جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


استدراك


علاء المفرجي
لم تكن (أنفاسي الاخيرة) وهي السيرة الحياتية والمهنية التي كتبها لويس بونويل، تشبه فلسفته بالحياة.. ذلك إنه يعد أحد الاوائل الذين نظروا للسريالية  بمنحاهم الانقلابي الجذري في مساءلة القيم السائدة والأشكال التقليدية في علاقة الفن بالحياة والمجتمع.
فسيرة بونويل هي سرد تقليدي لكنها غنية مفعمة بالرؤى والاسئلة الوجودية.. فمن يقرأها يشعر بسريالية هذا المخرج والكاتب من خلال كل مفاصل حياته في كشف أدواته السردية الخطيرة التي حملت معاول هدم مختلف أشكال السلطة القهرية السياسية والاقتصادية والأيديولوجية.
فصاحب الكلب الاندلسي عاش حياة ميسورة، فبدعم مادي من والدته تمكن بونويل من تحقيق فيلم كلب أندلسي بالتعاون مع سلفادور دالي. حيث الرغبة في صدم البورجوازية وانتقاد الفن الطليعي في آن واحد، والرفض. لنزعات الطليعيين الشكلانية وولعهم ب”الخدع”السينمائية على حساب المضمون.
في أنفاسي الاخيرة يروي بونويل حكاية أمه التي أخذت تفقد ذاكرتها شيئا فشيئا في آخر سني عمرها قائلا.. كلما آتي لزيارتها.. كنت أعطيها إحدى المجلات فتتصفحها باهتمام من الصفحة الأولى حتى الأخيرة وبعد أن تعيدها إلي كنت أعطيها إياها من جديد على أنها مجلة أخرى فتبادر إلى تصفحها بالاهتمام نفسه، ليسرد حكايات تتعلق بفقدان ذاكرته ونشم رائحتها خلال صفحات كتابه ليتضح بعدها أنها ليست إلا فيلما سرياليا اختلطت فيه أحلام اليقظة بفانتازيا الصورة السينمائية.
السينما بالنسبة له شكل قصصي غير معتاد”لا يمكنني أن أنسى إطلاقا مقدار ما أثر في وفي جميع الموجودين في الصالة أول مقطع بصري شاهدته على الشاشة كان عبارة عن وجه يتحرك في اتجاهنا وهو يكبر شيئا فشيئا كما لو أنه يود ابتلاعنا كان من المستحيل أن نتخيل أن آلة التصوير هي التي كانت تقترب من الوجه."
و السينما لم تكن سوى وسيلة للتسلية ولم يكن أحد منا يعتقد كما يقول بونويل أنها قادرة على أن تكون أداة تعبير جديدة وبدرجة أقل كان اعتقادنا بأنها يمكن أن تكون فناً أما ما كنا نعتبره كذلك فهو فقط الشعر والأدب والرسم ولم يكن يخطر لي على الإطلاق أنني سأكون سينمائيا في يوم من الأيام.
بعد كلب اندلسي كان العصر الذهبي”بالنسبة لي وبشكل خاص, فيلماً عن حب مجنون عن قوة دفع لا تقاوم تعمل في كل الظروف على دفع الواحد باتجاه الآخر الرجل والمرأة اللذان لا يمكن لهما أن يلتقيا على الإطلاق). في (العصر الذهبي) صور ومشاهد غير مألوفة, حيث نرى الأسقف والزرافة مقذوفين من النافذة, وعربة تقتحم صالون الحاكم, وعظاما وهياكل بشرية قرب الشاطئ, والشاعر جاك بريفير وهو يعبر الشارع, وبقرة تبرك فوق السرير, بعين مفتوحة. ربما كانت هي العين التي قال عنها دالي: (إن العين الواسعة للبقرة يمكن أن تعكس في بياضها الناصع صورة مصغرة لمنظر طبيعي), كما قال: (إن السينما يمكن أن تعرض حبة السكر على الشاشة كما لو كانت أكبر من منظر أبنية عملاقة).
يعترف بونويل في مذكراته الشيقة بأنه لا يحب العميان والطرشان ووسائل الإعلام والحسد وأولاء الذين يطلقون الحقائق أينما حلوا وأولاء الاستعراضيين، لكنه يحب الحيوانات والأدب الروسي والهوس والأقزام وسمك السردين.
ثم يعترف في السطور الأخيرة من أنفاسه”مع اقتراب أنفاسي الأخيرة.. يبقى شيء واحد آسف له هو عدم معرفة ما سيجري.. وأعترف أخيرا.. على الرغم من كل كراهيتي للإعلام إلا أنني أتمنى أن أكون قادراً على النهوض من بين الأموات مرة كل عشر سنين لأذهب إلى أحد الأكشاك فأشتري مجموعة من الصحف ولا شيء آخر وأعود إلى المقبرة.”



المشاركة السابقة