جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


روائية إنكليزية.. في بيت الجيشا!


ترجمة / عادل العامل           
كنت مفتونةً بالجيشا منذ أن ذهبت إلى اليابان عام 1978، تقول الروائية الانكليزية ليسلي داونَر، في مقالها هذا. وقد أدهشني أن أكتشف أنه حتى أواسط القرن التاسع عشر كان لدى الشوغان (الحاكم العسكري الأعلى هناك) حريم مكون من 3,000 امرأة على درجة من السرِّية بحيث لم يكن يُعرف عنهن أي شيء تقريباً. وقد ألهمني ذلك أن أتخيل  ما كان يمكن أن تكون  عليه الحياة هناك.
وهو ما ألهمني أيضاً  روايتي الجديدة  (ملكة الشوغان  The Shogun’s Queen).
لقد كان لكل مدينة، في اليابان القديمة، محلة مأهولة بالمحظيات، حيث كان الرجال يذهبون طلباً للتسلية والجنس. وهناك بالذات ظهرت أول فتاة جيشا عام 1750. وكلمة"جيشا geisha"تعني حرفياً"فنانة راقصة". وفي الوقت الذي كانت فيه المحظيات يبيعنَّ الجنس الغالي الثمن، فإن الترفيه كان عمل الجيشا، اللواتي كنّ مغنيات، راقصات، وموسيقيات.
وكانت فتيات الجيشا ممنوعات من سرقة زبائن المحظيات. لكن الأنيقات منهن أصبحن تدريجياً أكثر شعبيةً من المحظيات المتلفعات المتعثرات بملابسهن الطويلة. وقد بلغ عدد الجيشا، في ذروتهن في عشرينيات القرن العشرين، 80,000 امرأة. وهبطت الأعداد بعد ذلك، لكن هناك اليوم حوالي 50.000، وفقاً للأرقام التي يحتفظ بها اتحاد الجيشا في طوكيو.
لقد مر عليَّ شهران هناك ولم يكن يبدو أني قد حققت أي تقدم على الإطلاق. وفي أحد الأيام أتت المرأة العطوف التي تدير المقهى الذي كنت أتناول فيه فطوري ومالت على الطاولة قائلةً لي:"ألم تقولي إنك تؤلفين كتاباً عن الجيشا؟ هؤلاء جيشا. لماذا لا تُجرين مقابلة معهن؟"
لم يكن يخطر في بالي أن النساء الزريّات المظهر الجالسات عند الطاولات الأخرى يقرأن الصحف فوق أكواب القهوة جيشا عاطلات في الواقع. ولهؤلاء الميكو Maiko، أي المتدربات، شعر طويل ممشَّط على شكل أجنحة كثيفة، لكنهن جيشا مؤهلات تماماً (أي"جيكو geiko") يضعن شعراً مستعاراً فيكون باستطاعتهن هكذا خلعه والاختفاء في الزحام.
وتبدأ الميكو تدريبهن في سن الـ 15 عاماً وينتهين منه في سن الـ 20 عاماً. وكانت أولى مَن التقيتهن من هؤلاء هارومي. وكانت في سن الـ 16 عاماً، وهي متّزنة وواثقة من نفسها للغاية. وقد زرتها في المدرسة التي تتعلم فيها فنون الجيشا ــ الغناء، والرقص الياباني التقليدي، والعزف على الشاميسان shamisen، وهي ألة وترية كالعود، وعلى طبلة الكتف. وكانت في المساء تتبرج وترتدي الكومونو المزخرف بالألوان وتذهب إلى حفلات الجيشا للترفيه عن الرجال.
ومع كونها صغيرة في السن، فإنها اعتادت على أن تكون في محيط الناس الأثرياء، المتطورين، الأقوياء. وحفلات الجيشا بمثابة نادٍ خاص إلى حدٍ ما. وعليك أن تكون غنياً جداً لتذهب إلى واحدةٍ منها، وبصرف النظر عمن تكون يمكنك أن تدخل فقط إن كنت مدعواً. ومن المشاهير في هذا الوسط الميكو maiko  والجيكو geiko (وهما من تسميات الجيشا وفقاً لتصفيفة الشعر والتمكن من المهنة). ويرغب نجوم السينما والروك عند زيارتهم كيوتو في أن تستضيفهم هؤلاء الفتيات. وحين تُقبل واحدة من الميكو في منزل جيشا، يجري عرض الاحتفاء الباذخ بذلك في نشرات أخبار التلفزيون.
وتمثّل تكاليف التحول إلى جيشا، أو ما يقرب من ذلك، أمراً أشبه بالظاهرة، إذ تُنفق ثروة من المال على ثياب الكيمونو، والأوشحة، ويكون السفر على الدوام بالدرجة الأولى والنزول فقط في فنادق الخمس نجوم.
وكانت إحدى صديقاتي المقربات من الجيشا، كايوها  Kiyoha، وهي من جيشا مدينة طوكيو. وكانت ترتدي في المرات القليلة التي التقيتها فيها ثوباً فرنسي التصميم ومنتقىً بعناية، اشتُري لها في باريس. وفي أحد الأيام سألتني إن كنتُ أحب أن أراها وهي تعمل. وقد دعت أحد زبائنها وطلبت منه أن يستضيف حفلة جيشا. وقالت لي إنها ستكلّف 5,000 جنيه إسترليني. وكانت الحفلة في إحدى أقدم وأكبر بيوت الشاي teahouses في طوكيو. وكان رئيس الوزراء في الغرفة المجاورة. وراحت كايوها تغني، وهي بكيمونو بسيط، ومعها زميلات راقصات من الجيشا أيضاً. وقد جلسن جميعاً معنا فيما بعد ورحنا نتبادل الحديث.
إن جوهر عمل الجيشا هو التأكد من كون الزبائن سعداء. فمهما كان الرجل مسناً أو قبيحاً، ستقول له فتاة الجيشا إنه وسيم وجنسي وإنها واقعة في هواه بجنون. ويعرف الرجال أن ذلك كله مجرد لعبة. وهن، بعد كل شيء، ممثلات بوجوهٍ مصبوغة. والجيشا يبيعن الرومانس، أو الحب العاطفي، وليس الجنس. إنهن ينسجن جواً سحرياً لجعل الرجال ينسون مشاكل حياتهم اليومية. وهن يكسبن أكثر مما يكفي بقيامهن بهذا العمل ــ الرقص، والغناء، والتحدث، والتملق ــ إلى حد أنهن لا يحتاجن بالتأكيد لبيع الجنس. 
إن رجالاً كثيرين يذهبون إلى بيت الجيشا نفسه على امتداد حيواتهم وتصبح الجيشا هناك صديقاتٍ لهم، وقد يصبحون عشاقاً ــ لكن هذا ليس هو القصد من ذلك. فإذا ما وافقت فتاة الجيشا، فإن الرجل يمكنه أن يتخذ منها عشيقةً له. لكن عليه في هذه الحالة أن يشتري لها بيتاً، ويمنحها إعانةً منتظمة، ويدفع لها أجرة دروس الرقص وثمن ملابس الكيمونو، وذلك أمر مكلّف كثيراً.
وتختار بنات أيامنا هذه أن يصبحن فتيات جيشا ــ البعض لأنهن يهوين المظهر، وأخريات لأنهن يرغبن في التدرّب على فنون الجيشا الرئيسة: الغناء والرقص الياباني التقليدي. والغالبية منهن ينحدرن من خلفيات عمالية. ولأن تدريب الميكو يبدأ في سن 15 عاماً، فإن الفتيات يتركن المدرسة ويتخلين عن فرصة الالتحاق بالجامعة.
وكما هي الحال حين تصير فتاةٌ موديلاً، فإن التحول إلى ميكو يمنح بنت الأسرة العادية فرصة الاختلاط بالناس الأثرياء والمتنفذين الذين ما كان لها أن تقابلهم أبداً بطريقة أخرى.
وفي أحيان معينة من حياة الجيشا يتوفر للفتيات خيار المغادرة ــ واحدةٌ قبل أن تبدأ سنوات التدريب الخمس، وأخرى في نهاية التدريب في سن العشرين. وبعضهن يتزوجن رجالاً شباناً يعملون في منطقة الجيشا لكن ما إن يحدث هذا حتى ينتهين كجيشا، فالجيشا والزوجات على طرفي نقيض. وتقول الجيشا إن ما يفعلنه صنعة وليس وظيفة. ويواصل البعض منهن الجيشا حتى الشيخوخة. فهن موسيقيات لامعات في العادة وعليهن طلب كثير.
عن /  Express



المشاركة السابقة