جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


دوانو فيلسوف الحياة المرئية


فاضل عباس هادي
عندما زار المصور روبيرت دوانو الكاتب الفرنسي بول ليوتو اندهش هذا الأخير من معرفة المصور دوانو في الأدب وقراءته لبعض أعمال الكاتب المتزهد العزوف عن الشهرة والمغريات المادية وقال له انه لعصر غريب أن يقرا المصورون أعمالي الأدبية والروائية.
إلا أن دوانو ليس من هواة الأدب فقط، وانما أيضا من الرجال الفاعلين في عصره وكتابه «تصريف فعل التصوير غير التام » الصادر عن دار «بابل » الفرنسية بالتعاون مع مكتبة «اكت سود » الواقعة في مدينة أرل الفرنسية حيث يجري كل سنة أكبر مهرجان للتصوير الفوتوغرافي، محاولة أولى في كتابة السيرة الذاتية من خلال حياته ولقاءاته بكبار رجال عصره من فنانين وكتاب ومصورين. وهو في طبعته الأولى الصادرة في العام 1989 وطبعته الشعبية الصادرة في 1995 إطلالة على عقل وقلب مصور فنان. وتلمس في الكتاب توقد المصور وابتهاجه بمشغلته الأثيرة وتراه يتساءل بتعجب واندهاش طفولي «قل لي أي مشغلة أخرى في العالم تمكنك من دخول مرسم بيكاسو والتوغل عميقا في مناجم الفحم؟ وأي مشغلة أخرى في العالم تمكنك من الدخول في أقفاص الأسود في حديقة الحيوانات أو أن تدخل المطبخ الذي كتب فيه بليز سندرار روايته «الإنسان نهب العاصفة » أو أن ترى المخرج برتراند تافيرنيه وهو يقرض أظافره وراء الكاميرا؟ » هذا التعبير عن الاندهاش يلازم المصور دوانو وهو يتسكع في مدينته المفضلة باريس بدون هدف سوى البحث عن اللقطة الدالة المشحونة بالأسى تارة والفكاهة تارة أخرى أو وهو يتجه إلى باريس كما يتوجه الإغريقي إلى موعد مع القدر ليلتقي ويصور هذا الفنان أو ذاك الكاتب.
وكتاب دوانو حافل بالأسماء الكبيرة التي دخلت إلى كل بيت مثل الرسامين بيكاسو ورفيقه في المدرسة التكعيبية جورج براك، ومصور البورتريت الأرمني الأكبر يوسف كارش «يوسف أوتاوه » نسبة إلى المدينة الكندية التي عاش فيها.
لقد أشرنا إلى «فلاسفة الضوء المتاح » ودوانو في كتابه الحيوي والعضوي بل العضلي يرد على بعض الفلاسفة المتخشبين، ويعلي من شأن الحياة الفاعلة، الحياة كما نعيشها في الشارع لصق حركة الناس اليومية وعلى تماس مباشر مع الضوء والأشجار والانعكاسات الإلهية على وجوه البشر. الشارع أو الساحة العامة هي فلسفة دوانو ومسرح ابتهالاته وتنهداته وكشوفاته البصرية المؤثرة، وإليه وإليها يعود دائما كلما شعر بأن التجريد المتخشب بدأ يتسرب إلى عروقه الحية.
وهو، في الواقع، من أساتذة التصوير العالمي في مجال التصوير الشارعي وتأثيره على المصورين الشباب لا يمكن حصره. ويذكرنا المصور بأن بعض المدن تصلح للمصور ويزدهر فيها وينمو، وبعض المدن لا تصلح تماما لذلك، وباريس، بالنسبة له وبالنسبة لجمهرة كبيرة من المصورين في مختلف أنحاء العالم هي واحدة من المدن الأولى، المدن التي تأسس فيها مفهوم الجوال أو جواب الآفاق، أو بتعبير أكثر نعومة في فرنسيته Flaneur . وتراه يعتب على أحد المصورين الفرنسيين لانه اختار نيويورك لمتابعة مشغلته الأثيرة: التصوير، اعتقاد منه أن نيويورك ليست مدينة مصممة للتسكع و «اصطياد الصور .»
وهو ينظر إلى نفسة كطاقة حياتية نيتشوية مجردة تقريبا من التساؤلات الفلسفية العويصة. ويعترف بأن طرح التساؤلات المذكورة يؤدي بالتأكيد إلى الشلل وتعطيل الاندفاعية الحيوية وزخم الحركة اليومية وان بدت لاغائية في تصور الفلاسفة أو بعضهم لئلا نجني على جميعهم. وهو يرى انطلاقا من الحكمة الدهرية المستخلصة وهي أننا نعرف نهاية العقدة وأن الزمن في النهاية هو الذي ينتصر علينا.
ويبتعد دوانو عن المعضلات الميتافيزيقية واللاهوت، ويعتمد فلسفة مرئية لصيقة بما هو معيش وما هو محسوس فيذكرنا، وبشكل رائق وجميل بأن المصور يتعامل مع ما يراه أمامه في لحظة ما ومكان ما، وانه قد يضيق ذرعا بالاعتمالات المجردة وان خرجت من فم فنان عملاق مثل قسطنطين برانكوزي وهو يقول بأنه لا يبحث عن التفسيرات المنطقية، لأن مثل هذا البحث سيؤدي به إلى وقف كل نشاط.
إلا أن هذا لا يعني أن التصوير نشاط محايد. وهو مع مرور الزمن يزداد قوة على الإيحاء كزهور جافة متروكة بين صفحتي كتاب. الإيحاء، يمكن القول، هو أحد مفاتيح التصوير وأحد محركات شاعر الكاميرا: روبيرت دوانو يلقي بنظرة حانية على الوضع البشري، وبروح رواقية يغني الحياة وتجلياتها السحرية في كل لحظة.
واسمه ارتبط والى الأبد ببعض اللقطات المعروفة مثل «عناق عند فندق المدينة » ولقطة أخذها دوانو هي اللقطة الأخيرة بعد اللقاء مع الرسام جورج براك وهو يمشي على طريق مرتفع في طريقه إلى الاختلاء بنفسه. مبتعدا عن العالم بأكمله وعن المصور نفسه بعد أن سمح له بتصويره في مرسمه القريب على الأرجح، من «مونمارتر » حي الرسامين الشهير في باريس الأسطورية.
عن كتاب
(السيدة لايكا  تنتظرك في البيت)
المعد للطبع



المشاركة السابقة