جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


غابة من رموز


جلال نعيم*
عُرفَ فرويد بتأويلاته الجنسية التي طالت الكثير من الأشياء حدّ المبالغة، والتطرّف والمغالاة أحياناً، لذلك كانت مفاجأة كبيرة أن يجيب على أحد طلّابه عندما سأله غامزاً السيجار الذي كان يضعه في فمه عندما سأله عن دلالته. لم يبلع فرويد الطُعم طبعاً، واكتفى بأن أخرج السيجار من فمه، قلّبه بين أصابعه قائلاً:
"مرّات السيجار هو مجرّد سيجار"
فإذا كان ذلك حال بطل التأويلات عبر التاريخ بلا منازع، فماذا عنّا نحن خلق الله الذين نغرق في"شبر"تفسير واحد خاصّة بعد أن تحوّل عالمنا الى غابة متكاثفة من الرموز التي تحيط بنا خاصّة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن العلامات التجارية لا معنى لها إن لم تحوِ في طيّاتها رمزاً أو إشارة تجعل تلك الماركة تلتصق بالذهن وتعلق بالذاكرة وتُداعب بعض مكنوناتنا من حيث ندري ولا ندري!
نبّهتني نوراـ ابنتي- إلى ذلك وهي تخوض عامها الأول عندما راحت تُميز بين"سوبرماركت"وآخر بمجرّد رؤية العلامة الخاصّة بكل واحد منها، وهي في ذلك السن- سنة أو سنة ونصف- ليست لم تكن تُحسن القراءة والكتابة فقط وإنما كانت حديثة العهد بالكلام والنُطق أيضاً، ومع ذلك كانت تهتف بثقة عندما نمر بالسيارة وتقول"تاركَت"حال مرورنا من"تارغت"و"وول مارت"بمجرد رؤيتها علامة الوول مارت.
لذلك فإن سيجار فرويد، الذي هو مجرّد سيجار أحياناً، لا ينفع عندما نحاول تفكيك رموز العلامات التجاريّة خاصّة، واستشفاف دلالاتها خاصّة وأن معظم مصمّميها تمكنوا من إخفاء الكثير من دلالاتها في أكثر الأماكن سرّية أي أمام أعيننا!

لنأخذ المكدونالد مثلاً:
ما الذي يا تُرى دعا مصّمم علامة المكدونالد لتبني هذا التصميم لشعار أو علامة المكدونالد مثلاً؟ حرف ال m ولكن بكل هذه المُنحنيات؟ تذكّر أن مطاعم المكدونالد، في أميركا خاصّة، تستهدف زبائنها من الأطفال عادة، لذلك أختار المُصمم اللون الأصفر للعلامة، وهو الأكثر جاذبية وإثارة للانتباه، لذلك لا غرابة أن تكون العلامات المرورية التنبيهيّة تُصبغ بالأحمر، وكذلك معظم سيارات التاكسي ليسهل تمييزها. ثمّ ماذا لو قلبت حرف M في علامة المكدونالد لعثرت على السيجار الذي هو أكثر من سيجار، لأنك ستجد نفسك إزاء ثديي امرأة، خاصّة لو كنتَ طفلاً لم يغادر الرضاعة من ثدي أمه إلا قبل بضعة أعوام قليلة. أما حرف m  -الذي أخذت من أول حرف من مكدونالد- فستحيلك إلى أول حرف من كلمة (أم) و(موم) بالإنجليزية وعدّة لغات أخرى حيث يندر أن تخلو كلمة (أم) في معظم اللغات من هذا الحرف الأمومي العتيد، فإذا لم تبدأ كلمة أم به كما بالإنكليزية في Mother إلا لينتهي بها كما بالعربيّة في (أم)! 
يا تُرى هل سيُقيّض لمطعم كان الرائد الأول في مطاعم الأكلات سريعة مثل مكدونالد أن ينجح كل هذا النجاح التاريخي لو تجرّد من هذا الحرف وهذه العلامة؟ بالتأكيد نعم لأن سرّ نجاحه كان توفير تكاليف النُدّل، إذ كان من أوائل مطاعم"اخدم نفسك بنفسك"، تقليل مساحة المطعم إذ كان حينها بلا موائد ولا كراسي ولا حمامات ومن ثمّ السرعة القياسيّة بتوفير الطلبات.
هذه العناصر هي التي عُرفت فيما بعد ب"ثقافة المكدونالد"، ومن المفارقات أن أحد أصدقائي كتب على فيسبوك مرّة شاكياً ومُنادياً:"متى ستصلنا ثقافة المكدونالد؟"فكتبت له"لقد وصلتنا من يوم ما صار عندنا مطاعم فلافل وأنت ماشي! فالثقافة لا تشترط تحقّق الاسم وإنما توفّر السلوك.
ورغم ذلك، بإمكاننا القول إن علامة المكدونالد لم تحقق تلك المعجزة التي يتمناها أي مشروع تجاري وإنما أضفت عليه مسحة طفوليّة وعائلية ما. والحقيقة أنني لم أستغرب كثيراً عندما شاهدت مايكل كيتون الذي أدى دور"راي كروك"بائع فرّامات اللحم في فيلم (The Founder)"المؤسس"والذي لفت أنتباهه أن مطعم الأخوين مكدونالد كان يطلب منه شرّاء العديد من الفرّامات فراح يستجلي سرّ ذلك المطعم حتى دخل شريكاً معهما ونجح بفتح فروع له على طول الولايات المتحدة وعُرضها، وحوّله من مطعم صغير في حيّ منسي من أحياء سان برناردينو كاليفورنيا، الى مطعم غزا أمريكا كلها قبل أن يغزو العالم فيما بعد.
يتصاعد خلافه مع الأخوين (ريتشارد وموريس مكدونالد) فيما بعد فيضطرّ لشراء حصتهما بمبلغ ٢,٧$ مليون دولار ليصبح المطعم ملكاً صرفاً له، وفي واحد من المشاهد الأخيرة للفيلم يسأله أحد الأخوين لماذا لم يقم بسرقة فكرة المطعم وطريقة البناء ويوفّر الفلوس التي أعطاها لهما بمجرّد أن تأسيس مطعماً باسم آخر؟ عندها أجابه راي كروك: إنه سحر الاسم وعمق ما هو أميركي بهذا الاسم.
وأنا أضيف سحر الحرف الأول (m) والكيفيّة التي سوّقَ بها لسحر اسم الميم من مكدونالد! 

كاتب عراقي من لوس أنجلس.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية