جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


نيرانُ الجليد


الإهداء
الى عاتكة الشكرجي..والى من  يحبون المتعة..في القراءة ويغرقون فيها

الكلمة
كل الحكايات..هي متعة نحكيها.. لمن نحبهم
علي تاج الدين
لم يكنْ بقايا أضواءِ عيونِ الأموات
لمْ يكنْ ضحايا أُلقيَتْ  فيه منذُ الخليقةِ
لمْ يكًنْ أشلاءً تبحثُ عن أرواحِها
إنَّهُ اللهيبُ الذي فجَّرتهُ نواةُ السماءِ
بوجهِ غيومِ الأرض.
إنَّهُ عمالقةٌ خرجتْ من البحيراتِ
حاملةً على أكتافِها قاذفاتِ الينابيع.
إنَّهُ ابنُ مَنْ ضحَّى بأبنائِهِ الثلاثةِ مِن أجلِ
أنْ يرعى النورَ، فكانَ هو النورُ نفسُهُ
ثمَّ وقعَ في بئرٍ قعرُها النجومْ.
إنَّهُ ابنُ مَن لا لُهاثَ إلَّا لهْ.

هي حكاية عني وعنهم..وعن القصة والرواية..هي شيء فينا وفيهم..وفي..إننا حين نقول كل شيء عنا وعنهم  وعني..نقول ذلك بحرقة”كلبنه محروك”سواء كنا في ساعة  يأس أو ضجر أو دمار..أو كنا على وشك الموت..أقصد في ساعة
إحتضار..نحن الكتاب والقصاصين في وقت إحتضارنا نختلف عمن يحتضر من الناس الآخرين..ونحن نحتضر.. نراقب عن كثب في عيون من يترقبوا موتنا ومن يودعونا.. وكنت أجول في خواطرهم  وأفكارهم وخلاياهم  ومساماتهم..والحقيقة أني كنت أحتضر منذ أسبوع..هذا الإسبوع كان طويلا عليهم وشاقاً وعصياً..كنت أرقد على الأرض أداروني بأتجاه القبلة وصوت الشعشاعي وهو يقرأ آيات من الذكر الحكيم.. تلعلع تلك الآيات  في أذني..ومبردة الهواء..والمروحة الكهربائية كانت تضرب على وجهي لكنها لم تمنع عيني عن قراءة وجوههم وعيونهم المحدقة  بي..عيون عفيفة تائهة.. وعيون مخادعة..ومراوغة..وعيون محتالة..ولئيمة..لقد سأموا من الانتظار..كان الوقت صيفاً..وكانوا يرومون الذهاب الى فراشهم..أنا كتبت الكثير من القصص والروايات عن الحياة والموت والبهجة والنشوة والمعارك والخراب في العراق ولم تتمرد  أي شخصية على قلمي ومنذ سبعة أيام أراهم يتمردون عليّ.. أولادي..وبناتي  كلهم.. الذين كنت أحملهم على ظهري مثل حمار وأدور بهم على المستشفيات وألف وأدور بهم في الردهات متوسلاً بهذا وذاك..مثل متسول ,اليوم السابع لأحتضاري , كانت  المبردة والمروحة الكهربائية تدور, تضرب بهوائها على رأسي على جمجمتي..الناحلة ,كان يوم جمعة  الرابعة عصرا وكان تلفزيون بغداد انذاك يعرض فليماً لعنترة وعبلة  وكنت قد شاهدته لأكثر من مرة  وهو يحاول أن يجمع النوق البيض  ليقدمها مهرا لعبلة..أحببت هذا الفيلم  بل وعشقته وتمنيت أن يطوِّل الله في إحتضاري  حتى نهايته كوكا وسراج منير..لكن مايعرضه التلفاز غير ماتعرضه عيونهم من طمع وتقولات
“دموت..عاد شطولته”
كتبت الكثير لكنني وأنا احتضر لم أكتب عن هذا المنظر المهول..عن أولاد وزوجة وأحفاد يدفعون بي الى الموت.. بدوا لي شخصيات هزيلة..لاتستحق أن أتعب نفسي في التفكير  بهم مثل حمار..مرة واحدة فلتت مني شخصية  هي شخصية  سوريل في رواية التعيس الذي رأى نفسه صارت عاهرة لكني لم استطع ايقافها رغم محبتي لها..لكن الآن عادت تفلت مني شخصيات حقيقية وواقعية..ووو.. يتمنون لي  مغادرة  الحياة.. الجمعة الخامسة عصرا..عنتر الشاعر..وأنا الكاتب..والقاص..الفارق بيننا مئات من السنين..عبلة احبته حد الموت وشوقية أحمد الشكرة.. كأنما تريد موتي هي والآخرين..اسعدني منظر النوق البيض التي أتى بها عنتر..  والعشيرة كانت تزغرد له  في حين كانت عشيرة من العيون قد سئمت من الانتظار..هم يريدون الانصراف الى أعمالهم..ومشاغلهم وفراشهم
لم  أكتب قصة أو رواية مثل هذه..تلك هي قصة احتضاري..كأن شركة وهمية محلية استأجرتهم  أسرتي للقيام بالمأتم والجنازة والتشييع المهيب..انتهى الفيلم بزواج عنتر وعبلة في الخامسة والنصف..فيلم متقن..وحب جميل..يقابله موت كئيب موكب جنائزي رسمي كأنه موت لقائد عسكري..ومن ورائه جنود مرتزقة..يشيعوعه بفخر.



المشاركة السابقة