جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ


ترجمة: ستار كاووش
باريس، ١٥ تموز ١٨٧٥

تَيّو العزيز
أكتب لك لأخبرك بأن عمي فنسنت كان هنا مرة أخرى، وقد قضيتُ معه بعض الوقت، حيث تحدثنا حول الكثير من الأشياء، ومنها تفاصيل العمل. وقد سألته عن إمكانية إنتقالك الى باريس،
عسى أن يكون ذلك متاحاً له هذه الايام. لكنه لم يكن متحمساً لسماع هذه الفكرة الآن، ويفضل بقائك حالياً في لاهاي. لكني مع ذلك، سأبقى أحاول معه بكل تأكيد، وسأظل أمهد لخطواتك بإتجاه باريس. على كل حال، أرجو ان تطمئن ولا تهتم كثيراً. هو سيفكر بذلك بالتأكيد، مادمتُ قد وضعت الموضوع في رأسه. وأنا متأكد بأن العم سيحدثكَ حول ذلك عند عودته الى لاهاي. أطلب منك فقط حينها، ان تدعه يقول ما يريد، ولا تخبره بأني قد حدَّثتُكَ عن الموضوع، حاول قدر الامكان ان لا تتحدثَ عني إن رأيتَ ذلك يبدو مقحماً. ربما تعرف ان عمي شخص ذكي جداً. نعم، انه لمّاح وبارع في صياغة الكلام ومعرفة المقاصد. أتذكرُ انه قال لي في الشتاء الماضي حين كان هنا (اسمع يافنسنت، ربما ان معرفتي تبدو وكأنها لا تتعدى الأشياء العامة والتقليدية، لكني أُوكد لك بأني لست عارفاً بكل الاشياء التقليدية فقط، بل أفهم ماهيتها وتفاصيلها وكل تقلباتها). لا اتذكر الآن بالضبط ان كان قد استخدم نفس هذه المفردات، ام انه قال كلمات مقاربة لها. هل تعلم ان الشاعر دي موسيه* كان قد كتب ذات مرة (في داخل كلٍ منّا شاعر نائم، لكنه يمكن ان يستيقظ في كل لحظة). وبالنسبة للعم فنسنت، فأنا أرى ذلك فيه دائماً وبوضوح. أقول لك ذلك كي تعرف انك تتعامل معَ مَنْ، وعليك ان تحترس بعض الشيء بإختيار كلماتك. وان كان عليَّ ان اوضح لك شخصيته اكثر، فهو معجب بشكل لا مثيل له بلوحة (الأوهام المفقودة) للرسام غلير*، وهذا ايضاً يقول الكثير حول شخصيته. فأن قررت أَن تسأله حول انتقالك من لاهاي، فحاول ان تطلب ذلك بهدوء، وتُبَيِّن له رغبتك بالانتقال الى هنا او الى لندن.
شكراً لرسالتك التي إستلمتها هذا الصباح، وممتن لإرسالك كتاب روكيرت*. هل لديك قصائد اخرى له؟ أود فعلاً التعرف أكثر على شعره. في اقرب فرصة سأرسل لك الكتاب المقدس باللغة الفرنسية وكذلك كتاب تقليد المسيح، وهذا الاخير يظهر في اللوحة التي رسمها فيليب دي شامباين، والمعروضة في اللوفر، حيث رسم امرأة بهيئة راهبة. ويظهر الكتاب موضوعاً على الكرسي الذي بجانبها. أوصيك أن تنتبه لما يحدث حولك وتهتم بنفسك جيداً ايها الفتى الرائع. لقد كتب لي أبي ذات مرة قائلاً (كن طيباً مثل حمامة، وحذراً مثل أفعى)، أنت ايضاً عليك أن تضع هذه الكلمات نصب عينيك، وأنت تسير في دروب هذه الحياة المتقلبة. هل لديك في المحل صور للوحات ميسونيه*؟ تأملها جيداً، وخاصة لوحتيه (رجل يدخن قرب النافذة) و (شباب يتناولون الغداء) عندها ستعرف قصدي جيداً، وستستلهم منها الكثير.
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
* الفريد دي موسيه: شاعر رومانسي فرنسي (١٨١٠-١٨٥٧)
* تشارلس غلير: رسام سويسري (١٨٠٦-١٨٧٤) عاش في باريس، وكان استاذاً لكل من مونيه ورينوار وسيسلي، الذين اعطاهم دروساً في مرسمه قبل ان يبتكروا المدرسة الأنطباعية ويحدثون ثورة في الرسم. ولوحته الأهام المفقودة أخذَت اسمها بتأثير من رواية بلزاك التي تحمل نفس الاسم، ويسميها البعض(الغروب)، وهذه اللوحة التي تحمل الكثير من الشعرية والرمزية والغموض، رسمها غلير سنة ١٨٤٣ حيث يظهر فيها مركباً على ضفاف النيل وقت الغروب، مليئاً بنساء يمارسن بعض الطقوس والاحتفالات.
* فردريك روكيرت: شاعر ومترجم وعالم لغة ألماني (١٧٨٨-١٨٦٦) وقد ألَّفَ الكثير من الموسيقيون موسيقى عظيمة حول قصائده، مثل شوبرت وبرامز وآخرين.
* أرنست موسينيه: رسام فرنسي كلاسيكي (١٨١٥-١٨٩١) اهتم برسم المحاربين والفرسان والمواضيع التاريخية.

باريس ١١ تشرين الاول ١٨٧٥

تَيّو العزيز
شكراً لرسالتك التي وصلتني هذا الصباح. هذه المرة، قررت أن أرد عليك بسرعة، وليس مثل المرات السابقة التي أتأخر فيها بالكتابة اليك. سأكتب لك اليوم عن حياتي وكيف تسير الامور معي هنا. أسكنُ الآن كما تعلم في حي مونمارتر*، وأوِّدُ أن أحدثك عن شاب آخر يعيش معي في نفس البيت. أنه انجليزي، يعمل معنا في المتجر وعمره ثمانية عشر عاماً. أبوه تاجر أعمال فنية في لندن، ويحاول أن يمهد له الطريق كي يحل محله فيما بعد. لكن قبل الشروع بذلك، عليه أن يتعلم الكثير. فقبل مجيئه الى باريس، لم تكن لديه تجارب خارج حدود بيتهم في لندن. وفي الاسابيع الأولى له هنا، كان يفعل أشياء غير مألوفة بالنسبة لي، فهو مثلاً يقوم مع كل وجبة طعام، بإلتهام خمس أو ست قطع من الخبز مع الأكل (الخبز هنا رخيص جداً) بعدها يكمل وجبته بكمية كبيرة من التفاح والكمثري، يفعل ذلك بشراهة بادية على ملامح وحركات وجهه، لكنه رغم  كل ذلك نحيف كلوحِ خشب. لديه صَفَّي اسنان قوية وبارزة، وشفتين حمراوين، ممتلئتين ونضرتين، وعينين صافيتين مثل خرزتي قلادة، بينما تبرز على جانبي وجهه إذنان كبيرتان حمراوان، تبدوان وكأنهما مُقحمَتَين أو وُضِعَتا بشكلٍ اعتباطي، ويزيد من هذا الانطباع، رأسه الحليق الذي كشفَ عن ظهور شعر أسود في بدايةِ نموهِ. ليس هناك حاجة لأثبت لك بأنّه لا يشبه النساء الجميلات اللواتي يرسمهن فيليب دي شامباين.
لا أخفيك بأنه كان في البداية مصدر تهكم بالنسبة لي، لأني كنت أراه غريباً وربما مثيراً للسخرية بعض الشيء، لكن مع مرور بعض الوقت، نال محبتي واهتمامي. أما الآن، فبإستطاعتي أن أؤكد لك سعادتي الكبيرة وأنا أقضي المساء بصحبته في البيت. إنه شاب بسيط، لكنه نقي السريرة وطيب القلب، وهو فوق هذا كله يعمل بنشاطٍ كبير وهِمَّة عالية. نعودُ من العمل سوية كل يوم، وهو يُفَضِّل أن يتناول طعام العشاء معي في غرفتي، وبعد قليلٍ من الاسترخاء، أقرأ شيئاً من الكتاب المقدس. في أحيان كثيرة يستمع اليًّ وأنا اقرأ، بوجهه الشارد وأذنيه اللتان تبدوان اكثر احمراراً وشفافية بفعل الضوء المنبعث من خلفهِ عبر باب الغرفة. صديقي هذا ينهض باكراً من سريره كل يوم، وبعفويته التي اعرفها يدخل غرفتي بين الساعة الخامسة والسادسة صباحاً وهو يتحسس الحيطان، ليوقظني من نومي العميق، قبل أن نتناول الافطار في غرفتي ايضاً. ونقوم بعدها بترتيب بعض التفاصيل في البيت. لننطلق معاً قبل الساعة الثامنة نحو مكان العمل.
في الايام الاخيرة صار معتدلاً في الاكل، وبدأ بجمع الصور والمطبوعات التي تضم لوحات وأعمال فنية، وقد ساعدته كثيراً بهذا الامر. ذهبنا البارحة معاً الى لكسمبورغ، وهناك أريتَهُ مجموعة من اللوحات التي أحبها، وتحدثت له عن الكثير من التفاصيل التي تتعلق بالفن. لقد ملأه الفرح وهو يشاركني هذه التجربة. لكن أقول لك الحق، ان هذا الشاب البسيط فاجئني بِحِسِّهِ المميز في اكتشاف مكامن الجمال في اللوحات، إنه بصراحة يعرف أكثر من العديد من المتخصصين بالفن.
لقد توقفنا كثيراً أمام لوحة يوليس بريتون (عودة غلانيوس) ولوحة برينير (شتاء الحقول) ولوحة كابان (بُرْكة في مساء خريفي) ولوحة بريون (حجاج سانت أوديل) ولوحة دوفرغيه (فلّاح بصحبة اولاده) ولوحة ميليه (كنيسة غريفيل) ولوحة غلير (الملاريا)، وهناك لوحة رائعة لا يحضرني اسم رسامها الآن، يظهر فيها مجموعة من الرهبان عند إستقبالهم شخصاً غريباً في الدير، وقد اكتشفوا ان هذا الغريب ما هو سوى السيد المسيح، حيث كُتِبَ على جدار الدير (الرجل الذي يقوده الله) ثم تتبعها جملة (مَنْ يستقبلك، يستقبلهُ الله).

أما بخصوص عملي هنا، فأنا أمارسه بأفضل وجه، والعمل لا ينتهي كما تعرف، وهو يمضي طالما تمضي بِنَا الحياة وتستمر. هل فعلتَ ما طلبته منك بشأن كتب ميشيليه* ورينان*؟ هل تخلصتَ منها كما نصحتك؟ أعتقد بأنك ستشعر بطمأنينة بعد ذلك. أعرف بأنك سوف لن تنسى بسهولة ما كتبه ميشيليه حول النساء اللواتي رسمهن شامباين، كذلك ليس من السهولة ان تضع كتابات رينان خلف ظهرك وتمضي! لكن مع ذلك تخلص من كتبهما، فذلك سيجلب لك راحة البال. فإن  وَجَدتَ عسلاً فهذا لا يعني بأنك سوف تترك كل شيءٍ، لتبقى تأكل منه الى الأبد، ودافعك الوحيد هو عدم استطاعتك مقاومة طعمه اللذيذ ورغبتك في الأكل.
ربما الأفضل لك الآن، هو ان تشغل نفسك بقراءة كتب أركمان- شاتريان* فعسى ان تكون مفيدة لك في هذا الوقت. إهتَمَّ بطعامك جيداً، وإلتَمِس لي العذر على ما أطلبه منك أحياناً (فلسنا بحاجة الى ان نُبقي قوسنا مُهَيئاً دائماً للرماية)*. أنت تعرف اننا نتعلم الكثير، حتى من الاشياء السيئة. وبكل الاحوال، أنت تستطيع ان تميز دائماً بين الجمال والقبح، وبين النور والظلام. فإمضي في طريقك المستقيم، وسيشملك الرب من السماء بعنايته وعطفه. فنحن بحاجة الى ذلك يا أخي، كي تمضي حياتنا بسكينة. والرب هو من يقودنا في النهاية.
أكتب لي بسرعة وخاصة عن الاشياء المهمة التي تحصل معك. سلامي الى العائلة وتحياتي للسيد ترستيخ وكل المعارف. اعتني بنفسك قدر ماتستطيع، وإبقني جدير بثقتك.
اخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
*مونمارتر: حي من أشهر احياء مدينة باريس، يقع على مرتفع خارج مركز المدينة، وقد عاش فيه اعظم فناني باريس في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. اصبح الآن مكاناً سياحياً، حيث يتمركز في وسطه رساموا البورتريهات السريعة التي تستهوي السائحين.
*جول ميشيليه: مؤرخ فرنسي (١٧٩٨-١٨٧٤)، عُرِفَ بإسلوبه البارع ومناهضته للكتاب المقدس. وهو اول من استخدم وعرَّفَ كلمة النهضة. وقد استخدم فنسنت فيما بعد كلماته (كيف لنا ان نسمح بوجود امرأة وحيدة ومهجورة على هذه الارض) حيث كتبها على حاشية رسمه التخطيطي (الحزن).
* أرنست رينان: كاتب وفيلسوف فرنسي (١٨٢٣-١٨٩٢) اشتهر بآراءه التي تُعِدُّ المسيح انساناً عادياً مثل بقية الناس، وأن الكتاب المقدس يجب أن يخضع للبحث والتقصي مثل أيَّة وثيقة تاريخية.
* اميل اركمان - الكسندر شاتريان: هما كاتبان فرنسيان من القرن التاسع عشر، قاما بكتابة الكثير من المؤلفات معاً، وقد تخصصا بكتابة القصص ذات الاجواء العسكرية، وقصص الاشباح، والحكايات المشوقة التي تثير الفزع، وكانا من اكثر الكتّاب شعبية.
* قول هولندي شائع، يُقْصَدُ به، التصرف بعفوية وعدم تحميل الامور اكثر من طاقتها.



المشاركة السابقة