جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


قطة لينين...تمثال لينين


نعيم عبد مهلهل
(قطة)
عام 2311 ميلادية، وبعد يوم من نهاية احتفالات العالم برأس السنة الميلادية، اطلقت الولايات المتفرقة الأمريكية، حيث لم تعد متحدة لأن كل ولاية أصبحت كما تتمنى بعضها اصبحت ملكية، وبعضها سلطنة والأخرى جمهورية مثل جمهورية تكساس، ومملكة أريزونا، وسلطنة واشنطن وأمارة كارولينا الجنوبية، ولكنها اتفقت على ان تبقي وحدتها في الأمم المتحدة بهذا الاسم،
للفكاهة، حيث أبقت علمها الحالي هو من ترفعه كل الولايات القديمة التي غيرت أسمائها السيادية، ولتقول للعالم أن الأعلام الواحدة لا يعني أن من في داخلها موحدا،وهو ما دفع البلدان الأخرى في كل العالم للتشظي،ورسمت الحضارة الميكانيكية شكلا كاريكاتيريا اتجاه المسميات الإدارية والحدود،لأن الوصول الى القاهرة من بغداد لا يستغرق سوى أربعة دقائق بطائرة بوينك عائلية سعة خمسة راكب، ولكن الوقوف أمام ضابط الجوازات يستغرق وقتاً خمسة أضعاف من الوقت الذي تستغرقه السفرة بطائرة البوينك العائلية.
في ذلك اليوم جال في الخاطر المجنون لأحد المخترعين بعد أن انقرضت القطط لانتفاء الحاجة اليها بعد اختفاء آخر فأرة على الكرة الأرضية بعد صناعة الماوس الآلي الذي تكفل بصيد كل فأرة بعد أن أعلن حكيم بوذي الكتروني أن الفئران أبقت الطاعون المرض الوحيد الذي يمكنه الفتك بالبشر بعدما تم السيطرة على أكثر الأمراض الشائعة، وبسبب هذا حزنت القطط وبدأت تنتحر تدريجيا بالرغم أن أي قرار أممي لم يتخذ ضدها، وآخر قطة بيضاء من النوع السيامي تم بيعها الى متحف الأحياء الأرضية الذي أسسه أهل عطارد تعبيرا عن الاعتزاز بالعلاقات الكونية بين أهل الارض واهل عطارد.
في ذلك اليوم اطلقت أمريكا المتفرقة لعبة كونية، عبارة عن قطة الكترونية تكاد تشبه تماما القطط الطبيعية اسمتها، (قطة لينين) حيث أوحى الاسم لمخترعها فكرة صناعة القطة يوم شاهد في المتحف الوطني الروسي صورة فتوغرافية بالأسود والأبيض تاريخ التقاطها 1922 ويبدو فيها لينين يحتضن بحنان قطته المدللة ناتاشا.
وهكذا أصبحت قطة لينين موضة هذا العام واكتسحت أسواق العالم بصورة غريبة ومن يسعى لاقتنائها الكبار والكهول فقط، فيما كان الأطفال ينظرون إليها دون اهتمام ولا مبالاة وتفوقت على موضة التنانير والبناطيل الطائرة التي اخترعتها دار العرض الباريسية كريستيان ديور التي تسمح لمرتديها بالطيران الى مسافة معينة داخل أماكن العمل والحفلات الاجتماعية والراقصة.
الغريب أن هذه القطة التي ربما ندمت أمريكا على صناعتها قد خلقت مشاعر حنان غريبة اتجاه من اقتناها من الكهول حيث وصل معدل العمر الإنساني الى 110 سنة بفضل التخلص من كثير من الأمراض واغلب البشر باتو يموتون من مرض واحد هو الكآبة وذلك بعد وصولهم الى سن الثمانين فما فوق.
ذلك الحنان الذي شاع بشكل سري في تلك المناجاة التي تتم آخر الليل بين قطة لينين ومن يقتنوها،حيث راح الكهول يبحثون في كمبيوتراتهم عن كل شيء يهم لينين من معلومات، وسجل غوغل محرك البحث الهائل ظاهرة غريبة تم أرسلها بتقرير الى السي أي إي الذي بقى الجهاز الوحيد الذي ينتمي الى الولايات الأمريكية المتحدة بأن البحث عن مفردة لينين تكاد تصل الى مليار بحث في الليلة الواحدة.
لكن الوكالة لم تنظر الى الرقم بجدية وعلق كبير مراقبي الرقابة الإلكترونية في الوكالة بقوله :لا عودة لما كان،انها مجرد قطة.
في الذكرى السنوية الأولى لصناعة قطة لينين واختراعها وبينما العالم يستعد لاستقبال لعبة جديدة قد تنسيهم موضة القطة الشيوعية،تفاجأ العالم بعدد كبير من الكهول يهاجمون المحطة الفضائية العالمية السي ان أن ويحتلونها، ويعلن من يتقدمهم في بيان متلفز الى عموم العالم اختراعه دمية جديدة على شكل لينين وهو يرتدي ثياب بابا نويل، ولكن بدون قطة واسماها (الحنين الى لينين).

(تمثال) 
قفزت إلى ذاكرتي قصة لتمثال لينين رأيته ذات مرة ينقل بأمر من يلتسين من مكانه الذي ظلّ فيه شامخا منذ عشرينيات القرن الماضي، وحتى نقله إلى معمل صهر المعادن في أطراف موسكو، وقد أوصى يلتسين مدير المعمل بصهر التمثال النحاسي وتحويل معدنه إلى قلائد وخواتم لبنات موسكو الجميلات.
ردّ مدير المعمل الشيوعي القديم: ياسيدي أنك تحول رجل عظيم كنت أحد تلاميذه من تمثال غال الثمن إلى مجرد قلائد رخيصة الثمن.
ردّ يلتسين مخمورا: ولكنه سيمنح النساء جمالاً آخراً. تضيء فيه قلائد الزينة وليس وجه الرجل الذي قتل العالم جوعاً وحروباً باردة وساخنة كتلك التي حدثت في أفغانستان.
قالت ميلانا: أتمنى من أمير أن يترجم لي ما قلته عن تمثال لينين. أنا لست شيوعية، ولكني أحزن حين يذهب تمثال لرجل عظيم مثل لينين إلى معمل الصهر.
ــ دعيني استعيد ذلك الحزن الى ذاكرتي يوم شاهدت تمثالاً لرأس لينين محمولاً على الشاحنة وقد دونتها مشاعري في مقال نشرته في الصحف وأظنّ أن أمير ترجمه إلى الإنكليزية ففيها ستقرأين مشاعر ذلك القنوط الذي أصابني وشاحنة من طراز الأورال، وتلك الشاحنات العسكرية استوردها العراق في كلّ حروبه تسير في شوارع موسكو كمن يحمل نعش مواطن بسيط، لكن عيون الروس منقسمة بمشاعرها، نصفها متشف والنصف الآخر حزين ودامع. وأنا كنت مع الدامعين، حتما هي خاطرة تهمني وربما لا تهمك.
ــ نعم الأمر لا يهمني كثيراً؛ ولأنه تمثال فإن الأمر يحزنني ولهذا أكون تواقة لأسمع أمير يترجم لي خاطرتك ذات يوم.
قال أمير. بالمناسبة الأوراق معي الآن، وإذا لم تسكنكم رتابة السماع سأقرأها.
هزّ الجميع رؤوسهم بموافقة السماع فبدأ أمير في قراءتها:
((المكان الأول: الساحة الحمراء في موسكو. الزمان: السابع عشر من أكتوبر عام 2000. الشاهد: مثقف عراقي يعيش في موسكو منذ عام 1970. المشهد: شاحنة أورال حمولة 15طناً تحمل آخر تمثال من البرونز لمؤسس الدولة السوفيتية وتبعث به إلى مصهر البرونز في العاصمة موسكو. ردّ فعل المثقف: دمعة ورغبة بمغادرة موسكو إلى أي بلد غربي. وكان يفضل هولندا.
المكان الثاني: وادي توتمان في منطقة بنجوين. بمحاذاة جبل هرزلة. الزمان: السابع عشر من أكتوبر 1983. الشاهد: جندي عراقي. خريج معهد الفنون الجميلة فرع الرسم. المشهد: لحظة إخلاء أخيه، شاهد المكان الأوّل بعد أن سقط برصاصة قناص أتت من جهة جبل سورين الإيراني. ردّ فعل الجندي: دمعة ورغبة بانتهاء الحرب ومغادرة بنجوين. وكان يفضل السويد.
عندما فتشوا جيوب الجندي القتيل: وجدوا رسالة من أخيه المغترب. كلّ كلماتها مغطاة بدم الجرح العميق الذي أدى إلى الموت. فقط جملة واحدة أكتشف الجندي صدفة أن هذه الكلمات هي قصيدة لبوشكين ولكن بعد أن انتهت الحرب بعشرة أعوام. وجدها مقدمة لقصة (أبنة الآمر) للشاعر الروسي بوشكين. تقول القصيدة:
(مناي أيها الغريب... لم تقدني إليك، قدماي ولا حصاني الجميل...
بل قادني إليك التوثب والصبا والسكر في الحانات.)
الحالة هي ما يعيشها صاحب المشهد الأوّل قبل سفره الصعب واستقراره اليوم في لاهاي. حيث كما يقول: النساء باردات مثل ثمرة الطماطم في شتاءات الناصرية.
كان يقول وقد كتب هذا في آخر رسائله إليّ بعد أن علم أني أخليت أخيه من فوق الربيئة وداويت جرحه قبل موته: تصور ولا أدري لماذا أخبرك بمشهد كهذا. (ربما لأني أخبرته في واحدة من الرسائل: أننا أخلينا أخيه بشاحنة الأورال التي زوّد الروس بها حكومة بغداد في حربها الدولية الأولى) قال: إن مشهد إخلاء أخي ذكرني بتمثال مؤسس الدولة التي عشت بها ردحاً من الزمن. وكانت الشاحنة التي حملت أوليانوف هي من نفس طراز الشاحنة التي قلت لي عنها أنها أخلت أخي منحدراً بموته الذي لم يكن يحبه ليذهب جثة هامدة إلى الجنوب. وسعيت مع هذين المشهدين إلى إحداث مناظرة مع رؤاي وأنا أريد أن أصل إلى فهم واضح لما حدث بعيداً عن تفاسير الواشنطن بوست والاندبينت، فهذه وجهات نظر محسوبة سلفاً. فبين المشهدين اللذين تحققا بعربة واحدة تداخلات لتأريخ يرتبط بالشجن الذي تربى عليه الشرق بعد أن جزع من أمية ولاة عثمان. وأصاب صدره ربو المقاهي وهو يرى وزارات بلده تتبدل كلّ ساعة. لذلك وأنا أدرس ظاهرة المهجر وانهيار دولة السوفييت أقرأ المشهد من زاوية سومرية، فأقول: إن الأمر لم يكن سوى سوء طالع. فالانهيارات في تأريخ الإمبراطوريات تأتي بفواصل معلومة لكن لا أحد ينتبه إليها ولسبب كما أراه هو ثقة الملوك بحاشيتهم المحيطين وأغلبهم تقودهم نساؤهم في الليل مثلما تقود أمّي أغنامها في ريف السديناوية حيث كان يقع بستان جدي سهر والد أمي. وهذا كان منطبقاً على قيصر روما إذ حُذّر أكثر من مرة ودولة أشور كذلك. العثمانيون كانت تصل إليهم رسائل بهذا المعنى من القنصل الألماني في الاستانة من أن الإنكليز أرسلوا لورنس ليفجر خطوط السكة الحديد في الحجاز. وأخيراً كان لعمدة موسكو أن ينتبه لصقر نيفادا الذي لم يكفيه أن أستأجر ألاسكا من القيصر ثم أمتلكها بعد ذلك إلى الأبد.
سمع من الصحف الهولندية بعد موت أخيه بسبعة عشر عاماً أنهم يقيمون للنزق تمثالاً هائلاً في العاصمة. كانت عنوان الأوبرا البحث عن الفردوس، تذكّر المفردة. كان التمثال منصوباً في ساحة تحمل هذا الاسم. سار المشيعون مع نعش أخضر. سأله أحد اللذين يبيعون الفستق في المسرح وقتها كان الذي يرتدي معطف غوغول نائماً :
ــ هل أخوك من السادة الأشراف؟
أجاب: نعم كان موسوياً.
أستمر العرض، ظلّ المسرح يدور في فراغ ذاته، مثل سرية لا تعرف ماذا تفعل وقد واجهتها الحرب وهي في وضع الاستراحة. أصاب بطلة العرض الدوار. والحقيقة إنها ارتعبت من كثرة ما رمت المدافع، خافت أن تكون نعشاً في أورال. غادرت المسرح وإرتمت قربه منهكة من سرعة الجري بعيداً عن القنص والصراخ. قالت له: هل لكِ أن تأويني الليلة لأكمل لك بقية المشهد؟
ولأني فصلت له المشهد كاملاً في رسالة. قال لها: كلا، أريد أن أكون مع نفسي، فغداً تنتظرني الحافلة إلى لاهاي.
يرحل لينين عن الساحة. بغياب أسطوري، كذلك يرحل شهداء الحروب القديمة. الفرق أن موت لينين في عشرينيات القرن الماضي كان تمجيداً لفكرة أن الرجل أرسى المستحيل في بلد كان القيصر فيه يكاد أن يكون إلهاً مثل إمبراطور اليابان لانتظر له عين بشر عادي. الكادحون هم الذين قادهم لينين ليصنع منهم أمة هزمت أشد قواد الأرض صرامة. نابليون بونابرت وأدولف هتلر. وكان أندريه بريتون الشاعر السريالي يقول عن لينين:  كم تمنيناه أن يكون معنا،  لكنه يبتسم لتلك الألغاز التي حدث فيها مايكوفسكي مرة رغم أنه لم يكن سريالياً، قائلا له: أنا لا أفهمك ولكني أحبك. ورغم هذا أغمض غورباتشوف عينيه وقرر أن يفعل ما أراده. وربما أمتلك الرجل مبرراً ما. لكن أن تحمل جسد لينين إلى مصهر فهذا تحرش ببراءة التأريخ. أننا بذلك نحمّل شاحنة الأورال التي حملت جسده النحيف الفخم عتباً لا ينته. وبذات المقياس نحمّل الأورال الأخرى التي حملت جسد ذلك الجنوبي الطيب. الذي تساءلت أمه بعتب مر: لو كان له أخ موجود سوف لن يسمح لهم بحمله بشاحنة.
وهي تتحدث إليّ بنحيب حورائي. تذكرت لوحاً وجده وولي بين أطلال أور يقول: الرائعون لا تنقلهم إلى السماء سوى عربات الورد)).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية