جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


عندما يكون المصور الصحفي فناناً واعياً


فاضل عباس هادي
لقد شاع في السنوات الأخيرة تعبير «فوتوجرنالست » أي المصور الصحفي الذي يحمل آلة التصوير معه. في أحيان كثيرة يكتب الصحفي المقال ويزوده بالصور التي التقطها بنفسه، وفي أحيان كثيرة يكتفي بالتقاط الصور ويرسلها إلى الوكالة الصحفية أو الجريدة التي يعمل لها.وهذا النمط من الصحفيين يجازف بحياته كل يوم ويعرض نفسه لمختلف المخاطر،
وخاصة في مناطق العالم الملتهبة سياسيا. ولا نبالغ إذا قلنا أنهم «شهداء الحقيقة » وقد مات الكثيرون منهم في فيتنام والهند الصينية وفي أمريكا اللاتينية، وأشهرهم، بدون جدال، المصور القدير روبيرت كابا الذي فقد حياته بانفجار لغم في الهند الصينية.
وروبيرت كابا هو القائل «إذا كانت صورتك ليست جيدة بالدرجة المطلوبة، فإن سبب ذلك، على الأرجح، هو انك لم تقترب من الموضوع بالقدر الكافي .»
إلا أن اقترابه من الموضوع، أدى بالتالي، إلى استشهاده وهو في قمة حيويته ونشاطه. وإذا كان روبيرت كابا هو مثال المصور الصحفي الذي نذر نفسه للحقيقة ومات من اجلها، فهناك مئات المصورين الصحفيين الذين يحذون حذوه.
ومن هؤلاء، جورج رودجر الذي أصدرت له دار «نيشن Nishen » للنشر كتاباً بعنوان »Opus Magnum«  خمسون سنة من التصوير الصحفي.
و «ماكنوم اوبس » كلمة لاتينية تعني «الرائعة، أو التحفة الأدبية أو الفنية ». واختيار العنوان هذا لكتاب يتضمن صوراً مختارة التقطها رودجر خلال خمسة عقود، لم يتم اعتباطا. لأن أعمال هذا المصور المبدع هي روائع فنية حقا، بمعنى انها تسجل لحقيقة معينة وتسجيلها بشكل رائع يقترب من وينافس لوحات كبار الفنانين العالميين. فمن هو هذا المصور؟
ولد جورج رودجر في مدينة «هال » البريطانية في العام 1908 ، وفي السابعة عشرة من العمر التحق بالأسطول التجاري فوجد نفسه في مدينة كالكتا الهندية، وبعد سنتين من هذا التاريخ، دار الشاب رودجر حول العالم مرتين. وفي العام 1929 وجد نفسه في أمريكا التي كانت في تلك السنوات تمر بفترة الانحسار الاقتصادي، فاضطر إلى التعيش من مختلف الحرف اليدوية البسيطة.
وفي العام 1936 عاد جورج رودجر إلى بريطانيا ومعه بعض الصور التي التقطها بآلة تصوير «كوداك الجيب » البسيطة ولشد ما كانت دهشته عندما وافقت هيئة الإذاعة البريطانية على تعيينه مصورا عندها.
إلا أن الوظيفة المذكورة كانت محدودة، وتقتصر على التقاط صور الشخصيات البارزة التي تزور أل «بي. بي.سي ». وماهي إلا سنتين حتى شعر رودجر بنداء الحرية يهتف عميقا في فؤاده، فترك الوظيفة المحدودة وليس افضل من وكالة التصوير الصحفية «النجم الأسود » الأمريكية لتحقق له تطلعاته. إن حياة رودجر لحافلة بالأحداث، فقد ارتبط اسمه، من خلال الصورة، بعلامات بارزة وكبيرة في تاريخ الإنسانية المعاصر. ويكفى أن نذكر بأنه كان من المصورين القلائل الذين كانوا مع قوات التحالف أثناء
تحرير بلجيكا، وكان في الزورق نفسه الذي نقل تشرشل ومونتجمري عبر نهر الراين. وكان موجودا في مدينة لونبرج الألمانية أثناء توقيع ألمانيا الهتلرية وثيقة الاستسلام. وكان أيضا أول مصور يدخل معسكرات الاعتقال النازية. سهل العمل في الوكالة الصحفية المذكورة، السفر على رودجر، فتنقل بين البلدان والقارات، وأخذت تحقيقاته الصحفية المصورة تظهر في مجلات عالمية مشهورة، وعلى رأسها مجلة «لايف » و «بكجر بوست » و «ويكلي الستوريتيد » وفي أفريقيا صور رودجر الكاميرون وتشاد اللتين كانتا مجهولتين بالنسبة للأوربيين ثم انتقل إلى السودان، وفي ارتيريا شهد اندحار الإيطاليين على يد قوات الجيش البريطاني، وتابع تقدم الجيش المذكور في الصحراء الغربية.
في العام 1942 وجد رودجر نفسه في اليابان، ثم صور احتلال اليابانيين لبورما وافلح في الهرب، من غضبهم، إلى الهند بأن مشى على قدميه سلسلة جبال ناجا.
وظل يجوب الآفاق، ولا يستقر به المقام في بلد ما، في رحلة إلى بلد آخر. ولم يستقر فعليا في بيت إلا في العام 1959 ، وكان البيت الأول الذي يملكه ويعيش فيه حياة عائلية وزوجية طبيعية، وذلك في مقاطعة «كنت » البريطانية.



المشاركة السابقة