جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ


ترجمة: ستار كاووش
رامسغيت ١٧ نيسان ١٨٧٦
أبي وأمي العزيزين
محبتي لكما ولباقي العائلة، وأرجو أن التلغراف الذي أرسلته قد وصلكما. تساءلت مع نفسي وأنا أغادر، والحزن يملأ قلبي، ترى هل يمكننا إختيار سعادة البقاء معاً، أم إننا مرغمون على الفراق الذي يثير الحزن والكآبة؟ لقد كُتِبَ علينا أن نفترق عن بعضنا مراراً. لكن،
لا أعرف لماذا شعرتُ هذه المرة بحزن أكبر مما كنت أحسُّهُ في المرات السابقة، وهذا ما لاحظته على وجهيكما أيضاً. لكن حسبنا أن نتحلى بالصبر ونَتَكَيَّفُ مع الضرورات التي لا مناص منها.
في محطة القطار، بدت لي الطبيعة غريبة وليست كما عرفتها، كان الجو رمادياً تتخلله موجات من البرد القارس. بيد أنَّه تَحَسَّنَ قليلاً مع مرور الوقت، وأنا كذلك صرتُ أفضل حالاً. مرَّ القطار على بعض المراعي التي ظهرت وهي تتمددُ مسترخية بصمت وسكينة. وبينما الهدوء يَعِمَّ كل شيء، إختفى جزء كبير من الشمس خلف سحابة رمادية، وقد إختَرَقَ شعاعها الذهبي حافة السحابة، ليلتمع بعدها فوق الحقول مثل قطع نقود ذهبية تنثرها السماء. مع هذا أحسست بحنين كبير يسحبني بقوة الى البيت. فكرت بكما وبتيّو وآنّا وبباقي العائلة، وفي غمرة إنشغالي بكم، اقترب القطار من التلال السبعة*، فغطى الحنين ملامح وجهي من جديد، حيث أعادني هذا المشهد، لذلك اليوم الذي أوصلتماني فيه الى المكان ذاته، حيث المدرسة الداخلية عند السيد بروفيلي، أتَذَكَرُ حينها كيف وَقَفتُ مع حقيبتي على الرصيف المحاذي لباب المدرسة، وأنا أراقب العربة التي بدأت تختفي شيئاً.. فشيئاً وهي تنطلق بكما على الشارع المبتل بالمطر. تذكرتُ ايضاً ذلك المساء الذي زارني فيه أبي لأول مرة في المدرسة، ليأخذني بعدها معه الى البيت لقضاء الكريسمس.
إنطلقت بنا السفينة نحو بريطانيا، لحظتها تذكرت اختي آنّا وإستَعَدتُ رحلاتنا الممتعة معاً. أصبح الجو صافياً بعد ان تجاوزنا نهر الماس*، حيث لَمِحْتُ رمال الشاطئ التي إلتمعت وَبَدَتْ شقراء بفعل الشمس، عندها مَدَّ لنا البحرُ يدهُ الزرقاءَ ليقودنا بعيداً، فتغيبُ هولندا خلفي ولم يظهر منها سوى فنار بعيد شاحب. بقيت على سطح السفينة الى المساء، ثم نزلت الى المقصورة بعد أن بدأ البرد يتسلل الى جسدي. في الصباح التالي، خلال الطريق من هارويش الى لندن، إمتدت حقول داكنة اللون، ومراعٍ خضر
كبيرة، مليئة بالأغنام والحملان الصغيرة. تظهر بينها بعض النباتات الشوكية، كذلك تناثرت هنا.. وهناك أعدادٌ من أشجار البلوط التي بَدَتْ أغصانها معتمة، بينما تسلقت سيقانها بعض الطحالب الخضراء الرطبة. السماء صارت زرقاء مظلمة قليلاً، مع بضعة نجيمات بعيدة، وغيمة رمادية وحيدة وكبيرة سَدَّت الأفق. وبينما كانت الشمس تَهِمُّ بالشروق تناهى الى سمعي صفير قُبَّرَة، خِلتُهُ تلويحة بعيدة من الوطن.
محطة واحدة تفصلنا عن لندن. بدأ الصباح وغدا المناخ مختلفاً. ذَهَبَتْ السُحُب الرمادية ولاحت الشمس بسيطة دافئة، كانت مريحة مثل فتاة غير متكلفة، وكبيرة وواسعة بالقدر الذي تسمحُ به الطبيعة. كانت شمساً تليق بعيد الفصح. وأنا أنظر الى العشب الطري الناصع بفعل الندى، تذكرتكم وتمنيت أن أستبدل كل هذا الجمال بمناخٍ كئيبٍ مظلمٍ شريطة أن تكونوا معي. قضيت وقت الظهيرة على سطح السفينة، حتى مغيب الشمس، كان لون البحر أزرقَ داكناً، تَتَخَلَّلُهُ أمواج عالية ذات حافات بيض مسننة. الشاطيء بعيد عن متناول البصر، والسماء زرقاء شاحبة، ولا أثر لأية غيمة. الشمس هيَّأت نفسها للمغيب من جديد، ورَمَتْ شريطاً لامعاً ومتحركاً فوق سطح الماء، أحال المكان الى مشهدٍ جليلٍ وبسيطٍ وصامت. إن هذه التفاصيل تجعلني أقشَعِرُّ بشكل لا إرادي من فرط جمالها، وبكل الاحوال هي تحملُ عمقاً ومودةً أكثر من مقصورتي التي قضيتُ فيها الليل بين المسافرين السكارى والمدخنين الذين يملأون المكان بغنائهم الصاخب.
في لندن، تأخر وصول القطار ساعتين، بعدها كان علينا أن نقضي أربع ساعات ونصف، لنصل الى رامسغيت. الطريق كانت ممتعةً وتحيطها بعض المرتفعات الصغيرة التي ذَكَّرَتني بالمرتفعات هناك. بانَتْ الأعشاب الجافة وهي تفترش أماكن واسعة على مَدِّ البصر، ومن بينها إنبثقت أشجار البلوط الضخمة. وبمحاذاة التلال رقدت قرية صغيرة، يتسلق اللبلاب على واجهات بيوتها، وتتوسطها كنيسة رمادية، بينما إلتمعت أشجار الفاكهة المزهرة، وبَدَتْ رائقة بفضل الخلفية التي كَوَّنَتها السماء بلونها الأزرق الشاحب، وبضعة غيمات بيض ورمادية. مررنا على كانتربوري، وبيوتها التي تعود الى القرون الوسطى، وقد أحاطت بهذه البيوت القديمة الثابتة، مجموعة من أشجار الدردار التي جعلت المشهد بهيجاً، حتى بَدَتْ وكأنها مجموعة فتيات في عرس من اعراس القرية. أنا متأكد بأني قد شاهدتُ بعض اللوحات التي تمثل جانباً من هذه القرية الجميلة. أتأمل هذه التفاصيل من نافذة القطار الصغيرة، وفي الوقت ذات ينشغل بالي بما ستكون عليه ايامي القادمة في رامسغيت. قبيل الساعة الواحدة ظهراً ذهبت الى المدرسة، لكن السيد ستوك* لم يكن موجوداً، فعدتُ مرة أخرى في المساء، وإستقبلني ابنه ذو الثلاثة وعشرين عاماً، والذي يعمل معلماً في لندن. ظهيرة اليوم التالي كان السيد ستوك يأخذ مكانه على طاولة كبيرة بصحبة أربعة وعشرين تلميذاً تتراوح اعمارهم بين ١٢ و١٤ سنة. كان شيئاً نادراً بالنسبة لي أن أرى أربعة وعشرين صبياً يأكلون على طاولة واحدة. المدرسة ليست كبيرة، لكن نوافذها تطل على البحر. بعد أن تناولنا الطعام، تجولنا قليلاً على الساحل الذي كان مريحاً ومنعشاً، والبيوت التي تطل عليه، كانت بسيطة وتم بناؤها بالحجر الأصفر على الطريقة الغوطية. والحدائق هنا مليئة بأشجار الأرز، ونباتات عشبية صغيرة دائمة الخضرة. مع ميناء مليء بالمراكب، يفصله عن اليابسة رصيف حجري طويل يستخدمه الأهالي للتجوال.
البارحة ذهبنا بصحبة الأولاد الى الكنيسة التي لاحظتُ على أحد جدرانها كتابة تقول (أنا نصيرك في هذه الدنيا) فشعرت براحة وطمأنينة. في الساعة الثامنة مساءً ذهب الأولاد الى النوم، ليستيقظوا اليوم باكرين عند الساعة السادسة صباحاً.
بالإضافة لي يوجد هنا ثلاثة معلمين شبان، ونحن ننام سوية في بيت منفصل بمحاذاة المدرسة، وهنا خُصِّصَتْ لي غرفة صغيرة عُلِّقَتْ على جدرانها الكثير من الأعمال الطباعية. سأتوقف الآن عن الكتابة، لكن قبل هذا أقول لكما بأني قد قضيت وقتاً جيداً بما فيه الكفاية. شكراً على كل ما قمتما به من أجلي.
تحياتي الى لِيز وألبرتينا وكل اخوتي واخواتي
أشد على أيديكما بحرارة، مع كل محبتي
خالص محبتي
فنسنت

هوامش المترجم:

* التلال السبعة: مدينة في جنوب هولندا. التحق فنسنت بمدرسة داخلية فيها أيام صباه.
* *نهر الماس: نهر ينبع من فرنسا ويمر ببلجيكا ثم جنوب هولندا، ليصب في بحر الشمال.
* *السيد ستوك: صاحب المدرسة الداخلية في مدينة رامسغيت ببريطانيا، والتي عمل فيها فنسنت مدرساً مقابل مبلغ بسيط جداً إضافة الى طعامه وشرابه ومكان إقامته.   



رامسغيت ٣١ حزيران ١٨٧٦

تَيّو العزيز
وصلني خبر ذهابك الى أتن*. لحسن الحظ، لم يبق البيت خالياً، حيث بقي الاربعة الآخرون هناك، لقد كتبَ لي أبي وأخبرني كيف ذهبتما في ذلك اليوم معاً، وحدثني عن كل التفاصيل. فَرِحتُ بذلك كثيراً وشعرتُ بأني قربكما وأضعُ يديَّ بيديكما. أشكرك أيضاً على رسالتك الأخيرة، وأود أن أحدثكَ عن شيء هائل حدث هنا مؤخراً.
لقد مرَّت بنا عاصفة رهيبة جداً. آه لو تعرف كيف قَضينا تلك الليلة الصاخبة، لقد تحوَّلَ البحر الى قطعة صفراء، وخاصة في الجزء القريب من الساحل، ولاحَ في الأفق خط بعيد لضوءٍ خافتٍ، جثمتْ فوقهُ سحابة رمادية كبيرة تثير الرهبة. بينما أخذ وابل المطر المائل يهتَز وهو ينحدر من السماء مثل السلاسل. والريح تعصف بالغبار والاحجار الصغيرة في الممر الأبيض الضيق، وتبعثرها على صخور الساحل. كانت أشجار الزعرور تخفق بعنفٍ وتتمايل حتى تقترب أغصانها من الزهور التي نبتت على حافة السياج الصخري، بينما يرتجف على يمين المدرسة حقل القمح اليانع بلونه الأخضر الطري ويتلوى تحتَ أقدام الريح الضاربة. أمّا الأبراج والطواحين وسقوف البيوت الغوطية، وكذلك الميناء الذي يقع بين حاجزين كبيرين من الحجر، فكلها بدت تحت العاصغة كالأشباح، بعد أن اكتسبت مظهر المدن التي رسمها البرت ديورر*.
إنتهت العاصفة بشكلٍ تدريجي، لكني كنتُ أُتابعُ أذيالها الباقية وهي تمتزج مع مياه البحر وتتغلغل في ثناياه، لتحيلهُ الى مسطحٍ رمادي كئيب. بعد مرور بعض الوقت لاحَ ضوء الأفق من جديد، ليأتي الصباح هادئاً وفي فمه ملعقة من ذهب. كان الوقتُ مبكراً جداً، ومع ذلك تناهى الى سمعي تغريد بعض العنادل وصفير عدد من القبرات في الحديقة المطلة على البحر، ليبرق بعدها ضوء الفنارات ثانية مهيئاً نفسه لمراقبة السفن القادمة.
في الليلة التي تلت ذلك، قضيت وقتاً طويلاً أنظر من خلال النافذة الصغيرة التي في غرفتي نحو البيوت التي أحاطِتْ بأشجار الدردار التي بَدَتْ هاماتها كالحة كالليل، بينما أَطَلَّتْ من بينَ سطوح القرميد نجمة كبيرة حانية، منحتني إحساساً بالطمأنينة والدفء. وقتها فكرتُ بأيامي التي مضت سريعاً، وتذكرتُ بيتنا ونحن مجتمعين معاً، وإجتاحت مشاعري هذه الكلمات، وأخذتُ أرددها (إحمني من الذنوب، وامنحني نعمتك، لا لكوني أستحقُ ذلك، بل لأجل أمي الطيبة. أنت من يمنح المحبة، ولا يستقيم أمرنا دون بركاتك). ستجد مع الرسالة، تخطيط صغير رسمته للمكان الذي تطل عليه نافذتي، كي تتخيل المشهد، وكذلك لترى الساحة التي يتجمَّعُ فيهاالصبيان مع أهلهم بعد انتهاء الوقت المخصص للزيارة، لينطلق الأهل بعدها نحو محطة القطار. لا يمكن لأحدٍ هنا ان ينسى هذا المشهد ابداً.
هذا الاسبوع استمر المطر بالهطول، وكنت اتمنى ان تشاهد منظر الساحة، خاصة عند إشعال أعمدة النور، حيث يغتسلُ الضوء الخافت بحبات المطر وينعكسُ متأرجحاً على الأرضية المبللة. في الأيام الأخيرة لم يكن مزاج السيد ستوكس جيداً، لذا فهو يقوم بحرمان الأولاد من الخبز والشاي مساءً إذا خرجوا عن طوعهِ قليلاً. عليك أن تقف هنا، خلف هذه النافذة لترى المشهد بنفسك، في هذا المكان يمكنك أن تعرف وتتحسس كيف تكون العيون مترقبة وكئيبة. تَخَيَّل، هؤلاء الأولاد المساكين ليس لديهم ما ينتظرونه سوى الأكل والشرب، ومع ذلك يُحرَمونَ من هذه (النعمة) بسبب مزاج هذا السيد! ألا يكفيهم عبء عبور السُّلَم المظلم والممر الضيق الذي يوصلهم بمشقَّة الى طاولة الطعام، ليجدونها في نهاية الأمر خالية؟
شيء آخر أثار إستغرابي هنا، وهو الحَمّام ذو الأرضية العفنة، حيث تنتصب ستة أحواض بالية لغرض الأستحمام، تغمرها رائحة نتنة، ولا يخفف من وطأة ذلك حتى الضوء الخافت الذي تبعثه الشمس ليربت بأصابعه الدافئة على المغاسل، بعد أن يتسللُ بلطفٍ من خلال النافذة ذات القضبان المتآكلة. أنت تعرف بأن هذه التفاصيل تجعلني اشعر بعدم الراحة والحزن. على كل حال، فالمرءُ بحاجة الى شتاءٍ واحدٍ هنا ليعرف نوع الكآبة التي تملأ هذا المكان.
بعض الأولاد تسببوا بسقوط بقعة زيت صغيرة على التخطيط الذي أرسلهُ لك مع هذه الرسالة. سامحتهم على ذلك، وأرجو أن تلتمس لهم العذر أيضاً.
والآن أقول لك من هنا، طاب مسائك ياأخي، أوصل تحياتي لكل من يسأل عني، وإن ذهبتَ الى بورخرس فبلغه سلامي، كذلك محبتي لويليم وفالكيس وكل عائلة روس. ستظل على بالي دائماً.
أشد على يدك بقوة.
أخوك المحب فنسنت.

هوامش المترجم:
*أتن: مدينة في جنوب هولندا، توحدت فيما بعد مع مدينة لور القريبة منها، لتصبحان مدينة واحدة تعرف الآن بأسم أتنلور.
* البرت ديورر: رسام كلاسيكي الماني (١٤٧١-١٥٢٨) اشتهر بتخطيطاته المذهلة واعمال الحفر على الخشب. يعتبر اعظم رسام الماني على مرِّ العصور.



المشاركة السابقة