جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الأعمدة الإسمنتية الدائرية في مدينة كربلاء القديمة


د. علاء مشذوب
العراق من البلدان العريقة الضاربة في عمق التاريخ، وله حضارة يشهد لها القاصي والداني، تمثلت أحد أوجه هذه الحضارة بالفن المعماري لزقورة أور في محافظة ذي قار، ومعبد أساكيلا في محافظة بابل، وحصون وقلاع وقصور آشور في محافظة نينوى، وقد ظهرت أولى علائم الفن المعماري في جنوبي العراق ووسطه ومن العناصر الإنشائية في الفن المعماري
هي الأعمدة وهناك أدلة تثبت استخدام البابليين والآشوريين الدعامات والأعمدة كعناصر انشائية في مبانيهم وان كانت نادرة الاستعمال، وخير مثال على استخدامها هو ما عثر عليه في اطلال (تلّو) لكش ركائز (PIERS) وليست دعامات وهذه الركائز مكونة من أربعة أعمدة مترابطة مبنية بآجر نصف دائري أو مثلث الشكل، كما أظهرت الحفريات في (نيبور) نفّر أمثلة كاملة للأعمدة في إحدى الساحات المربعة الشكل.
وعندما أختل توازن قانون السياسة في جنوبي العراق وتحول الى شماله بعد أن سيطر الآشوريون ومدوا بساط القوة والسيطرة على كل ربوع بلاد وادي الرافدين، وتحولت بابل الى مركز تجاري وثقافي عالمي، وبدأ الإعمار والبناء فيها وأقام نبوخذ نصر في قصره الصيفي أعمدة لها تيجان حلزونية محززة بألواح مزججة. أما في المدن الآشورية فإن أحسن أنواع الأعمدة اكتشفت في أطلال مدينة خورسباد (دور – شاروكين)، حيث ظهر فيها قطعة لبدن عمود مع تاجه مصنوعة من الحجر الكلسي، يبلغ ارتفاعها نحو 4 أقدام، وزين التاج بشكل حلزوني. وبعد أن دخل العراق في روضة الإسلام كانت للثقافة الوافدة الوجه المشرق في أن تختلط مع الثقافات المعمارية السابقة لتنتج ثقافة معمارية هندسية جديدة تشكلت في أحد أوجهها في بناء المساجد والجوامع والأضرحة وبطرز معمارية انتسبت الى زمن حكامها، ويعد عدد من المؤرخين والأخصائيين في العصر الحديث... فن العمارة الإسلامية، بمنجزاته الخالدة واحدا من أهم العطاءات العبقرية التي قدمتها الحضارة الإسلامية وساهمت فيها بإثراء التراث الإنساني. ومن هنا يأتي لديهم الإعجاب بعمارة بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة وإسطنبول،  وقد تجلى أوج الحضارة المعمارية في زمن العباسيين من خلال تأسيس مدينة بغداد وقصور الخليفة وأهله وأقربائه ومنها (قصر الخلد، قصر القرار، قصر عيسى، قصر السلام، قصر الزندورد)، وكذلك قصور حاشيته من الوزراء والأعيان والعلماء، وما تبعه من بناء الجوامع والتحصينات، كما انعكس ذلك جليا على بناء القصور والبيوت والبنايات والأسواق والخانات في حقب الاستعمار التي توالت على العراق فقد كانت الواجهات في الأغلب صماء تعتمد في التهوية والإضاءة على الأقبية الداخلية... كما استعملت الأعمدة المندمجة والعقود كحليات في واجهة المباني.
ومحافظة كربلاء مدينة مترعة بالتراث والتاريخ، وقد كتب الكثير في ذلك، وكلما يشعر البعض أن لا يوجد هناك شيء يكتب فيه، يخرج جيل جديد يبهره تاريخها العريق، وتراثها التليد، بل انه السمة الغالبة على أحاديث القدماء من أهل المدينة القديمة الذين عاصروا نهضتها الحضرية والمعمارية، وتوارث الذين كانوا امتدادا لهم هذا الشغف، وبالرغم من أن البعض منهم اهتم بتواريخ العوائل من السادة والأعيان والوجهاء والسدنة والمحافظين والمتصرفين، أهتم القليل منهم بتاريخها المعماري الذي كان باستمرار يتعرض للزوال بسبب التوسعة غير المدروسة في أغلب الأحيان وربما تفرضها ضرورة الانفجار السكاني لهذه المدينة والهجرات المستمرة من أهل البلد نحوها، وكذلك من بعض الدول الإقليمية مثل إيران والهند والباكستان وأفغانستان. والسبب الآخر هو إن المدينة القديمة كانت عبارة عن شوارع فرعية وأزقة ضيقة ودرابين معوجة بعضها مغلق النهايات ويصعب تقديم الخدمات المرجوة واستيعاب الهجرات المستمرة لها. وقد صدر في ذلك الكثير من المجلات والكتب التي تهتم بتراثها، بل وأصبح البعض مختصاً بذلك مثل المؤرخ"سلمان هادي آل طعمة وعبد المجيد الهر وعلي الفتال وسعيد زميزم، كما صدرت الكثير من المجلات مثل مجلة الأرشيف الحديثة التي تعنى بكل ما يخص تراث المحافظة من أشخاص وأماكن ومواقف.
وما أن نطوي الزمان عن تلك الحقب بكل تاريخها التي لم يبق من آثاره إلا الشيء القليل، بقيت مراقد آل بيت النبي شاخصة ضد تعرية الغزاة والمخالفين، تحمل عبق التاريخ في بنائها، وتتجلى الأعمدة الدائرية التي تحمل تاريخاً من القدم شاهدة عيان على أصالة فن العمارة العراقي والعربي والإسلامي. ومحافظة كربلاء من المدن الإسلامية التي تحتضن بين ظهرانيها مرقدي الإمامين الحسين والعباس والحصن الحصين الذي يلف جسديهما الطاهرين، بما يمتاز من فن عمارة وريازة هي أعجوبة الزمان، والمطلع على بناء المرقدين سيجد إن الأعمدة الخشبية الدائرية تتقدم الضريح وهي تحمل شرفة البناء العملاقة، يعلوها تاج من الخشب يتكون من ألواح خشبية مقطعة بشكل مزخرف وفيها مسامير ذات أقراص مدورة كبيرة يعد استعمالها في هذا الموضع حلية وذلك واضح في تكرارها، ومن ثم استبدلت تلك الأعمدة الخشبية بالبناء الكونكريتي الدائري التي تكون الهيئة العامة للعقود بواسطة ما يسمى بالتيجان كذلك القواعد التي تستند عليها، ويستمر التطور في المحافظة باستمرار.
ومدينة كربلاء القديمة مازالت تحمل عبق ذلك التاريخ القديم - الحديث من خلال الأعمدة الإسمنتية التي تطرز شوارعها القديمة، بل ويمكن عدها ظاهرة تتميز بها المدينة القديمة والظاهرة هي كل شيء قائم أو متغير، يظهر لإدراك الإنسان كصورة يتعامل معها أو بموجبها، ولذا تتأثر هذه الظاهرة بفكر الفرد، يتأثر هو بها، أي إن الفرد منذ ولادته حتى وفاته، يتعامل مع الأشياء التي تؤلف ظواهر له، سواء أكانت قليلة الأهمية أم خطيرة، دائمية أم مؤقتة، حقيقية أم وهمية، ورغم تعرضها الى أكثر من موجة توسعة وإعمار وإزالة الأسواق والخانات القديمة، إلا ان بعضها ظل شاهدا وعتياً على الزوال ومنها شارع الإمام العباس الذي كان مغلقا في الزمن العصملي، وقد أجريت عليه التوسعة من جهة باب القبلة بعد ان كان شارعا فرعيا ضيقا، كان ذلك في بداية القرن المنصرف عندما كانت جذوع الأشجار تستخدم كأعمدة أو (دلكات) لحمل الشرفات والطرم والأفاريز وهو من النوع الجام، وتجلب من الهند ومن بورما وكذلك من ماليزيا، هذا النوع من جذوع الأشجار صلب وقوي يتراوح طوله ما بين (7 – 12) مترا. كانت الشرفات التي تحملها هذه الأعمدة الخشبية بمثابة مظلات تقي الناس شرور الفصول المتقلبة في العراق، كما كان بعض أصحاب المحال يستغلونها في إخراج بضاعتهم عليها، وما بينها وبين المحجر الحديدي هو الرصيف للسابلة والزائرين والبائعين المتجولين. ومن المعروف إن الحديد اكتشف قبل مادة الإنشاء الإسمنت، وكان يستخدم بالتواصل فيما بينه من خلال (البرجيم) وهي مسامير الحديد، أو طرق صفين من الحديد بحيث يترك أثر أحدهما على الآخر في أكثر من مكان يصعب بعدها تحرك أي منهما عن الآخر. لقد مرت شوارع كربلاء وطرازها المعماري بعدة مراحل ويمكننا أن نعد منها أهم المراحل في القرن المنصرم وهي :
1- المرحلة العمرانية الأولى (القديمة) قبل عام (1935) : عندما كانت المدينة داخل السور الذي كان يحيط بها وكانت تضم محلات (باب بغداد، باب السلالمة، باب النجف، باب الطاق، باب الخان والمخيم).
2- المرحلة العمرانية الثانية (الموروثة) بين عام (1936-1957): إذ توسعت المدينة خارج السور في محلتي (العباسية الشرقية، العباسية الغربية)، نتيجة لضيق المنطقة القديمة وزيادة أعداد السكان.
ولم تكن حملة الإعمار هذه مقتصرة على كربلاء، بل شملت كل أنحاء العراق، فـ"بعد ثورة تموز 1958، استحدثت وزارة البلديات التي احتوت مديرية للتخطيط ثم مديرية المشاريع العامة التي كانت معظم فعالياتها الفنية هي الإفرازات وتثبيت الاستقامات وتوقيع بعض المشاريع – أي نفس فعاليات البلديات القديمة – إلا ان المديرية في عام 1959 تعاقدت مع مخططين استدعوا من بولونيا لتوسيع أعمال التخطيط، وشرعوا بتخطيط البصرة معتمدين على مخطط ماكسلوك كأساس وإعادة النظر بالتصاميم المعدة من قبل مؤسسة دوكسيادس، وفي عام 1963 أنفصل التخطيط عن وزارة البلديات واستحدثت مديرية تخطيط المدن والاسكان العامة وارتبطت بها كافة فعاليات التخطيط العمراني التي كانت مرتبطة آنذاك بوزارة الأعمار.
لكن موضوعة البحث تخص كربلاء وبالتحديد تاريخ الأعمدة الإسمنتية التي سورت بناياتها في الشوارع الرئيسة والفرعية، فقد كانت المدينة القديمة تتكون من سبع محلات، مع الفارق ان المحلة الجديدة العباسية بشقيها الشرقية والغربية تكاد تشبه في شوارعها بعض البلدان المتقدمة والمدنية، فشوارعها معبدة بالرمل الأحمر، وما بين عام 1965 – 1966، بدأت حملة كبيرة لتبليط شوارع المدينة القديمة، بعد ان قامت مديرية بلدية مدينة كربلاء بإنجاز مشروع مجاري المياه القذرة، ومشروع مد شبكة ماء كربلاء الجديدة، ومد مجاري مياه الأمطار وباشرت بتبليط بعض شوارع المدينة الرئيسة بالطريقة الفنية الحديثة.
ولو بدأنا بالمنطقة الشمالية من مدينة كربلاء وبالتحديد باب بغداد – باب العلوة – سنجد أنها تتكون من ثلاثة شوارع رئيسة، أو"بلوكات"، الأول يبدأ من خزان الماء ومحطة تصفية الماء ومدرسة الاحرار الابتدائية سابقا ثانوية الحرية حاليا للبنين حتى شارع باب الخان وكانت هذه المنطقة هي بستان السادة بيت آل ضياء الدين ومن ضمنها محطة تصفية الماء وثم تم توزيعها الى قطع سكنية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، نجد الشارع الرئيس من جانبيه يخلو من أية أعمدة إسمنتية أو طوارم سابحة في الفضاء، أما البلوك أو الشارع الرئيس الثاني يبدأ عند ساحة العروبة الرئيسة للمنطقة، ويسمى شارع الحوراء زينب وتمتاز البنايات من على جانبي الشارع بأنها تخلو من الأعمدة الإسمنتية وصولاً الى الشارع الفرعي الذي يسمى شارع المغتسل سابقا - شارع جنة الحسين حاليا - حيث يعتمر الشارع الفرعي بهذه الأعمدة الدائرية طرفي الشارع الذي يتكون من بنايات وحسينيات وخانات وأزقة ضيقة وصولاً الى مغتسل العلقمي، وبالعود الى الشارع الرئيس الأول الذي يتفرع الى شارع المستوصف إن صحّة التعبير، وشارع الفنهارة ليتصل بشارع الرئيس الثالث الذي يمتاز بأن بناياته كلها بمختلف أنواعها تتقدمها أعمدة إسمنتية مستطيلة كما في بناية عمارة التأمين والدائرية كما في الحسينية، ومربعة كما في البنايات الأخرى، وصولا الى عقد الوزون الذي تتقدم بناياته أعمدة إسمنتية دائرية وصولاً الى حمام السيد سعيد الشروفي. وبالعودة الى شارع التأمين الذي يصل بنا الى شارع (أبو بسامير) فأنه يخلو أيضا من جهتيه من أية أعمدة إسمنتية.
أما منطقة باب السلالمة وباب الطاق، فتكاد تخلو من هذه السمة، سمة الأعمدة الإسمنتية لما تمتاز أزقتها من ضيق وفروع مغلقة النهايات، نتيجة الكثافة السكانية الكبيرة التي تتمركز في هاتين المنطقتين أو الحيين من أحياء المدينة القديمة.
أما منطقة أو حي المخيم، فأن أغلبها قد أزيل بعد عام 2010، وبقي منه جزءا محصوراً ما بين العباسية الغربية ومنطقة ما بين الحرمين طوليا، أما عرضيا، فأن المتبقي منها محصور ما بين شارع قبلة الحسين نزولاً الى حي باب النجف ليشتركا في شارع واحد اسمه شارع الإمام علي. على شكل حذوة حصان، يبدأ من جهة اليمين لشارع قبلة الحسين حيث تتقدم الأعمدة الإسمنتية الشارع صعوداً الى الإمام الحسين من جهة اليمين والدخول الى منطقة ما بين الحرمين ومن ثم الى شارع الإمام علي حتى ساحة البلوش، وهي منطقة مكتظة بالأسواق التجارية الفرعية ولكنها تخلو من الأعمدة، كونها ضيقة ومسقفة. وشارع الإمام علي يمتد طوليا الى منطقة أو حي العباسية الغربية التي سنتناولها فيما بعد.
وشارع الإمام علي عند رأسه من جهة ما بين الحرمين تتقدم بناياته أعمدة إسمنتية مربعة يصل ما بينهما أقواس إسلامية، والسبب إن المدينة القديمة بعد تجريفها في عام 1991، طلبت الحكومة المحلية بإيعاز من حكومة البعث توحيد الطراز العام لواجهة المدينة من الداخل، فمن كان بيته أو من يمتلك عرصة ويريد بناؤها على شكل بناية تتقدمها محلات، يجب ان يتقدمها أعمدة إسمنتية مربعة مغلفة بالقرميد الجمهوري كما يطلق عليه، ويصل ما بينها الأقواس الإسلامية وعلى ان لا تعلو عن طابقين.
ثم تعود منطقة المخيم من جديد في المنطقة المحصورة ما بين مرقد ابن الفهد وصولاً الى مستوصف العباسية الغربية صعوداً الى نهر الهنيدية الذي يفصلها عن حي السعدية، ونزولاً عند شارع قبلة الإمام الحسين الذي يفصلها عن منطقة أو حي العباسية الغربية.
شارع قبلة الإمام الحسين يزدان بالأعمدة الإسمنتية المستطيلة والتي تمتاز بارتفاعها عن الأعمدة الإسمنتية الموجودة في شارع قبلة العباس، ولكنه أقل شعبية والسبب إن خلفية المنطقة – منطقة المخيم – عبارة عن بيوت واسعة وكبيرة وتسكنها العوائل الراقية، كذلك إن في هذا الشارع تكمن بعض المراكز الدينية مثل الحوزة الشيرازية، والحسينيات، والأسواق المركزية، إضافة الى وسع الشارع وانفتاحه.
أما حي أو منطقة باب النجف التي تقع في وسط المدينة بين (الروضة الحسينية والعباسية) وهي تشبه حدوة الحصان أيضا، تبدأ من ساحة البلوش صعودا في شارع الإمام علي وتتقدمها الأعمدة الإسمنتية الدائرية صعوداً الى ما بين الحرمين من جهة اليمين والدخول الى منطقة ما بين الحرمين وصولا الى شارع قبلة العباس والدخول فيه حتى تقاطع شارع الجمهورية ليمتد بعد ذلك الشارع الى منطقة العباسية. وتحتوي منطقة باب النجف على أكبر أسواق المدينة التجارية كما تحتوي على أزقة ضيقة ومعوجة ولكنها تخلو من أية أعمدة إسمنتية دائرية أو مربعة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية