جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


ثلاثية بعقوبة.. بعقوبيون - العراق كما حلم بهِ اليسار!


ملهم الملائكة
نشر الأديب والأكاديمي العراقي أحمد خالص الشعلان روايته”ثلاثية بعقوبة... بعقوبيون” بعد أن جاوز السبعين، وسبقها بعدّة مؤلفات ومقالات كثيرة وأعمدة في صحف ومجلات على مدى نصف قرن، لماذا كانت الرواية محطته المتأخرة؟
تتدفق الأحداث في رواية”ثلاثية بعقوبة... بعقوبيون”في سياق ينقل القارئ بلا تحفظ الى أزقة ثلاثية نجيب محفوظ، وكأنّ الشخوص تمتص ذات الرحيق من ذاك العصر، وكأنّ الأزقة تلطخت بذات الوحل من حارات السكّرية وقصر الشوق وبين القصرين، وكأنّ التاريخ تجمد عند مصر الثلاثينيات كما وصفها نجيب محفوظ. ولا يملك القارئ الا أن يهتز طرباً لهذا الانسياب الرائع السلس لواقعيات السرد غير المُتعِبة.
فانتازيا مرهون بكر العربنجي، في بواكير الرواية فصول عراقية تقترب جداً من مناخ غائب طعمة فرمان بخاصة في القربان وفي النخلة والجيران، وهذا النبض المسرحي فيها يجعلها لصيقة الروح، لاسيما أنّ شخوص الفصل وما بعده ينسون أنفسهم كأبطال رواية وينهمكون في خطاب مسرحي، يطرب له القارئ المطلع، لكنه قد يطيح بالقارئ المتسرع الى متاهة اغتراب بين لونين. ولدى سؤال مؤلف الرواية أين يجد القارئ أحمد خالص الشعلان بين البعقوبيين أجاب:
*إنّ”ثلاثية بعقوبة...بعقوبيون”هي رواية تسجيلية والمؤلف هو الروائي و الراوي معاً، و يجده القارئ في شخصية شمران الأحمدي.
مرهون العربنجي علامة فارقة في طريق السفر، وهي علامة فارقة في تاريخ بعقوبة المدينة التي تشكلت بهدوءِ قريةٍ على خاصرة بغداد الشرقية الشمالية، لكنّها تمردت وأبت إلا أن تكون مدينة، لاسيما أنّ المدن العراقية الكبرى الثلاث ومنها بغداد، في مطلع القرن العشرين، لم تكن أكثر من قرى كبيرة، ومرهون العربنجي بعربته (الحنطور- الربل) يسجل على وقع حوافر حصانيها تفاصيل نمو المدينة القروية الفقيرة.
مدينة البرتقال- خليط من أمم وشعوب ولغات!
وهي لا تملك شيئاً إلّا برتقالها الشهير ورمانها، الذي جعلها أثيرة لدى قلوب البغداديين باعتبارها عاصمة الحمضيات، فأقيم بسبعينات القرن العشرين، ميدان البرتقالة في مركزها ليتوّجها بستاناً للعاصمة ولكردستان وبعض سامراء. ومن عجبٍ أنّ التنوع في هذه المدينة يجعلها خليطاً يمر عليه أبطال رواية بعقوبيون بعفوية سائلة لا تريم، فهنا تواريخ فارسية تركية كردية لرية خفية، تبدأ من شهربان، وخانقين وزرباطية ومندلي وخريسان وبلدروز، وشاخة بعقوبة، وكلها مفردات فارسية تركية لُرية احتفظت بمعانيها رغم أنّ البعقوبيين لم يكونوا يعون هذه القضية وكانوا غالباً عرباً خالط تاريخهم بالتناسب تواريخ ايران وتركيا ولرستان وكردستان وأبعد من ذلك أحياناً. وكذلك التحدث عن يهود بعقوبة، تسرده الرواية بلا تعقيد، فإثنان منهم يؤجران صالة السينما (سينما ديالى)  لغايب مرهون الغريب الفقير الذي كبر في اسطبلات الخيل وبين ساستها ليصبح رجل أعمال ناجحاً.
نهر ديالى بحد ذاته يروي قصة تداخل الجغرافية وسيولة التاريخ، فاسمه حتى اسمه، فارسي (ويُكتب ديالا مستلاً من وقائع التاريخ المشترك بين لر عيلام في غرب إيران وبين أهل وادي حلون، التي باتت تعرف بديالى في زمنٍ مجهول)، ومياه هذا النهر تائهة بين الوند ودجلة ومياه مندلي وشاخة خريسان، وكل ذلك في مناخ مدينة عثمانية صغيرة عاشت على تخوم بالعاصمة (خمسين كيلومتراً)، فاختار بطل الرواية شمران الأحمدي أن يعيش على التخوم بعد تجاربه المرّة مع السياسة الغادرة في العراق.
وتكرّ الوقائع بتفاصيل تزاحم وعي القارئ أحياناً لكثرتها وفي مناخ فقير تنهال عليه أتربة أزقة لم تعرف الرصف، وشوارع مدينة تيتمت من القار إلّا في شارع المحطة الرئيس الذي تقاسمته محطة القطار الانكليزية، ومقابلها مبنى المحافظة.
بعقوبيون هي حكايا شخوص تعمّد المؤلف أن يدرج بعضها بأسماء حامليها، فيما حرّف بعضها الآخر لمقتضيات الترميز والحفاظ على الخصوصية، ولتكن أساميهم اغنية ترتوي بذاكرة البعقوبيين أنفسهم، ولو كانت فيروز قد غنّت”اسامينا”في ذاك العصر الحالم، لعرف البعقوبيون أنّهم جزء من أغنية تعب أهالي المدينة في تسمياتهم بدلالاتها الثرّة.
من يعرف بعقوبة المدينة- القرية بتاريخ القرن الماضي والقرن الحالي، لا يملك الا أن يطرب لما يرويه البعقوبيون الذين بعث فيهم أحمد خالص أرواحاً في طيات كتابه الضخم، ومن لا يعرف المدينة لا يملك الا أن يغرق في حلم البساتين ورائحة التراب الذي تبلله العصاري الندية، ورائحة الطوف وبيوت الطين والنخيل في أحواش عالية الجدران عرفتها كل بيوت المدن والقرى العراقية والعربية على مدى أكثر من مئة عام نملكها في وعينا حتى الآن ونحن نخوض في العصر الرقمي العولمي.
كازينو أم كلثوم- منجزٌ يتحدى مناخ الاسطبلات!
كازينو القاهرة، واسمه في الرواية”كازينو أم كلثوم”أحد أجمل ملامح مدينة البرتقال الحالمة في ستينات القرن العشرين، ونجح أحمد خالص، في أن يصف لمن لم يرون هذه المدينة كيف تسللت أم كلثوم بخدرها الأسيان الى قلوب البعقوبيين المنشغلين بصراعات السياسة، وكان فارس هذا المنجز هو غايب مرهون الذي بلغ من الحلم حدّاً أخذه الى القاهرة في أوج مجدها الناصري، فالتقى بأمّ كلثوم والتقط صوراً معها، زيّنت بعد ذلك جدران الكازينو الشهير.
يتعقب السرد بضمير الغائب تطورات السياسة في العراق، من خلال تاريخ أسرة مرهون البكر وابنه ثم حفيده، فيتزوج غائب مرهون أخت شمران الأحمدي يوم قُتل ملك العراق فيصل الأول وسُحل الوصي خاله في 14 تموز 1958 (وهو يوم مختلف على تسميته بين العراقيين ومتفق على أن قائده الجنرال عبد الكريم قاسم كان رجلاً وطنياً حسن النوايا لكنه جاهل بالسياسة ودروبها).
ويستمر هذا السرد مسترخياً غارقاً بدخان المقاهي، وكأنّه فيلم بالأسود والأبيض من تلك المرحلة، فيستلقي معه القارئ متلذذاً بتلك النوستالجيا النافذة الرائعة التي يحييها أحمد خالص الشعلان. وتمر تباعاً شخصيات بين الحلم واليقظة، وبين الحقيقة وخيال السرد: ماهي وحيد، حسين صفاوي، رشيد مطر، ابراهيم مساوي، مزهر الكهية، دكتورة وجيهة، هاني ميرخان ومئات غيرهم.
بعد عشر سنوات من زواج غايب مرهون نصل الى حدث يؤشر منعطفاً كاملاً في الرواية:
“بانبلاج صبــح ليلــة الانقلاب الــذي قــاده رئيــس عرفــاء الشــرطة تركــي الفتــاوي فــي كازينــو أم كلثــوم، صبــاح الســابع عشــر مــن تمــوز 1968، صحى الناس في بعقوبــة علــى خبــري انقلابين أحدهمــا حملــه صــوت مــن إذاعــة بغــداد ينبئ عــن قيــام انقــلاب قيــل عنــه أنــه أبيــض استولت فيــه ثلــة مــن البعثييــن على السلطة بعد استسلام رئيس الجمهورية ليلاً، موضوعــاً فــي طائــرة و مرحـلاً الى تركيا، ومعه انطش خبر الانقلاب الذي حصل في كازينو أم كلثوم باقتياد صاحبها مرهون الى التوقيف على ذمة التحقيق".
مسيرة  الفنطازيا من بعقوبة الحالمة إلى بعقوبة السياسية!
بعد هذا الحدث تبقى الرواية بضمير الغائب ولكنها تنحصر في دائرة شمران الأحمدي الذي كبر بما يكفي ليكون بطل السرد في تكريس للبطل السياسي الذي حاول المؤلف/ الراوي أن يتجنب تقمص دوره في الصفحات المائتين الأولى، وقد سألنا المؤلف عن ذلك فأجاب:
*"كروائي سعيت الى تجنب تقمص دور البطل السياسي، و لكني آثرت فيما بعد أن أقحم شمران الأحمدي المسقّط سياسياً في شباط 1963 الى ولوج عالم السياسة لاختبار النيّات المعلنة للبعثيين العائدين الى السلطة عام 1968. انخراطه في السياسة و هو يافع كانت حلته دوغمائية و ديموغاغية انتهت بسقوطه عام 1963، أما بعد 1968 فيتحول الى شخصية وجودية مسؤولة عن خياراتها، وبانخراطه سيكتشف أنّ”الواوي”البعثي قد تحول الى”ويوي”بعثي وبذلك سيلدغ شمران من”الجحر نفسه”مرة ثانية ولكن على ذمة خياره الوجودي الشخصي وليس على ذمة خيار منظمة سياسية أثبتت طوال تاريخها افتقارها لحسن تقدير ولبعد نظر في سياسة التحالفات. بظنّي أنّ الرواية على الرغم من كونها تسجيلية إلا أنها تمزج بين العام و الخاص في أحداث رمزية. خذ مثلاً، الانقلابين اللذين حصلا متزامنين في الليلة ذاتها، الانقلاب في”كازينو أم كلثوم”(خاص) وانقلاب البعثيين 1968 (عام)، وغيرها من المتزامنات والرواية غنية بسيمياء حدث من هذا النوع وغنية بسيمياء شخوصها".
منذ”ظلال الفنطازيا...حسين الجيراوي”يقترب السرد كثيراً من لغة المسرح، فيتعالى الخطاب الموجّه مباشرة لجمهور يقرأ ولا يرى لينقله الى مناخ مسرحي ربما تسرب من وعي الكاتب في تلك المرحلة، لاسيما أنّ بطله شمران سار في طريق التمثيل والمسرح لمرحلة مضت ومرحلة ستأتي. ومن موقع التخوم الذي اختاره شمران بعد سجنه عام 1963(تسعة أشهر مريرة في زنازين البعث والعقيد عبد السلام عارف)، ينتقل الكاتب الى تحولات السياسة، وتصبح كل الوقائع ظلالاً ورديفاً لتحولات السياسة في العراق. ومحطة في افتتاح ملعب الشعب، ولقاء شمران بوسيم حسني في المعلب وكأنه صنو لملعب سانتياغو حيث أعدم  جلادو الجنرال التشيلي يبنوشيه الشيوعيين الذين وصلوا الى السلطة منتخبين وقادهم سلفادور الندي الذي قتل في قصر الرئاسة وهو يدافع عن منصبه الشيوعي المنتخب (وهذه مفارقة، فالشيوعية ليست ربيبة الانتخابات بل الانقلابات والثورات الدامية عادة).
وكشف لقاء ملعب الشعب كما يرويه شمران عن أوهام الجبهة الوطنية التي عاشها الشيوعيون وقادتهم وضاع بسببها حلمهم الأحمر. وحقيقة الأمر أنّ التجربة الشيوعية في العالم كله كانت قد بدأت بالتآكل بوجود ديكتاتوريات الشيوعية الديناصورية المعتّقة وأصنامها التي خلدت حتى الانهيار النهائي!
فلسفة التخوم - الحلول الفردية وليست الحلول الجماعية!
تتردد في مساحات السرد فكرة”الحلول الفردية وليست الحلول الجماعية”كسبيل للخلاص يرى فيه شمران البطل حتى النهاية طريق الخلاص من زمن البعث وسلطته. ولا يتيح الكاتب لقارئه أن ينسى حجم ثقافته التي بزّت ثقافة من حوله طراً في تلك المرحلة فجعلته قائداً يلتف الشباب حوله، وهو ما أسقطه دون وعي (أو بوعي) على بطله شمران الأحمدي. وما فتئت تداعيات الثقافة الموسوعية التي يحملها الكاتب تتساقط على حياة الباعة والحمالين والعربنجية ورجال الأمن وياللعجب! وهذه لعمري من خاصيات مدينة”بعقوبة”مجهولة أصل الاسم!
شعورياً تنبض الرواية بالكبت وبالرغبة المشتهية المقموعة بقوة المجتمع والسلطة على حد سواء، وهي مشكلة كانت أخفّ وقعاً في العاصمة بغداد التي جاورت بعقوبة لكنها لم تلهمها أنوار الحرية ولا نعيمها وجناتها المفعمات. ورغم كل هذا الكبت، تتسرب خلال السرد وقائع علاقات عاطفية عذرية في الظاهر بين الشباب وأخوات بعضهم علناً بعلم أشقائهن ما يشكل ظاهرة انفتاحٍ ميّزت مدناً عراقية نشط فيها اليسار وبقيت ملازمة لها حتى تسعينات القرن العشرين، وأشهرها بعقوبة والحلة والبصرة.
رواية أحمد خالص بعد أن بلغ السبعين!
ولدى سؤاله عن كيفية كتابة الرواية وعن سبب تأخر نشرها حتى جاوز كاتبها السبعين، أجاب أحمد الشعلان:
"لم تُكتب الرواية على مراحل بل مرة واحدة أواسط ثمانينات القرن العشرين، وهي واحدة من ثلاث روايات كتبتها آنذاك ولم تنشر، لأني كنت على قائمة النشر السوداء آنذاك، وحكايتها على قدر طرافتها مليئة بالدلالة. ففي أواسط تسعينات القرن الماضي و في مرحلة يأس مطلق استغنيت عن مكتبتي (ليس أقل من ألف عنوان) وأحرقت كل ما كتبت وبضمنه الروايات الثلاث وظننت أنّ هذه الرواية بضمنها، ولكن زوجتي غيداء، وهي تقلّب سنة 2007 بأوراقي أسفاً على ما أحرقت وجدت مسودة هذه الرواية".
كنت في حينها قد بدأت مشروعي السردي وحين وجدتها كنت آنذاك قد كتبت كتاباً آخر من الثلاثية يتناول حقبة أبكر من حياة أسرة نزهان الأحمدي البعقوبية الى جانب كتب سردية أخرى. فراجعت النص وارتأيت ألا أجري عليه أي تغيير سوى المراجعة اللغوية وبعض التعديلات البسيطة ودفعته ليكون أول كتاب سردي ينشر لي، وتلبستني خشية من أن أعمد الى حذف أشياء قد أندم على حذفها لاحقاً لأنّ”بعقوبيون”بالأساس هي رواية تسجيلية، لذا فإني أزعم أنّ كتبي السردية المقبلة سيجد فيها القارئ قفزة في تقنية السرد والمعالجة و اللغة".
بعد أشهر من نشر الرواية علّق أحد قرائها في أوروبا:”هذه الرواية لن يحبها أحد في بعقوبة...لأنّها لا تمدح الشيوعيين بل تكشف عن عثراتهم التي يعاندون بعدم الاعتراف بها، ولن يحبها البعثيون لأنها لا تبرئهم وتكشف عن جرائمهم...ولن يحبها الإسلاميون الحاليون لأنهم بالنتيجة هم أصلاً أما هذا أو ذاك... ولن يحبها رهط الأشخاص الذين تتناول الرواية حياتهم بشخصيات تكاد تكون معروفة لدى القارئ!”.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية