جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


جيمس جويس مطرباً .. الإنشاد وسط موسيقى الغرفة


باسم عبد الحميد  حمودي
  عند وقوف اصدقائه مع زوجته لتوديعه، غنى له صديقه الشاعر ماكس ميلي اغنية لمونتير دي  تقول (وداعاً أيتها الأرض.. وداعاً ايتها السماء) إيذاناً برحيل أعظم شخصية مبدعة في حينه، ذلك هو (جيمس جويس) الذي فارق الحياة في الثالث عشر من كانون الثاني 1941  وسط كلمات توديعية أخرى قدمها الأصدقاء السويسريون في زيوريخ حيث دفن.
كان ماكس ميلي في انشاده لجويس يحيي رغبة جويس العارمة في الغناء ويذكر الحاضرين بوداع جويس لعالمنا هذا بعد أن قدّم لهذا العالم أروع ما يمكن أن يقدمه مبدع.
لا أحد منا يستطيع الاحاطة بما قدمه ذلك الايرلندي المتمرد على اساليب الاداء القديمة في مقالة واحدة، لكني اغتنم الفرصة لأتحدث عن جانب آخر من حياته، ذلك هو حبه للغناء وولعه به وتمكنه من الإنشاد بصوت مؤثر بل وفوزه  في مسابقات غنائية عديدة، وارتباط الموسيقى بكل تنويعاتها بمؤلفاته الروائية.
قبل هذا لابد لي من الحديث عن حكاية الديوان الأول لجويس الذي ارتبط اسمه بالموسيقى أيضاً:

أصدر جيمس جويس ديوانه (موسيقى الغرفة) عام 1907 كأول عمل ابداعي له، بعد صراع مع الناشرين، كان جويس قبل هذا مفلساً لا يملك حتى ايجار المكان الذي ينبغي له أن يعيش فيه،  لكنه كان يعمل بجد من أجل أن يكون.
يقول الدكتور طه محمود طه مؤلف (موسوعة جيمس جويس) التي صدرت عام 1975، وهو باحث متخصص في ادب جويس حيث درسه تفصيلياً وهو يدرس في (دبلن) إن جويس اضطر عام 1904 أن يقيم مجاناً في أغرب مكان في العالم هو (قلعة مارتيلو) التي استأجرها صديقه طالب الطب أوليفر سانت جون جور جاتي من وزارة الحربية بثمانية جنيهات سنوياً!
يقول دكتور محمودفي ص61 من الموسوعة واصفاً القلعة: (تقع القلعة في ساندي كو على خليج سكوتسمان.وهي إحدى القلاع التي بنيت لحماية أيرلندا من الغزو الفرنسي، ويبلغ سمك الحائط المستدير ثمانية أقدام)  وكان جويس في هذه القلعة التي سكنها مجاناً اكثر تحرراً من حياته في دبلن، لكنه لم يستطع الاستمرار في عزلته الغريبة التي أفاد منها  في تأسيس مشهد لستيفن في (عولس) وهو يطل من الطابق الأول على أجمل منظر طبيعي لحي دون ليري في الفصل الأول من الملحمة.
كانت أولى محاولاته الابداعية قصائده الغنائية التي كان يقرؤها على أصدقائه، وهو يجول في شوارع دبلن بصوته الغنائي الجميل، وقد جمع جويس هذه القصائد  في ديوانه (موسيقى الحجرة) C hamber Music  الذي طبع في مايس عام 1907 بعد صراع من الناشرين وحصوله على نقود شحيحة من طبعته الأولى التي حازت على أعجاب عزرا باوند وكيتس وسواهما.
  من قصائد الديوان الذي مرت مئة  وعشرة أعوام على نشره قصيدته:

    طفل ينام بينما عجوز يمر
  وقد جاء فيها :
نم وأرقد أيها القلب الشقي
هناك صوت يسمع في قلبي
يصرخ نم وحيداً الآن
بصوت ضعيف
الشتاء يسمع عند الباب
أيها النوم
لأن الشتاء يبكي متوسلاً قائلاً:
إن قبلتي ستعطيك السلام
وفي قصيدته (المحكمة المفلسة) ينشد جويس:
أوتار في الأرض والجو
تهب للموسيقى مدوية
أوتار بمحاذاة النهر
حيث يحتشد الصفصاف
ثمة موسيقى على طول النهر
حيث الحب يهيم هناك
  من جهة أخرى قام موقع مجلة (البعيد) الالكترونية السودانية بنشر ترجمة موثقة لديوان (موسيقى ألغرفة) أقام  بها الأستاذ محمد عيد إبراهيم، ومنها نختار :
    1 -  هوذا عيده
  من ماضٍ داكن
ولد الطفل
    ما  بين فرح وترح
تمزق قلبي
هادئاً في مهده
2-
جاءنا الحب
جاءنا  الحب حيث  راح الزمن
حينما عزف  أمرء خجلاً عند الشفق
وأمرء من خوفه يقف قريباً
فالحب في مبتدأه مقرور
نحن عشاق غامضون  والحب ماضٍ

3-
زهرة أهبها لأبنتي

وردة بيضاءهشة وهشة
يداها الواهنتان
روحها ذابلة وأشد شحوباً من
موجة الزمن اللينة

قبيل صدور الديوان بسنوات، شارك جويس في عدة حفلات موسيقية غنائية، بل دخل مسابقات للغناء حصل فيها على جوائز  ليست ذات قيمة مادية كبيرة، لكن لها قيمتها الاعتبارية التي دفعت جويس للتفكير في أن يصبح مطرباً لينال الشهرة والنقود، لكن محاولاته في هذا المجال كانت صادمة لعدم حصوله على (مروج) لأغانيه أو مسؤول اداري لتجاربه، لكن الغناء ظل هاجساً دائم الظهور في منزله المتنقل ما بين دبلن وتريست وباريس وزيوريخ سواها من المدن التي عاش فيها ليكسب رزقه معلماً للغات وموظفاً في بنك ومحاضراً في  مدرسة ومترجماً.
وحكاية عنوان (موسيقى  الحجرة) أو الغرفة،ت ستحق أن تروى، إذ كتب جويس ديوانه على مراحل وعندما أتم جمعه كان حائراً في وضع عنوان له لتناثر قصائده وعدم خضوعها لرتم واحد سوى رتم الروح العصية القلقة.
يقول دكتورطه محمود طه،أحد أبرز دارسي أدبه وواضع الموسوعة التي تخصّ جويس بما يقرب من الـ700 صفحة في ص50 من الموسوعة :

(كان أحد أصدقاء جويس يقضي وقتاً طيباً مع  أرملة شابة كلما دعت الحاجة في منزلها، وذات يوم دعا جويس للذهاب معه، وذهب جويس ومعه قصائده وبعض زجاجات البيرة، وقرأ عليهما جويس بعض قصائده، وأرادت الأرملة أن تقضي حاجتها في مبولة في غرفة النوم، وبعد برهة صدر عنها صوت رنان دون حياء عندما أطلقت ريحها، وصاح صديق جويس فرحا ((والله أنها لناقدة للشعر، ألم تسمع صوت تذوقها لقصائدك؟)) وأجابه جويس((ناقدة أم لا، لقد أعطتني عنواناً لكتابي – سأطلق على قصائدي: موسيقى الحجرة)) وهكذا كان، وكان جويس بهذا العنوان الغريب المغاير للأعراف يحتج على العالم الذي لم ينحنِ لعبقريته الواعدة بعد، وظل الديوان في أدراج الناشرين عدّة سنوات حتى تمكن جويس من اقناع احدى مؤسسات النشر،حيث أصدرت مؤسسة ألكين ماثيوز  ديوان جويس الاول بـ509 نسخ وبيع بثمن شلن ونصف للنسخة الواحدة، دون أن يحصل منه جويس على الكثير سوى الاحترام النقدي وليس النقود.

كان جويس في كل مؤلفاته الروائية يهتم بالصوت اضافة للمادة الدرامية التي يقوم عليها العمل الروائي، كنموذج، لذلك نجده  في يقظة فينجان وفي الجزء الثامن الذي يسمى (الغسالات عند النهر) نجد جويس يقدم قطعة موسيقية – لغوية  مكونة من عدة لغات، قام جويس بتسجيل بعض صفحاتها بصوته على أسطوانة قبيل وفاته، وعند سماع ما سجله جويس بصوته الرنان الصادح، تستنتج أن هذا الفصل ينبغي أن يقرأ بصوت مرتفع لوجود تكوينات لغوية صوتية قام جويس بتدوينها وإنشادها بعدّة لغات.
  يظل جيمس جويس مبدعاً مبهراً حفر بعمق في تكوينات الأدب الروائي العالمي، وهذه الإطلالة تحاول تسجيل جزء من مواهبه الفريدة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية