- بغداد) الذي اخرجه أحمد بدرخان بانتاج مشترك مع مصر صورت مشاهد قليلة منه في بغداد، لكننا في فيلم (مَن المسؤول) المنتج عام 1975 بتوقيع المخرج عبد الجبار توفيق ولي عن رواية للكاتب العراقي الرائد أدمون صبري نقف عند صورة جميلة لبغداد في عقد الخمسينيات، تتجلى منها تفاصيل اجتماعية واقتصادية كثيرة.. والامر ينطبق ايضاً على فيلم (سعيد افندي) للمخرج كاميران حسني.. واختار المخرج الراحل عبد الهادي مبارك تصوير أغلب مشاهد فيلمه (عروس الفرات) عام 1958 في مناطق مختلفة من بغداد..
لكننا مع فيلم (الجابي) للمخرج جعفر علي.. نتعرف على تفاصيل الحياة اليومية في بغداد الستينيات، حيث نماذج بشرية مختلفة نلتقي في (باص) للنقل الداخلي.. وهو فيلم حاول التقاط صورة لشكل العلاقات خلال تلك الفترة..
وبسبب موضوع الرواية المعالجة، وهي رواية (5 أصوات) للروائي الكبير غائب طعمة فرمان، فان فيلمه (المنعطف) الذي اخرجه جعفر علي ايضا وكتب السيناريو والحوار له نجيب عربو مع الشاعر صادق الصائغ.. هو اكثر الافلام العراقية التي تتجلى بها المدينة مكاناً وحدثاً.. فمن خلال الشخصيات الخمس في الفيلم نتعرف على الملامح السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمدينة.
نخلص الى ان بغداد لم تكن كمكان وحدث موضوعاً لفيلم عراقي على الطريقة التي استعرضنا بها أفلاماً لمدن حملت تواقيع مخرجين كبــار.

عندما يكون المكان بطلاً
مدن، تحرر مبدعو السينما من هيمنتها، فخلدوها قصائد بصرية، أو أيقونة للحب  وللتذكر.. مدن خضعت لموشور مخرجين، فتشظت صوراً وحالات جديدة.. مدن أصابت  شهرة فنية واسعة بفضل السينما.. روما، نيويورك، باريس، ومدن أخرى.
في فيلم (نيويورك أحبك، أسهم احد عشر مخرجا في بورتريهات لهذه المدينة من زوايا متعددة ورؤى إخراجية مختلفة، كانت لكل مخرج مدينته التي يعشق، يقدمها بالطريقة التي يحب، وبالنتيجة التي يرغب.. كذلك فيلم (باريس أحبك) الذي تناوب على إخراجه ثمانية عشر مخرجاً قدموا لنا باريس مدينة النور، وأخرى مدينة مترو الإنفاق، وأيضا مدينة الحب والإلهام الفني.. وسنحت لنا فرصة مشاهدة اسطنبول برؤية سبعة مخرجين متوسطين (من حوض المتوسط) في إشارة إلى انفتاح تركيا على هذا العالم، كان ذلك من خلال فيلم (لا تنسيني اسطنبول).
وعلى الخطى نفسها يجتمع عشرة مخرجين أفغان على حب مدينتهم بفيلم يحمل عنوان (كابول أحبك).. المدينة التي شهدت على مدى ثلاثة عقود حروباً ومآسي اجتماعية واقتصادية مدمرة.
مثل هذه الأفلام بالتعددية الإخراجية واختلاف المعالجة وتنوع الرؤية، تعيد إنتاج المدينة، واختزالها بذاتية الصانع المبدع، بفكرة أو شاخص، أو حدث يشير إليها لا لغيرها.. أفلام تجمعها الفكرة والمكان وتفرقها أساليب الطرح.
أكثر من ثلاث حروب كارثية تخللتها، وثلاث حروب مدمرة، وحصار أنهك الناس، وكل ما تجلى عن ذلك من مأساة اجتماعية واقتصادية، هو ما يرسم ملامح مدينة اسمها بغداد.. والتي تستحق من سينمائيينا أن يلقوا عليها تحية حب، أسوة بالمدن التي ذكرنا.. المدن الضاربة جذورها في عمق التاريخ وحدها التي تستحق أن نحتفي بها ونقيم لها أعراساً.. بغداد لم تتفحصها بعد كاميراتكم لتلمس مواضع جروحها وتبلسمها.. مدينة تسحق أن توثقوا بعضاً من أوجاعها.
أفلام تحكي عن بغداد المكان، التفاصيل، الذكريات، الشواخص والرموز.. اختاروا انتم زوايا التصوير شرط أن تقدموا للمكان البطولة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية