جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الوحدة.. حب منفرد


سعاد الجزائري
نخاف جميعا من مفردة الوحشة، التي تقودنا ببطء انسيابي الى وحدة قد نسقط صرعى تحت نصلها الحاد، أو نحولها الى بحيرة ساكنة تحركها أصابعنا التي انهكتها الاحاديث المتوترة واشارات الغضب المتراكم، وقد تستكين الوحدة حينما يطوقنا الفراغ والصمت المدبب الزوايا..
في أعماق بحيرة الوحدة نُخفي أسرارنا التي نعشقها ونخاف أن يتلمسها الآخر، الذي يخدش فضوله رقة جلد السر الخفي، وفيها تسبح حروف سكينة الصمت ووحدته، كسمكة تطفو للأعلى أو تغوص في العمق بحثاً عن جوهر النفس..
لماذا نخاف الوحدة،ونتحدث عنها بحزن شفيف، وتتلألأ الدموع في عيوننا عندما  لانسمع صوتاً في البيت إلا صوتنا..هل يكره الانسان صوته،أو صوت الوحدة؟ بدأت أحب هذا الصوت وأسكن مساحاته الرحبة، وأحلق في فضائه كريشة لا تريد أن تستقر أو تهبط الى أرضها..
فضاء الوحدة يتسع الكون كله ويمتد الى السماء، الوحدة توأم للحرية الشخصية، لأنك معها، تصبح ملك وسلطان محيطك، فلا أحد يطلب منك قانوناً يومياً ثابتاً، كأن تستيقظ في وقت محدد، أو تستمع لصوت آخر لديه متطلبات قد لا تتواءم مع مزاجك بذلك اليوم، أو تنقاد الى روتين تريد أن تتمرد عليه. فربما ترغب أن تلبس ثوب الجنون وتعيش بعبثية طوال يومك، وقد تريد أن تكون تقليديا بشكل ممل، مثل طقم بدلة رسمية خال من اي انكسار، او ترغب بكسر كل القواعد البروتوكولية على طاولة الأكل، وتقرر أن لا تأكل نهائيا، فتشعر براحة عجيبة لأن بيت الداء لا مؤونة فيه.
الوحدة، مفردة بدأت أعشقها، لأنها اكتشافي المتأخر الذي صرت أعرف مكوناته، جزيئاته الكريستالية اللامعة، التي تنعكس على شباك غرفتي فتضيء حياتي بإشعاعات لونية لم أرها سابقا.
في ظل عالم الوحدة، وفي محيطك الذاتي بشكل مطلق، والخارجي بشكل نسبي، لأن النسبة هنا تتراوح بين الصعود والنزول وفقا لمقدار تفهمك لتلك الوحدة وعدم السماح للآخر، أي كان أن يخترق عالمك الوحدوي الحر والمطلق.
في ظل تلك الممكنات تستطيع أن ترسم حياتك وفقاً لما تريده أنتَ، وليس كما يطلبه أو يرغمك عليه الآخر، فترتدي ثوباً قد لا يليق بك، أو يرفضه جسدك.
الوحدة مساحة شاسعة قد تبقى أرض جرداء وموحشة، وإن شئت، تستطيع أن تنثر فيها بذور طموحك أو رغباتك فتحولها الى حقول مزهرة.ومثمرة، حتى وان لم تجد من تطيب له تلك الثمار.
قد نختلف كثيراً حول تفسير وماهية تلك المفردة، لكن من المؤكد اننا لا نختلف حول الطريقة في عيش عالم الوحدة، فلكل منا اسلوبه في تأثيث عالم انفراده مع نفسه، ومع الآخرين، الذين يحب أن يستضيفهم بهذا المحيط الواسع بمعناه الحياتي المعاش والضيق بمفهومه اللغوي.
قد تنام عندما يستيقظ الآخرون، ويبدأ صحوك عندما ينامون، انه اختيارك المطلق لساعة البدء ولحظة الانطفاء. حياتك تبدأ بقانونك أنتَ فقط، فلا من شرط او مشترط.
مساحاتك الحياتية ملك لك، وأنتَ خير من يدرك كيفية الاستفادة من هذه المساحة التي هي تحت تصرفك، قد ترغب أن تشرك أحداً بها، لكن تلك الرغبة مشروطة بتنازلك عن حيز ليس بالقليل من حقل حريتك والفضاء المحيط بها، الأمر في الأول والأخير رهن بما ترغبه من تنازل أو حب الامتلاك.
الوحدة قدر ما فيها من حرية شخصية، لكنها في جانب آخر تحوي حب التملك والانفراد بتلك المساحة التي إنْ اشتركت بها مع أحد ما، فقد ضاع جزء من حقك، من ملكيتك الشخصية. ومع ذلك، تبقى أنت في الاول والاخير سلطان عالم وحدتك، إن شئت، ستكون مالكه الوحيد، وإن رغبت ستقتسمه مع آخر تختاره أنت فقط...أنت إذن مطلق الحرية بوحدتك.
ومعها ممكن أن تكون عاشقا دون حبيب، لأنها، أي الوحدة، حب منفرد لا ثاني فيه..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية