جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


عثرات الجابري


د. خزعل الماجدي
أطلّ المفكر المغربيّ (محمد عابد الجابري) على العرب وتراثهم إطلالةً جديدة وغير مسبوقة، في حينها، أحدثت جدالاً واسعاً في الأوساط الفكرية والفلسفية العربية المتنورة، وكذلك في الأوساط السلفية  المحافظة، وكان الجابري يمتاز بأسلوب سلس في طرح أمور معقدة  مما جعله سهل التداول والانتشار وهذه ميزة فريدة امتاز بها.
يهمنا، في هذه المداخلة، ما أنجزهُ في الحقل النظري، نجاحاً واخفاقاً، ولاشك أن الجابري اجتهد كثيراً واستطاع أن يخلق له شخصيةً فكريةً متميزة ونجح نجاحات كبيرة، لكن هناك إخفاقات شابت طروحاته الفكرية والفلسفية  لا تمنع المكاشفة العلمية من ذكرها :
المسألة الأولى : العقل العربي؟ إخفاق التسمية
أساس الحقل النظري عنده هو ما أسماه بـ (العقل العربي)، وهو مكوّن حديث، لكنه استخدمه كمكوّن قروسطي على اعتبار أن كل الفكر الإسلامي كتب باللغة العربية، وهذا غير صحيح بالمرة، فهناك الكثير من صفحات الفكر الإسلامي مكتوبة بلغات شعوبها الإسلامية وغير العربية  (فارسية، أوردية، تركية، كردية.. إلخ)، ثم أن أغلب من كتب هذا الفكر ونظّم هذا العقل منذ بداياته هم من غير العرب بل من هذه الشعوب التي ذكرناها.. وحجة أن العربية هي الوعاء الذي كتب فيه هؤلاء حجة ضعيفة لأن بنية اللغة لا تتطابق كليّاّ مع بنية العقل ولذلك لايجوز اعتبار كل مفكرٍ مسلمٍ كتب بالعربية مؤسساً لـ (عقلٍ عربيّ) بل الجميع ساهموا في تأسيس (عقل إسلامي) وهو الأصوب من وجهة نظرنا، خصوصاً أن اللغة العربية لم يتكلمها أكثر من 25 % من المسلمين.
ولعل مايؤكد هذا هو أنه حين قسّم العقل العربي إلى ثلاثة عقول (البرهاني، البياني، العرفاني)، وهو تقسيم أوحى له به القشيري، تبيّن لنا من طروحاته هو أن العقل البرهاني هو عقل غربي إغريقي الأصل وأن العقل العرفاني هو عقل شرقيّ الأصل تمتد جذوره في فارس والهند وبابل ومصر الفرعونية، ولايبقى سوى العقل البياني الذي هو عقل عربي. أي أن العقل العربي هو ثلث (العقل العربي) باعتراف الجابري نفسه، وأن الثلثين الآخرين هما من أصول شرقية وغربية غزت وانتهكت العقل العربي!!.
هذا لوحده يكفي أن نثبت به عدم دقة مصطلح (العقل العربي) الذي استخدمه الجابري ليصف به العقل الإسلامي القروسطي، أما العقل العربي فهو مصطلح حديث يمكن أن نستعمله لوصف مكوُن حديث تبلور منذ نهايات القرن التاسع عشرفي ما عرف بالنهضة العربية ومازال يتكون.
2. المسألة الثانية : تسفيه وبتر العقل العرفاني
لابد من القول أن كل الشعوب تحمل، في تراثها وتكوينها، عقلاً عرفانياً تستعمله في التعبير عن التشوقات الغامضة للعوالم الخفية والروحية والشعرية، وهو حاضر بقوة في العقل الغربي الحاليّ الذي يعتمد على العلم أساساً بل هو سبب في زحزحة الفكر الغيبي، منذ بداية عصر النهضة بواسطة ماعرف بالحركات الهرمسية الجديدة،  وفسح المجال للعلم كي يكون ويهيمن.
هل من الصحيح أن نزيل العقل العرفاني من مكونات  العقل العربيّ الإسلاميّ وبعملية جراحية كالتي اقترحها الجابري؟، ألا يعد ذلك بمثابة اعلان الجنون في هذا العقل أو قتله لأننا أزحنا عنه مكوناً أساسياً يفترض ترشيده وتوجيهه وليس بتره؟، ثم هل الأمور بهذه البساطة وهذا العقل يرقد في طبقات اللا شعور الجمعي لنا كعرب ومسلمين، خصوصاً أن تربته هي تربة الحضارات القديمة التي يزهو بها  تاريخ البشرية كله من سومر وحتى حرّان.
كان من المفروض أن يقوم الجابري بوضع صيغة  توازنٍ ونسبٍ محسوبة  بين المكونات الثلاثة للعقل العربي بدل البتر، ثم هل يعتقد أنه عندما يقترح هذا فإن العقل العرفاني سيزول ببساطة؟
ناقش الأمر معه باستفاضة واسعة جورج طرابيشي في كتابه (نقد نقد العقل العربي – العقل المستقيل في الاسلام) وعارضه بوضوح شديد.
3. المسألة الثالثة : تضخيم الدور الأرسطي الرشدي
أما المسألة الثالثة فهي الغلواء في التعويل على العقل البرهاني والتلميح للدور المضخّم المهوّل  لابن رشد باعتباره سليل العقل الأرسطي، بشكل خاص،  وسبب نهضة الغرب بعد أن قرأوه واطلعوا عليه، فشد بين  ضفتي تاريخ الغرب الإغريقية / الرومانية والحديثة. هذا الكلام جرى ومازال يجري على ألسنة وعقول الكثيرين وهو  أمر مبالغ فيه، فالحضارة الغربية قامت، بالدرجة الأساس، على صرح العلم (الذي لم يذكره الجابري مطلقاً) وليس على أساس الفكر البرهانيّ الأرسطي الرشديّ.
لم تكن الرشدية، بالنسبة لأوربا الحديثة، أكثر من تيار مع عشرات غيرها هضمتها وعبرتها نحو الديكارتية التي هي البداية الصحيحة للفلسفة الأوربية الحديثة .
ثم أن النهضة الكبرى للغرب لم تقم على اكتاف ابن رشد، كما يتوهمون، بل على أساس (الأورغانون الجديد) لفرانسيس بيكون ومنهج الاستقراء اللذين عارض بهما (الأورغانون القديم) ومنهج الاستنباط لأرسطو، وبالتالي تابعه ابن رشد، وقد يضعنا هذا في حيرة حين نتساءل عن الدور السلبي لاستمرار ارسطو ومنهجه في الغرب!.
3. المسألة الرابعة : الفكر المؤدلج للجابري
المسألة الرابعة  التي أود إثارتها هي أن الجابري، بقصد أو بدون قصد، كان مؤدلجاً  حين نزّه العقل البياني وظنهُ عقلاً خالصاً عميقاً لابد من حقنه بمصول العقل البرهاني لكي يزهو ويأخذ مكانته في العصر الحديث، ونسي أن هذا العقل البياني هو الذي طرد العقل البرهاني وحاربه وسفهه ولم يقبل به، وشواهدي كثيرة على هذا تبدأ من محاربة المعتزلة وتنتهي بحرق كتب ابن رشد.. فكيف يمكن تصالح البيان مع البرهان وتاريخ الحرب التي شنها البيان على البرهان، في تراثنا، لاحدود لها.
دليلي الآخرعلى ضعف ما نادت به طروحات الجابري، وتمنيت أن يطول عمره ليشهد زمننا هذا فيتأكد، هو ماحصل في وطننا العربي، وهو معقل العقل العربيّ،  في مرحلة الربيع العربي ومابعده، حيث اتضح لنا جميعاً أن انفجار العقل البياني العربي اكتسح بخرابه كلّ شيء ودمر كل ماحاولنا أن نبنيه  في مرحلةٍ سابقة.
الحرب التي شنها البيان، تحت ستار الدين والأصولية، استهدفت البرهان والعرفان معاً، هل يكفي هذا التلميح؟، وصرنا اليوم نتوسل الدنيا كلها للقضاء على هذه النزعة المدمرة.
كل هذه الأمور بالغ بها الجابري وجعل الكثيرين من القراء والمثقفين العرب يتوهمون بها.
وكل هذا لاينتقص منه، بل لابد من قول الحقيقة لكي نعرف كي نبني طريقة نظر فكريةٍ أكثر دقة وحصافة لحاضرنا ومستقبلنا.



المشاركة السابقة