جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كل هذا ولا أرتاب في الجمال


علاوي كاظم كشيش
في عام 1970
في منتصف أيلول.وقفت سيارة منظمة التحرير الفلسطينية أمام بيتنا في كربلاء وهي تحمل جثة قريبي الفدائي كمال.وقد نُسف نصف رأسه الجميل في مجزرة أيلول في عمّان، والتي نفذها الملك الحسين بن طلال ضد الفلسطينيين.كان أصحابه الفدائيون يبكون ببدلاتهم المرقطة ولحاهم البارزة.
وكان ليل كربلاء مرقطاً بدموع الناس المتجمهرين.في ليلة كان أبي فيها يحدثني عن حرب الشمال وقساوة الأكراد وخناجرهم التي تلمع في الليالي السود.
في عام 1971
سكنا قرب مغتسل المخيم،ومن هناك عرفتُ أن الموتى لا يعودون،فزاد شغفي باللعب والدراسة والعمل.وصرت أضحك وفي الروح الصغيرة هاوية للغياب،وزادت ريبتي في الجمال.
في عام 1972
تم تسفير جيراني وأصدقائي الى إيران،وأقبية سجون الأمن،أصدقائي الذين كنت ألعب معهم في محلة المخيم ولم تختف ظلالهم من عيوني حتى الآن.ولم أرهم بعد ذلك.
في عام 1973
تغير وجه كربلاء،وتبدلت خريطتها،وقلّ الحمام في مرقد الحسين،وصارت أضوية السيارات والعربات زرقاء واندلعت الأغاني الحربية، لقد كانت حرب اكتوبر،ذهب خالي إليها وعاد مرعوبا بعد انقاذ دمشق من الاسرائيليين،فقد قصفتهم الطائرات السورية وقتلت بعض أصدقائه.
في عام 1974
في الخامس الابتدائي، بسنواتي العشر،جلست لأول مرة أمام ضابط اأمن للتحقيق معي بأسئلة لا أعرف منها شيئاً، في مديرية أمن كربلاء،أنا وأخي حسين،لأني دست على صورة أحمد حسن البكر دون قصد مني.
في عام 1975
في السادس الابتدائي،دخل جواد البقال الوسخ،وخلفه يمشي مدير مدرستنا مثل ديك مخصي،وقال: أصبحتم بعثيين، إجلبوا غدا صورتين لكل منكم،وشكرناه لأنه أرانا قذارة الحزبيين،وتعلمنا أن نتهرب من جواد الوسخ دائما.
في عام 1976
تابعتُ هجومات تل الزعتر وحرب بيروت الأهلية،وعرفت أن المدينة بشوارعها وحاراتها قد تصبح في لحظة مذبحة، أبطالها أبناؤها،وهم يقتلون بعضهم بعضا.
في عام 1977
صار رجال الأمن كثيرين،يرتابون في تجمعنا أنا وأصدقائي،ويطلبون هوياتنا الصغيرة وهم يحدقون في شواربنا الناعمة بريبة.وصار المدرسون لا يخرجون عمّا في المناهج من كلام كما في قبل،خوفاً من طلبة كانوا عيوناً وآذاناً على الجميع.
في عام 1978
عرفتُ ما هي الأنثى،وما هي القصيدة، ومن هم الشعراء الذين يتحولون الى ضفادع أو كلاب نابحة مقابل نصف رغيف،ومن هم الشعراء العظماء المحذوفو الظلال الذين ينحتون كلماتهم بألم بالغ على صخور الزمن.
في عام 1979
أصبح التاريخ جنرالاً مهيب ركن،يحمل على كتفيه النسر والسيفين،والناس يدبّ في عروقهم الخوف،والكلاب العاوية المسعورة ترتدي البدلة الزيتونية اللون،وتدربنا على السلاح في العطلة الصيفية.
في عام 1980
صار البلد معسكراً لآمر واحد،يعينه آلاف الجبناء،وصارت الحرب تدعي أنها أمّنا، وهي التي أرضعتنا،وبدأت تأكل قلوب الأمهات بشهية،ونسي الرجال البكاء.كان لحمنا طرياً حينذاك،ولم تنم الحرب لأنها جائعة دائما.
في عام 1984
أخذتنا الحرب من مقاعد الدراسة،وعلمتنا القذارة والقسوة والكراهية والاستمناء في الخنادق والضحك الأبله والخوف الذي يدبّ في العظام.كنا نأكل طعامنا وجثث أصدقائنا تتفسخ أمام أنظارنا في الأرض الحرام.كانت نهارات الحرب مريبة جداً بينما الليل كان إما شاعريا هادئا وإما مشتعلا بأضواء القذائف وصرخات الجرحى والقتلى.كان صديقي يعلق ضاحكاً :الليلة،أمنا الحرب صعدت شهوتها والتهبت أنوثتها القبيحة،فاستعدوا لقبلاتها المميتة ايها الرجال.
في عام 1989
بصقتنا الحرب
فعدنا متعبين، وقد فقدنا حبيباتنا،وارتمينا في احضان أمهاتنا،شممنا رائحة الأرض والدموع في صدورهن،وهنّ شممن رائحة الرعب والليالي العسيرة في أجسادنا.
دكّنا التعب ونتظاهر بالرجولة.وهرعنا بعدها الى مكتباتنا المتربة.
في عام 1990
كره المهيب الجنرال أن تبرد بنادقنا،فأشعلها ثانية لتتدفأ رجولته الباردة بنيرانها.
في عام1991
أكلت الهزيمة رجالنا،وطالت شوارب الجنرال وزادت النياشين على بدلته، واسودّ الخبز وهو أبيض كان منذ بدء الخليقة،وقلّت زينة النساء،وشبعت ساحات الاعدام والمقابر الجماعية،وخيم الوجوم على العصافير.
في عام 2003
سقط هبل المهيب الركن الجنرال،فطلع من تحت قاعدته هبلات كثيرات.
في عام 2017
في منتصف ايلول قبل أيام من الآن
اقتيد فتى عمره عشر سنوات
ليجلس أمام هبل جديد
ليحقق معه ويصرخ هو ورجاله المخصييون في وجهه الطفولي البريء:
ــ لماذا دستَ على صورة سيدك؟
في عام 2017
نكاية بكل خراب
لم أعد ارتاب في الجمال
ليس الجمال مرّاً يا رامبو الغبي.
المرُّ، هو هذا النهر الذي يرمون فيه أزبالهم
متشبثاً بالجمال أمشي، أقرأ وأعمل وأنام وأضحك
متشبثاً بقلب امرأة تعين روحي على ترويض الموت
حتى أعلّمه أن يكون جميلاً لمرة واحدة
ويرتدي بدلة طفل لمرة واحدة
حتى أريه كم هو بائس أمام دموع الأمهات في الحروب والكراهية
يكفي الموت عاراً أنه لم يكن أمّا ولا أبا
أيها الموت، من أين لك هذا البريق
أنت مثل الأمل كثير الخداع كثير المرور على أوراقي
كن مرة أمّا ناضجة لتستحي من ثقتك
أنا هنا أرتاب فيك ولكني لا أرتاب في الجمال
لم اعد أهابك، فأنا نكاية بك لا أرتاب في الجمال مثلك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية