جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


العوم في روايات ساغان وأجفان كاترين


نعيم عبد مهلهل
الممثلة الفرنسية كاترين دينوف والروائية الفرنسية فرانسواز ساغان، ثنائية الجمال الجرماني الملقب بالآلهة الباريسية والروائية التي تجعل الكلمات ثياب أنثى تشم البحر والسكائر والرغبة في الطيران.
ساغان ودينوف والثالثة جدتي والدة أمي الدوقة (مشتهاية ضمد حاشوش الحسيناوي) يمثلان هاجس المثلث الأسطوري في محاولاتنا لأنشاء القصائد ومواويل الشطرية ونواح المحمداوي الذي تغسله في صباح ماطر شهية العطر على أجفان عارضات الكرستيان ديور..
الجمع بين فرانسواز ساغان وكاترين دينوف وحبوتي (مشتهاية) هو جمع التأريخ الروحي لأحلام المعدان عندما يتمنون موسيقى إغريقية تحرك مشاحيفهم وهم يتوجهون الى قلاع بابل لدحر الاسكندر عبر الفرات أو السين أو دمعة العين..
في صورة نشرتها صحيفة اللومتيه وتبدو فيها  ساغان وهي تشعل لدينوف سكارتها، فيما جدتي مشتهاية بسبب كهولتها نست لف التتن الحار الذي تعودت عليه فصارت تمضغ بدله القات اليمني وتهدي ديغول والرئيس عبد الرحمن عارف مواويل الشجن العاشوري الأسود، فيما الروائية والممثلة تنسجمان بشهية غرام الرصيف وتلك الموسيقى العالية الأداء التي تأتي من خلال همس القبلات بين الممثلة وكاتبة الرواية.
التفكير بسحر الصورة وحده يصلح ليكون فصلا روائيا مبتكرا عن تلك الأماني الروحية التي كانت تسكن جيل الستينيات والسبعينيات وهو يحاول ان يطور مدارك الأحلام الفقهية والبوذية والسريالية والعاطفية ليتوصل الى اللحظة الثملة التي يستطيع فيها إنتاج نص روحي يتغلب فيه على الثقوب التي كانت تنتشر على معاطف آبائنا وشيلات أمهاتنا.
القراءة السيكولوجية للدخان الذي يأتينا من سيكارة كاترين دينوف هو ذاته دخان مواقد شتاءات بيوتنا الطينية ونحن نحلم معها أن نهزم البرد بخاطرة أو بنشوة منتصف الليل مع أغنية لنجاة الصغيرة.
أما فرانسواز ساغان الممتعة في أداء الرغبة وجعل المغامرة هي حبكة الغرام في نصها الممتع صباح الخير أيها الحزن،أو تلك المحسوسات التي يتدفق فيها شعاع الشمس في الماء البارد أنما هي قراءة لتنشئة هاجس رغبتنا لنعيش لحظة الهروب الى الأماكن الأبعد بقطارات رغباتنا المراهقة وعادتها السرية.
الآن بعد مرور اكثر من أربعين عاماً على هذه اللقطة الفتوغرافية (الأسطورة) يسكننا الحنين الى شاشات السينما في الأسود والأبيض، يسكننا عطر بساطيل الجيش وهي (تطر اليافوخ)، يسكننا ليل ربايا شمال الله وجنوب نعوش الشهداء،يسكننا فهم الايدلوجيا لقراءاتنا للكتب الحمراء التي يكتبها ماركس بخط يديه، وللدفاتر الخضراء التي يؤلف فيها نزار قباني قصائده.
يسكننا وجه عبد الكريم وعبد السلام والسياب (وعركجينة) الجواهري ورقصة زوربا وبائع الجرك وصوت اليهودية الطيبة سليمة مراد باشا وهي تطربنا بلحن عود اليهودي صالح الكويتي أغنيتها الأممية (قلبكْ صخر جلمود..ما حن عليه)
والآن نحن وأحلامنا نتدفأ في أختام المخاتير ولصوص النفط، وأولئك الذين شربوا الدين عصير برتقال وبه اصبحوا اكثر ثراءً من صاحب شركة الايفون...
محنة نهرب منها بأن نطبع شهيتنا على تلك الصورة القديمة للروائية ساغان والممثلة كاترين دينوف والتي تتأملها جدتي بشوق غريب كمن يتأمل الموناليزا وهي تخلع ثوبها الشفاف أمام دافنشي.
بين الصورة وبين وجه  أبي  وحائط مطبخنا، تهيج البهارات وجه أمي وعطاسها بسبب الكركم الهندي وأغنيات راج كابور.
بين وجه أخي المتوفي في حرب حوادث السيارات وبين أفارقة من أثيوبيا يحاولون خداع الفرنسي آرثر رامبو ليكونوا معه في الليل ندماء وسماسرة وحشاشين.
بين الدبابات وهي تغزو  باسمنا الجيران والخلان والبلد النعسان تحكي هذه الصورة جزءاً بعيداً من سريالية حياتنا، وتمنحنا القدرة على الذهاب الى أبعد من سور الصين،نؤدي تحية الشوق الى تلك الرغبات الطفولية المكبوتة يوم ترفع هند رستم ثوبها فوق الركبة وتهز الف مصطبة خشبية في كل سينمات العراق تمارس عادة الود وقبلة الخد واللوح الى ما حرمه وحلله الله.
قراءة الزمن في صورة بين روائية وممثلة هي قراءة لما جرى ويجري وسيجري.
المهم إن هنري كيسنجر هو الشاهد الوحيد لعطر تلك الصورة يوم كان وسيطا روحيا بين نيكسون وهوشي منه بين جونسون وبرجنيف.بين عشائر آل بو نخوة وعشائر آل بو شفه يوم تنازعوا من اجل (الهايشة نرجس) التي عبرت من حقل نوماس الى حقل الترباس فأشعلت حروب قابيل وهابيل وصنعت لآدم حزنا آخر من حرائقه حرب حزيران وحرب برزان وحرب عبدان وحرب صفوان وحرب بنغازي وسيناء والربيع العربي في بلاد القيروان.
كل هذا في شرح الصورة ممكن..
والممكن أيضا أن نذهب الى أبعد مما نتمناه ونتخيله ونحب استعادته، تلك الإنشاءات المرتجفة في الحليب الأبيض للبقرة السوداء. نشوة عصا المعلم وموسيقى الخوف واللذة في قصص محمد عطية الأبرشي ومجلات سوبرمان والوطواط وإغراءات ممثلات مجلة الشبكة.
عالم غادر ولن يعود وما ظلت منه سوى سريالية هذه الصورة التي نكتبها برغبة البوح في شهية النظر الى التماثيل في الساحات العامة، لهذا تلك الومضة الفوتوغرافية تصلح أيضا لتكون تمثالا يحكي قصة الدهر مع فقرائه. النعوش مع شهدائها،والثورات من مشعليها الذين لا يجنون ثمارها في أغلب الأحوال ومن يجني هو الرمز المخادع الذي قرر أن يحلق شاربيه قبل إذاعة البيان الأول.
هذه الصورة هي أيضا تصلح لتكون نصبا روحا لأيامنا،ونضيفها الى خيال القامات المنتصبة في ساحات مدن العالم او نضيفها الى ذكريات التماثيل التي هدموها واقتلعوها وتلك التي ينحتها النحاتون الآن لوجوه جديدة تستخدم ذات المساحيق التي كان يستخدمها أسلافهم.
تحويل الصورة الى تمثال هو جزء من ايرويتيكا استعادة اللذة داخل الزمن، والتعبير عنه على شكل حكاية هو جزء من تدوير اللحظة التاريخية وافتراضها بما كنا ونتمنى ان تكون.
هي تشعل السيجارة لدينوف. ونحن نشعل قلوبنا لمحادثات الماسنجر، نعشق الخيال الافتراضي بعد أن ذهبت عنا خيالات تلك الأفلام الروحية التي كانت تجعل لوجودنا معنى حتى عندما كنا ننام وبطوننا خالية حتى من خبز الشعير.
هذا التحوّل، الصورة والممثلة والروائية وجدتي مشتهاية هو توسيع لهاجس الابتكار في جعل الرواية ليست مجرد حكاية متسعة التفاصيل والأحداث والأمكنة والمشاعر والغراميات، بل هي تلك اللحظة المفترضة التي يجب أن تشعرنا بأن انفسنا تعيش ذات اللهفة الموسيقية الرائعة المشاعر ونحن نرى هند رستم تومئ لنا بإغراء صدرها الأبيض وتقول تعالوا :النار هنا في الصدر وليس في موقع الفحم التي تسخن عليه أمهاتنا الطبيخ الماصخ والخبز الأسمر وتشوي عليه الطماطم التي هبط سعرها كثيرا لان مزارع قضاء الزبير بدأت تزرعه باستخدام الأغطية البلاستيكية.
هكذا نرى المشهد ونتعامل معه ونرويه كقصة او كحكاية شهرزادية، وسأكون أنا شاهد عيان لتلك اللحظة الموسيقية التي تمشي على أفخاذنا ونطير معها مثل فراشات في حديقة صينية.
الصورة والتمثال...
الله والفقراء...
لينين وهتافات العمال...
هتلر والنازيون القساة....
داعش التي تصنع الخواتيم بذبح الناس من العنق.
صورة العالم عبر التمثال وعبر الصورة وعبر الخيال. شيء من أسطرة الميثولوجيا في طفولية تلك الرغبة يوم تعلمت (أنا) فن كتابة القصة وتخيلت موظفة في متحف وهي تمارس الغرام مع التماثيل السومرية،ولم تنل من جلجامش ما تخيلت هي إنه عليه، ويبدو أن الملك السومري فقد الكثير من عنفوان طاقته الذكورية بسبب المشي الطويل في رحلته الأسطورية الى تفاحة الحياة.
تخيلت الأمر أن جلجامش الآن ليس سوى تمثال ينتصب بين الروائية والممثلة، وان عضوه الذكري بطول السيجارة، وحين يصبح خاملاً ولايشتعل حتما ستعوضه أحداهن بالسيجارة، وهو ما فعلته كاترين دينوف.تحاشت التمثال وعضوه وتوجهت بشفتيها ونشوة التدخين الى ساغان وقالت لها بلهجة المعدان حين يطلبون من احدهم بإشعال له السيجارة : (ورثيلي)، وهنا التوريث ليس الحصول على إرث ومال بل هو إشعال السيجارة من قبل الآخر وهي مزروعة بين شفتي من يريد أن يدخنها.
رؤيا الصورة في تحويلها الى تمثال وموضوعة تشتغل عليها حواس الكتابة لدى مؤلف من أهل أور، كان يتقدم أطفال شارعه في الجلوس على الأريكة الطويلة في قاعة السينما ويبحث في وجوه الممثلات عن التي تقبل به عريسا لما بعد منتصف الليل حين تهدأ موسيقى شخير الأب، تمثل الهاجس الخفي في كل ما كنا نتمناه ونسعى للحصول عليه.
ولكنها أحلام، ومع الأحلام نديم شهية أثبات جدوى الحياة ونتخذ من مقولة لينين :ينبغي لنا أن نحلم طريقاً ومسلكاً لأثبات أننا سنصبح في يوما ما نجوماً مثل تلك النجومية التي تتمتع به صوفيا لورين وعبد الحليم وألن ديلون وداخل حسن، وفي أوائل السبعينيات أتى حسين سعيدة وجلوب العماري ليتوارثوا في الكاسيت أنين الناس ويشعلوها قهرا وقهر كما فعلها سلمان المنكوب وكما كانت تفعلها أم كلثوم وأديت بياف.
الصورة تمثال....
رواية هي التي اكتبها. حديث العمر والوسائد والتماثيل والصور. تتخيلها رؤية لمقال، ولكنها في الحقيقة رؤية لحكاية تكتب في تداخلات عميقة من إرهاصات روحك وذكرياتك وقراءاتك لما حدث ويحدث وسيحدث، وبسبب أغراء الصورة وتخيل إن جدتك مشتهاية تبحث بين شفاه المرأتين شهية التبغ،تسكنك غلايين أساطير عجائز اور ومخموري الدخان من أعمامنا الهنود الحمر من فصيلة الأباتشي أولئك الذي علبتهم أمريكا في مستعمرات من الصفيح وراحت تبني ولاياتها الواحد والخمسين وتعلن حروبها من بيرل هاربر ومرورا بحفر الباطن واحتلال بغداد.
الرابع معهما تمثال، وما اكثر التماثيل في حياتنا.
تذكرت كاتبة مبتدئة ظهرت مرة في قناة لليو توب تقول فيها: اشتهي لأمرر شفتي على فم تمثال ماركس كلما مررت بمقبرته الإنكليزية. متعة الغرام مع ماركس هي متعة جعل الغرام هو اشتراكية كل هذا العالم فلا تشعر أي امرأة في هذا العالم انها عانس.
يا الهي وقت التقاط الصورة هذه بين الروائية الفرنسية والممثلة دينوف كأن الاثنين عوانس.
اذن هن يحتجن الى شفتي ماركس ليشعرن أنهن ليس فقط ماهرات بصناعة أنوثة وايروتيكيا الأداء التمثيلي وكتابة الرواية بل انهم يستطعن جعل التماثيل نافذة لايروتيكيا الفعل وهو ينتصب من فوهات مدافع ال 130 ملم تلك التي كان يوجهها تمثال صدام الواقف على ضفاف شط العرب من جهة العشار وهو يرمي بها مدن عبدان والمحمرة وقد تصل الى قرى الأهواز عندما تنتشر كتائبها قريبا من منفذ الشلامجة الحدودي.
أتذكر من أساطير الخوف من الحروب وفي مكان لا يبعد عن الشلامجة عشرات الكيلومترات حيث واحد من اقسى واكثر جبهات الحرب رعبا وأكثرها وضوحا لمديات القناصين ومدافع الهاون وتسمى بحيرة الأسماك،كنت هناك أعيش الذعر الروحي لذلك الخوف ان يكون الهوتيل الذي أتمنى السفر فيه الى باريس أو روما أو دلمون ليس سوى هذا النعش الخشبي الذي يلفوه بعلم.كنت وقتها أعلق في ملجئي صورا لممثلات السينما كتعويذة اطرد فيها دقة الإصابة التي يحسنها القناص ورامي قاذفة الأر بي جي 7، ومن بين هذه الصور صورة للساحرة كاترين دينوف، وذات يوم دخل الى ملجئي آمر السرية فانتبه الى الصور، وربما وحدها كاترين بنظرتها المتوحشة الفاتنة من جعلت الضابط لا يفكر بأنزال العقوبة علي كوننا في حرب وليس في قاعة سينما. وأظن ان عينيها من دفعته في الأيام القادمة الى الأقدام على فعل مجنون لم يقدم عليه أي جندي في أي حرب عندما اقنع عشيقته بان تتنكر بملابس جندي وتأتي معه الى الحجابات القديمة وتبقى معه في ملجئه دون أن يعلم بها أحد.
ذات يوم أتت مفرزة استخبارات وداهمت ملجا آمر السرية وكان برتبة نقيب والقوا القبض على عشيقته وكانت ممددة على السرير نصف عارية، أما هو فقد اقتادوه الى مقر الفرقة وتمت محاكمته وطرده من الجيش مع السجن لعامين، ولا أعرف ماذا جرى لعشيقته، ووقتها ذعرت أن يداهموا كل الملاجئ ويكتشفوا الصور فأساق مخفورا الى السجن،وبعد حين عرفنا ان مراسل الآمر وهو الجندي الذي يقوم بخدمته هو من وشى على آمره،ولكني كنت دائما أنظر الى النظرات الساحرة لعيون دينوف في الصورة وأهمس لها :حتما انت من وشيت عليه.
بعد مرور سنوات، انتهت الحرب وذات ليلة أتت إليّ أطياف تلك الحكاية ودونت الاشتياق اليها في نص يضع دينوف والمدينة التي اغتربت هنا في شهية واحدة قبل أن اطلق عليها لقب الآلهة الفرنسية القبيحة، وقتها كانت كاترين وحدها في الصورة ولم أكن بعد قد عثرت لها على تلك الصورة السريالية وهي تنتظر من فرانسواز ساغان إشعال سيجارتها (الديموريه) وهي ذات الماركة التي كان الحانوت العسكري يبيعها على الجنود في جبهة بحيرة الأسماك، وبعيدا عن الضابط الذي طرد من الجيش بسبب رغباته الجنسية. استعيد تواريخ أحلام السينما في حياتي.
في مدينة الناصرية كانت توجد أربعة دور عرض للسينما. الأندلس الصيفي والشتوي والبطحاء الشتوي والصيفي.
واليوم البنايات الأربع فقدن سحر شاشات العرض، فهدمت البطحاء الصيفي والشتوي والأندلس الشتوي تحولت الى مخازن وورش نجارة والصيفي أصبحت كراجا للسيارات..
وعودة للزمن الذهبي لقاعات العرض السينمائي، كانت تلك الأمكنة واحة خصبة لسياحة الخيال وكتابة القصص والخواطر ورسائل الحب، ومن يريد أن يمتلئ بالشوق الى أنثى يتمناها ويتخيلها يذهب ليشاهد فيلما رومانسيا هنديا أو يتمتع بشهوة عينيه مع جسد الفاتنة هند رستم او برجيت باردو أو راكيل وولش.
كانت الدهشة تصبغنا بأشياء كثيرة، ومع الأفلام الملونة نمت فينا هواجس جديدة لها طعم آخر حملته الموجة الجديدة لوجوه الممثلات، وربما السينما الفرنسية أخذت منا الكثير من سحر المتسمر أمام شاشات السينما وقراءة خارطة تفاصيل الجمال في لذة الزبدة الفرنسية التي كانت مملوءة بصحن وملتصقة على خد ممثلة ساحرة اسمها كاترين دينوف.
كانت هذا الوصف هو من كان يضعه صديق لنا هام حبا فيها، وكان يقول :اجمل الطيور تلك التي تحلق في سماء عيون كاترين دينوف. وكانت سينما الأندلس هي من تخصصت في الأغلب بعرض الأفلام الفرنسية.والعرض المسائي يبدأ دائما في الساعة الرابعة بعد الظهر، فكان صديقنا في اليوم الذي تعرض فيه سينما الأندلس فيلماً لدينوف يتسمر أمام باب السينما من الساعة الثانية بعد الظهر في أوقات تصل فيها درجة الحرارة في الصيف الى خمسين درجة. وفي الشتاء كان البرد يهز بدنه لكنه كان يشعر أن انتظار الفاتنة الفرنسية يدفئه.



المشاركة السابقة