جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الجسد/ النكرة .. في التعريفات الاولية للثقافة العراقية


يوسف محسن
يعد سؤال الجسد أحد الإشكاليات الكبرى في الثقافة الحديثة، حيث يتطلب حفر انثربولوجيا الطبقات السفلى من تاريخ المجتمعات، وذلك إن هذا السؤال مقصي من السوق الرمزي بعد عمليات الخفض التي تعرض لها في مخيال الثقافة العربية بشكل عام والثقافة العراقية الحديثة بشكل خاص.
منذ التكوين الأول للثقافة العراقية لم يتم طرح سؤال الجسد وتحولاته في النصوص الأبداعية؟ وهل استطاع المثقفون العراقيون تحليل النصوص الشعرية والروائية  التي حملت داخل تمثلاتها عمليات مسخ الجسد العراقي؟ وكيف يمكننا أن نشكل حقلاً اركيولوجياً لتاريخ الانتهاكات؟ أو نعيد بناء الوقائع الثقافية لتقديم الحساب الختامي للجسد الانطولوجي العراقي؟ أم اننا ندخل في دورة سديمية جديدة من التوحش أجساد بلا هوية. أجساد بلا روؤس إنه  سؤال سلطة الثقافة.

موضوع هامشي
ويعد الجسد الاجتماعي منجماً للدلالات والشفرات والعلامات ذات البعد الثقافي، فضلاً عن ذلك فان طبيعة الجسد كونه كياناً أولياً متعدد الوظائف يخترق مجموعة من المباحث والعلوم من الطب وعلم الأديان مروراً بالفلسفة والعلوم الانسانية والآداب وهذا ما يجعل قراءته أو كتابة تاريخه عملية ملتبسة، حيث كان ظهور ثيمة (الجسد) بوصفه جزءاً من السلوك الإيماني في أبعاده الدينية واليومية أو البحث في الثنائية التراتبية، هذا التهميش المزدوج مارسته الثقافة العربية الكلاسيكية (للجسد) وحولته الى خطاب أو موضوع هامشي وعرضي، وقد استطاع الاسلام كمنظومة لاهوتية (تقنين الجسد) أي الجسد في مجمل حركاته اليومية والعملية والوظيفية.سواء كان الجسد اليومي الديني الذي يمارس مجموعة من الشعائرية العبادية مصحوباً بخطايا مسكوكة لهذا الغرض يتحول فيها الجسد الى صور نمطية تستجيب بشكل منظم لإيقاع المقدس الذي يتبلور في جزئياته الدنيوية،أو الجسد اليومي الاجتماعي والخاضع لقيم الصلاة والصيام والبسملة. حيث يتحول الجسد الاجتماعي الى مختبر دائم لممارسة قدسية العلاقات ويتم تأطير الحياة اليومية بالطقوسية.

الجسد والانكسار الأنساني
أما الجسد كمفهوم ثقافي بالمعنى الانثربولوجي فهو يقع في نقطة تقاطع قصوى بين حمولاته الرمزية والفاعلية السياسية للسلطة حيث إن المجتمعات التي تسودها ايديولوجية كليانية تقوم أساساً على انشقاق الجسد الاجتماعي الى روح/ جسد ذات/ موضوع ما يؤدي بالكائن البشري الى العيش ضمن دائرة مزدوجة أو العجز الكلي عن بلوغ ذاته الانسانية وهذا ما حصل للجسد الانطولوجي العراقي. حيث إن غياب/ حضور الجسد في الثقافة العراقية المؤسساتية يعود أصلا الى ضغط الحقل السياسي. فهو كمعطى مادي يتجسد في المتخيل الايديولوجي وتم استعارة هذا الجسد المادي غير المتعين تاريخياً والذي لا يحمل هوية ذاتية داخل نظام الثقافة العراقية مندمجاً في شبكة من الرموز والقيم كموضوع. عبر عمليات التهميش والإزاحة الى منطقة غامضة وشطره الى ثنائيات معرفية داخل ايديولوجية الثقافة العراقية وتحويله الى سلعة صنمية تجرده من وظائف الحقيقة. لصناعة سلسلة طويلة من الاجساد والموديلات ووضعها في منطقة الانتهاكات الدائمة. وقد تمظهرت هذه التشويهات داخل الحقل الثقافي العراقي بوصفه حقلاً للقمع والتدجين اليومي والخروج من الحقل الطبيعي. رغم إننا هنا لا نحلل الجسد الايروتيكي وإنما الجسد الاجتماعي حيث تركت النكبات والانهيارات والحروب والتي حفل بها تاريخ العراق بصماتها الكبرى على هذا الجسد فمنذ عمليات الإبادة والجوع والسحل والمقابر الجماعية وتقطيع الأطراف وبتر الأذن كرست صورة تركيبية للانكسار الإنساني.

اسم نكرة
. فقد تم توصيف الجسد داخل التعيينات الأولية للثقافة العراقية بوصفه (اسم نكرة)، إن هذه التعيينات لم تكن تمثلات فردية وإنما تشكلت كرؤيا جماعية داخل النظام الثقافي المؤسساتي فهو محض عنصر استهلاكي في الحروب الدائمة الداخل/ الخارج وقابل للقطع والبتر أو مسخه كجثة بلا هوية سواء كان في المقابر او الطرقات. هنا نستطيع أن نستكشف العلاقة الكامنة بين دلالة الجسد والنظام الثقافي حيث إن تاريخ الجسد الاجتماعي العراقي هو تاريخ جنائزي وبؤرة للتصدعات ومخزون خرافي افتراضي للترميزات التاريخية القابلة للاستعارة والغواية. فمن خلال ارشيفة تاريخية الجسد نكتشف حجم الانتهاكات التي تعرض لها داخل حقل السلطة/ حقل الثقافة. حيث بقيت التأسيسات الفكرية والنصوص في مجال الشعرية العراقية والمتون الروائية تمسرح الجسد ضمن تخطيطات ايديولوجية عدوانية وتعيد تنظيم وجوده المادي في سياسية صناعة الشهوة أو العنف عبر مجموعة من المصفوفات الثقافية.
1- الفصل بين الجسد/ الروح. رجولة/ أنوثة كموضوعات انطولوجية.
2- انحلال حسب تاريخية الطبقات الاجتماعية حيث تقوم الثقافة العراقية البيطرياركية في عملية اخضاع الجسد الفردي عبر هيمنة الجسد الاجتماعي.
3- اختزال الجسد الى محض علاقات غرائزية وفق الاشتراطات التاريخية وموضعة الجسد كموضوع وليس ذاتاً.
بهذا المعنى لا ينفصل خطاب الجسد في الثقافة العراقية عن النسق السياسي السلطوي حيث يتحول الجسد الى شارح أولي لفوضى السلطة الثقافية. تلك هي أعم التخطيطات الابستمية للثقافة العراقية حول الجسد حيث ان هذا التشكيل يحمل في احشائه كل الانتهاكات الممكنة وداخل هذا الشبكة الكبرى من التنويعات الثقافية تم تسويق الجسد العراقي في فضاء سياسي معتم وترويضه وإشهاره دعائياً.



المشاركة السابقة