جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عندما انتهت حربُ الأوغاد: التأريخُ الشخصي لمأساتي ومهزلتي.. قال المؤرخ


حمزة عليوي
ماذا بوسع مؤرخ فاشل مثلي أن يكتب الآن؟ الأحرى ربما أن افكر بالأمر ملياً؛ فكيف لمن لم يدرس علم التأريخ، هكذا كان يجادل صديق، هو علم شأن غيره من العلوم، ولم يتعلم طرائق كتابته، أن يكتب تاريخاً معيناً؟ لكنّ التأريخ سرد وذاكرة! هكذا جادلت نفسي وصاحبي، مؤرخ الشعوب والحكايات الكبرى. إنه مروياتي وذاكرتي،
وقبل أن تعترض فإني اعرف انها مهمة كاتب الرواية، أن يكتب مرويات مستعادة أو مختلقة، وعندي أن التاريخ هو تاريخي المغلوبين على أمرهم؛ فهل سمعت عن مؤرخ وضع كتاباً عن”سلمان الكنان"؛ في مقابل عشرات المؤرخين الذين سيكتبون تاريخ شخصيات عسكرية وسياسية وفنية معروفة، مع إني أرى أنّ لسلمان حكايةً أهم من حكاية هؤلاء كلهم، في الاقل هذا ما أراه أنا، مؤرخ حكايتي. فأين كان سلمان الكنان ليلة الثامن من آب، ليلة النصر والسلام مثلما صرخ بوجهنا باهتياج قارئ بيان البيانات وقتها، وأين كان قادة الجيش المنتصر كما قال لنا بإصرار حاكم البلاد آنذاك، واين كانوا في ليلة التاسع من نسيان مثلاً، ولم يدرك سلمان الليلة الأخيرة؟. اتذكر سلمان الكنّان جيداً، كنت احمل له اللبن، كانت امي تضعه في اناء محكم وتطلب مني أن اوصله الى بيته. كان ذلك في زمن آخر، قبل أن يعلن الاوغاد حربهم الظافرة. في ليلتها، الليلة التي انتظرها الجنود، بالضبط من بقى منهم حياً، والامهات اللواتي يئسن، شأن الفتيات المراهقات اللائي أدركن العشرين وما بعدها، وبعضهن كن يدرسن، أو تخرجن في جامعة ما، من الدعاء والنذور لأجل أن تنتهي اطول حروب البلاد. كان الامر بحاجة الى معجزة من طراز آخر، ولم تكن سوى صوت المذيع المهتاج في التلفزيونات القديمة، الصغيرة أو الكبيرة، ولا فرق، وعبر أجهزة الراديو كان صوت”مقدار مراد”يصرخ في المحتفلين بالنجاة. في ليلتها فعل سلمان الكنّان ما لم يفعله منذ أن اعتزل الدنيا، وجلس في بيته ينتظر ساعته الأخيرة، كان الجميع يحتفل بطريقته الخاصة، ثمة من يطلق النار في الهواء ليسقط رصاصه على رؤوس المحتفلين، ثمة من كان يرقص، ثم من كانت تزغرد، كل هذا توقف مع مشهد ظهور”سلمان الكنّان”مستنداً الى ابنته، ليرفع يديه الى السماء، ويقول: ربي شوفني بيه يوم. فيما بعد ستصبح هذه الجملة لازمة تتكرر قبل اول افطار في رمضان، وقد اضاف اليها جملة صغيرة: ربي شوفني بيه يوم، هذا آخر رمضان!! مات”ابو قابل"، سلمان الكنّان، قبل أن يرى المشهد الأخير! فمن سيؤرخ لحياة المغلوب على أمره، وقد اقول من سيفكر به؛ فالتاريخ يكتبه المنتصرون، ولا عزاء للمظلومين والمغدورين والضحايا، وهم الأغلب من البشر، كما لو أن التاريخ، تاريخ الحكايات الكبرى يُعنى بشأن القلة من ملوك وأوطان وشعوب متخيلة. واغلب الظن أن قصصهم لا تغري المؤرخين وكتّاب السير. هل اريد أن اقول اني من سيتولى هذه المهمة؟! بالطبع لا، كان فالتر بنيامين قد فعلها قبلي، وفعلها آخرون بعده. لكن مؤرخينا تشغلهم المرويات الكبرى، حكايات الاوطان الزائفة، الافكار الصاخبة عن العدالة والشعوب التي تنزاح عن الاوطان، تحمل ذكرياتها وتذهب الى المنفى. لا احد منهم يفكر بحياة مواطن شهد الجمهوريات كلها، وكان قد ولد في عهد الملكية قبل سقوطها بعقدين في الاقل، لا احد منهم يمكنه أن يتأمل جملة”سلمان الكنّان”الاخيرة، قالها بحق شخص تلكأ في جلب حاجة طلبها، بعد اشهر وقع امامه، فصاح منادياً احدى بناته، أن تساعده في النهوض، فلما استوى واقفاً، قال له:”ابو فلان.. جاوبني بحرف الميم: ما رحت، ما جبت، معليه، مابيه، مالكيت، ما عندي.. جاوبني بحرف الميم، ولا تخليني هيجي حاير! ماركس نفسه نصح مؤرخينا في”الثامن عشر من برومير/ لويس بونابرت”أن يكتبوا عن الوقائع؛ فالتاريخ عنده”يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة. وما نراه الآن هو المهزلة"؛ فأين حدود المأساة، واين حدود المهزلة؟! شخصياً لا اعرف عن هذا التأريخ سوى ما عشته، ما تعذبت بسببه، واتفهم جملتي الاولى، بعد اقل من عقد، اني قد كتبت يوماً: طز بقوانيني.. طز بأكاذيبي؛ مادمت غير قادر على أن اميّز بين المأساة والمهزلة، ولا اعرف الحد الفاصل بينهما سوى ما عشته كمأساة وما عشته كمهزلة!
مقدمة أولى..
كان أهلنا، وربما مازالوا، يؤرخون ايامهم بوقائع الدهر. النبي محمد، مثلاً، ولد عام الفيل، واختي الكبيرة ولدت يوم احترق عارف، هكذا كانت تقول امي، وتضيف بلا اهتمام:”صعد لحم ونزل فحم... وفي الفجر الباكر انجبتها!"، وفلان تزوج يوم ماتت البقرة الصفراء. لا أحد يُعير الدولة ورزنامتها ادنى اهتمام. ثمة جيوش من العراقيين ولدوا في الاول من تموز، والمفارقة أن من سجل لهم هذا التأريخ هو موظف حكومي يعمل في دائرة السفر والجنسية كما كانت تسمى. ذلك الموظف رفض، بإصرار عجيب، أن يعترف بتواريخ حكومته، وسجل للملايين يوم ميلاد واحد. انا لا اختلف عن غيري، انا هذا النسّاء الرافض لسجلات الحكومة وتواريخ لوائحها الكثيرة، صور قادتها العديدة. ولاني بلا ارشيف احاول الآن أن اتذكر من جاء أولاً، من جُمعت اعضاؤه على عجل ووضعت في تابوت، ثم لُف بعلم البلاد وجاء أولاً؟ اغلب من عرفتهم يؤكد إن”ستار نعمة جبوري”هو الاول. اول”شهداء”حربنا الاولى”المجيدة". يمكنني أن اتذكر آخرهم: زاهر كاظم منجي، صديقي. طلقة طائشة صرعت ضحكة زاهر الاخيرة. قال لي آخر مرة: سأوصل البريد واعود! وعاد بثقب في رأسه. كانت الحرب قد انتهت، انتهى فرح الناس بزوال الكابوس، انتهى الشباب من احلام حياة تنتظرهم. زاهر نفسه كان قد تحدث موسعاً عن حياة تنتظره، ولم تنتظره سوى طلقة طائشة اخترقت رأسه. لا اتذكر ماذا حصل بعدها. أمر واحد اعرّفه، حقّ المعرفة، اني لم اذهب الى تلك الحرب، كنت فقط انتظر التوابيت وأم حسين، وهي تركض من اقصى بيت قرب الشط، حيث كانت تسكن، الى استدارة الباص الحكومي، بالضبط حيث نصب معلمنا صلاح دين خيمة ووضع فيها تلفازاً صغيراً وترك الناس ترى عبر شاشته البكر، وآخرون يجلسون على كراسٍ وثيرة ويبتسمون. فيما بعد ستقف، في المكان ذاته، سيارة السينما، وستظهر على شاشتها”سأعرف لاحقاً أن السينما بلا شاشة!”شابة فاتنة تغني مع شاب انيق، وهما يمشيان في بستان كثيف الاشجار. أم حسين كانت تقطع المسافة بنفس واحد، امرأة في الستين، كانت تبحث في التوابيت عن وجه ولديها الجنديين. وفي كل مرة لا تجد أحداً منهما، عندها فقط تخر مغشيةً على الأرض. مرة واحدة رأيت أم حسين تبتسم. كانت ابتسامة ظافرة ولاشك. ابتسامة كبيرة لم أرها على وجه أمي ليلتها. خرجت أم حسين من بيتها وابتسمت للشباب ثم زغردت ونثرت”الجكليت”على رؤوسنا. كان ذلك يوم بيان البيانات، يوم انتهت حرب الأوغاد، ليلة الثامن من آب عام 1988.
************
مقدمة ثانية..
لم يبق غير مصطفى، مصطفى نفسه الذي تسبب بسقوط الاباتشي الامريكية وتحطمها، بعد شهرين ربما، من ليلة ٩/٤، كان مصطفى وقتها ابن الخمس سنوات، أخذته وقتها الى الشط ليسبح معي، فلا ماء وقتها في البيوت.. ألزمته أن يبقى في مكانه، على الجرف، حتى اناديه فيدخل الشط. وشاء الحظ أو الصدفة، سموها كيفما ترغبون، أن تقلع الاباتشي من القصر الرئاسي في بابل مع لحظة دخولي مياه الشط.. طلبت من مصطفى أن يخلع ملابسه، وكنت أرقب الاباتشي وقد خلفت وراءها كتلة عظيمة من الغبار. صعدت الطائرة قليلاً ثم اندفعت باتجاهنا، كان مصطفى قد صار بين يدي، وقبل أن اُغطسه بمياه الشط، صارت الاباتشي فوقنا تماماً، رفعت رأسي لأرى طاقم الطائرة في لحظة استدارة الطائرة، وكانوا ثلاثة، ثم رأيت قائد الطائرة يلوح بيده لمصطفى، ثم سمعت احدهم يصيح من الطائرة بالطبع، قال، وهو يلوح بيده: هلو بيبي..! ثم كان الانفجار العظيم؛ ارتطمت الاباتشي بأسلاك الضغط العالي العابرة للشط. بعيني رأيت لحظتها كيف ارتطمت مروحة الاباتشي بأحد الأسلاك الثلاثة، دارت في الهواء دورة كاملة وسقطت بطاقمها. بعد ثوانٍ انقلبت الدنيا، كانت الاباتشي تتبع قوات المارينز، قوات النخبة في الجيش الامريكي، لكن مئات الجنود الذين مرّوا من امامي، وكنت منبطحاً وتحتي مصطفى بأمل حمايته من أي سوء، كل الذين مرّوا قربي، ولم ينتبهوا لي، اولئك الجنود الاشاوس، قوات النخبة، لم يكن بينهم جندي واحد، ذكوراً واناثاً، يعرف السباحة؛ فأمام جمهور عريض من ابناء المنطقة، حاول احدهم، من الجهة المقابلة، أن يغطس في مياه الشط لينقذ رفاقه، فلم يبتعد عن الجرف امتاراً قليلة حتى سمعه الناس المتجمهرون على جهتي الشط، كل الناس، بما فيهم جنود المارينز انفسهم، وأولهم قائدهم، كلهم سمعوا ذلك الجندي يصيح: هلب مي. وعندها تقافز الشباب الى الشط، من جهتيه، لينقذوا الجندي الغريق. فجأة انتبه قائد الجنود لوجود زورق صغير ربطه صاحبه الى قطعة حديد مثبتة عميقاً في الأرض، تكلم القائد مع رفيقه، ثم جرى ابعاد الناس المتجمهرين قليلاً، وبدأ الجنود بإطلاق النار على حلقات السلسلة الحديدية ليحرروا الزورق وتستخدمه قوات النخبة في الوصول الى منتصف الشط، حيث سقطت الاباتشي. لا اتذكر الآن كم جندياً، من قوات النخبة، قد شارك بإطلاق الرصاص صوب حلقات الحديد الصغيرة، لكني اتذكر جيداً، كما لو أني الآن اشاهد ما حدث امامي، فجأة تقدم أحد الواقفين، من الجمهور طبعاً، وعرض المساعدة بأَن يستخدم الرشاشة، ويضرب رصاصة واحدة صوب حلقات الحديد. توقعت، لحظتها، أن يرفض القائد لكنه وافق. وبهدوء وثقة صوب صاحبنا صوب حلقة واحدة، سمعت صوت الاطلاقة ثم رأيت الزورق يتحرك في الماء، رمى صاحبنا الرشاشة صوب صاحبها وغادر المكان؛ فهل ثمة مجنون واحد، حتى الحمقى لايمكنهم أن يصدقوا حرفاً واحداً مما كتبته، مصطفى افندي هذا، وسيلتحق، بعد سنة واحدة، بالجامعة، هل بإمكانه أن يصدق أن ما كتبته هو ما حدث بالضبط.. شخصياً اجزم أنه سيحرك شعره، ويقول بابتسامة خبيثة: بكيفك خالي، تريدني اصدق فسأصدق، بس لا تزعل!
لكن مصطفى الذي يزعم، كذباً وزوراً، انه قد صار اطول مني، مصطفى هذا لا يتذكر مما حدث أمراً يستحق الذكر، فلا طائرة قد سقطت، ولا جنود مرّوا راكضين قربنا، ولا عشرات الهمرات التي ارتقت التلال المحيطة بشط الحلة، فقط عندما قلت له، بعد حين، لقد وضعتك تحتي لأحميك، سألني عندها باستغراب: ممن تحميني؟! اجبته: من امور عديدة، من حطام الطائرة، من اسلاك الضغط العالي، أمور كثيرة مرت سريعاً في بالي. في وقتها، بعد أن رويت له ما حدث، قال بابتسامة صفراء وبتندر: يا خال.. كدت اموت تحتك، كدت أموت تحتك!!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية